“نحن نعتقد أن نظامنا السياسي يتقدم”، هكذا كتب هنري كيسنجر قبل أربعين عاماً، وقبل أن يتسلم أيضاً قيادة الدبلوماسية الأمريكية، وكان جورج واشنطن من هذا الرأي.
ففي خطاب الوداع الذي حذر فيه مواطنيه من التدخل في شؤون أوروبا القديمة، كتب إلى صديقه لافاييت ما يلي: “إنه رد فعل طبيعي جداً أن نعتقد أن نظامنا السياسي سيتقدم أيضاً إلى شعوب أخرى. لقد غرسنا بذرة الحرية والاتحاد التي ستنبت شيئاً فشيئاً في كل الأرض. ويوماً ما ستتشكل الولايات المتحدة الأوروبية على نموذج الولايات المتحدة الأمريكية وسوف تكون أمريكا المُشرِّع لكل القوميات”.
بيد أن هذه المقاربة في اعتبار النظام السياسي الأمريكي نموذجاً يحتذى به على الصعيد الكوني لم تهيمن دائماً على سلوك الزعماء الأمريكيين. فيمكن أن نلمس تشكل أربع مدارس فكرية وسياسية في هذا الصدد: مدرسة الفيدرالي الرئيس الكسندر هاملتون (1757-1804) القريب جداً من جورج واشنطن، والمهتم بحماية التجارة أكثر من فضائل الديمقراطية. ومدرسة الرؤساء جيفرسون (1743-1826) الذي قدم خطاباً معارضاً، واشترى ولاية لويزيانا من نابليون. ومدرسة أندرو جاكسون (1767-1826) الداعي لتأسيس سلطة قوية ومركزية، مدعومة من قبل جيش قوي. وأخيرا مدرسة وودرو ويلسوزن (1856- 1924)، هذا النبيل المثالي الذي برر دخول الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب العالمية الأولى من خلال ضرورة جعل العالم “مضموناً للديمقراطية”. فكان مشروعه إنشاء عصبة الأمم التي تدين بولادتها لإرادة ولسون شبه الرسالية، والمستمدة من روح النظام السياسي الأمريكي. ومع ذلك، رفضت أمريكا الانتساب إليها، من دون أن يمنعها ذلك، بعد زهاء ربع قرن من الزمن، أن تبادر هي نفسها، إلى إنشاء منظمة الأمم المتحدة بالتعاون مع الحلفاء، على قاعدة المبادىء التي أرساها ولسون.
وفي الوقت الذي كان فيه سلفه البعيد يحلم بدمقراطة سلمية للعالم، فإن الرئيس الحالي جورج بوش يعتقد جازماً وشرعياً بضرورة اللجوء إلى القوة والحرب من أجل أن تتقدم أفكار المحافظين الجدد، لاسيما مشروع الشرق الأوسط الجديد. وكان الرئيس الحالي له فكرة كبيرة لجهة انتظاره نتائج الانتخابات التي جرت في هذا “الشرق الأوسط الكبير”، والتي أثارت مخيلته السياسية، ولم يكن يشك في أن تكون نتائج الانتخابات مغايرة لطموحاته وأمنياته.
فالهندسة الديمقراطية، التي كان يجب أن تكمل “الحرب على الإرهاب” من خلال الإفساح في المجال للوصول إلى السلطة لنخب عربية ليبرالية موالية للغرب منبثقة من المجتمع المدني، ترجمت، في معظم البلدان التي جرت فيها انتخابات حرة، أو نصف حرة، إلى تحقيق بعض النجاحات الصغيرة.
وفي غضون ذلك، وبينما نجد الولايات المتحدة الأمريكية غارقة في الوحل العراقي في إطار مواجهة المقاومة، تغتنم إيران هذه الفرصة بوصفها الداعم الرئيس لبعض الأحزاب لتأكيد طموحاتها النووية مع الدعوة في الوقت عينه من قبل رئيسها أحمدي نجاد إلى “محو “إسرائيل” من الخارطة”. أما صواريخ حليفها اللبناني حزب الله التي أمطرت حيفا والمستوطنات الصهيونية في شمال فلسطين، فقد شكلت في نظر الصهاينة أزمة وجودية للكيان لأول مرة في تاريخه، معتبرين أن طريق حيفا وتل أبيب يمر عبر طهران، وهذا إن دلّ على شيء فهو يدل على عجز واشنطن المرتبكة في بغداد، عن ضمان أمن حليفتها الرئيسية “إسرائيل”. وهكذا، اتخذت إدارة الرئيس بوش موقفاً عدائياً من سوريا وإيران. وترسخ الاعتقاد لدى الإدارة هذه أن أمريكا والكيان الصهيوني يستطيعان تشكيل تحالف قوي يسيطر على منطقة الشرق الأوسط، ويستطيع بموجبه تجاهل حقوق دول المنطقة. بيد أن ذاكرة الرئيس بوش قصيرة، فهو لم يتذكر ما قاده إليه “المحافظون الجدد” من حرب لا طائل منها في العراق، إذ قتل 2500 جندي وجرح 15000 جندي أمريكي، من دون أن تحقق نتائج ملموسة، إلا إذا اعتبرنا قتل الآلاف من العراقيين، وما تحقق من كراهية العالم العربي والإسلامي لأمريكا إنجازاً له.
لقد أوقع المحافظون الجدد الولايات المتحدة الأمريكية تحت طائلة ديون تقدر بنحو 400 مليار دولار، جراء أخطائهم في شن حرب استباقية على العراق، وهم اليوم يحثون بوش لفعل شيء آخر من خلال دعوتهم لشن هجوم على سوريا وإيران من دون أن يتبصروا بما ستقود إليه تلك التوجهات من نتائج كارثية على الولايات المتحدة. والشيء الخطير أيضاً التطورات التي حصلت في فلسطين المحتلة. في واشنطن، كانوا يقولون “إن طريق القدس تمر عبر بغداد” للتعبير عن أن الفلسطينيين، المحرومين من دعم العالم العربي المذهول والمهزوم بفعل سياسات أنظمته، سوف يستسلمون لشروط ارييل شارون الذي دمر بصورة منهجية كل البنية التحتية للسلطة الفلسطينية قبل الانسحاب من غزة. بيد أن تدمير السلطة الفلسطينية من قبل الكيان الصهيوني قاد إلى فوز ساحق لحركة حماس في الانتخابات الديمقراطية التي جرت في فبراير/ شباط ،2006 وهي الحركة الاسلامية الراديكالية التي ترفض وجود الكيان الصهيوني.
إن واحداً من المقومات الأساسية لأي امبراطورية في العالم هو تسلحها بمشروع العمومية، أي القدرة على التعامل بالمساواة مع الأفراد والشعوب والأمم المختلفة. فقد كانت الثورة الفرنسية حاملة لمشروع العمومية، حين نادت بمبدأ الحرية للجميع، بينما عاملت الشيوعية التي تعتبر الايديولوجيا الأكثر عمومية بعد الثورة الفرنسية، جميع الشعوب المغلوبة بالتساوي. أما الولايات المتحدة الأمريكية التي تبشر بمشروع الشرق الأوسط الكبير والجديد، فهي تشهد تراجعاً كبيراً في العمومية بوصفها إدراكاً ووعياً ومشروعاً يقوم على المساواة والعدالة والمسؤولية للعالم. إن العمومية مورد أساسي لكل دولة، سواء أكانت تسعى إلى السيطرة وتنظيم الأمور في العالمين العربي والإسلامي، أم تسعى إلى فعل ذلك في فضاء أوسع متعدد الإثنيات وامبريالي.
إن تراجع العمومية وانحسارها داخل المجتمع الأمريكي، يجعلان إدارة الرئيس بوش تنظر إلى العرب والمسلمين على أنهم ليسوا مخلوقات بشرية، كما أن الديمقراطية لم تعد من أولوياتها. ولهذا، يشهد لبنان والعراق وغزة في فلسطين المحتلة حروباً، تؤكد إخلاص أمريكا للكيان الصهيوني، إلى جانب انتهاج واشنطن علاقة معادية شاملة مع العالم العربي، وبصورة أوسع مع العالم الإسلامي.
ولعل الحرب الصهيونية الأخيرة على لبنان تشكل تفسيراً أكثر جدية لضعف القوات العسكرية البرية الأمريكية التي تأنف أكثر فأكثر تحمل الخسائر في الأرواح في العراق وأفغانستان، الأمر الذي استدعى بصورة متزايدة استدعاء العدو الصهيوني بوصفه الحليف الرئيسي في المنطقة، والذي يمتلك أقوى جيش في الشرق الأوسط، لكي يخوض الحرب الأمريكية بالنيابة في لبنان. وهو ماجعل الرئيس الأمريكي جورج بوش الذي ارتدى البزة العسكرية وقرّر أن يتولى شخصياً قيادة الحرب على لبنان، يضفي جلالاً امبراطورياً على تلك الحرب التدميرية لبلد عربي، عندما تحدث عن الحرب على لبنان على أنها “جزء من صراع أكبر بين الحرية والإرهاب”.
الدار العراقية
الحرب وإفلاس السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط ... توفيق المديني
