هيئة علماء المسلمين في العراق

لا شؤم في شهر صفر ... محمد صادق
لا شؤم في شهر صفر ... محمد صادق لا شؤم في شهر صفر ... محمد صادق

لا شؤم في شهر صفر ... محمد صادق

دخل علينا هذه الأيام شهر جديد، ونزل ضيفا كريماً علينا، ألا وهو شهر صفر، وشهر صفر هو من أحد الشهور الإثنى عشر الهجرية {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}( 36 التوبه)


وشهر صفر أحدها، وهو الشهر الذي بعد المحرم، "وإنما سمي صفرا: لإصفار مكة من أهلها إذا سافروا، وروى عن رؤبة أنه قال: سموا الشهر صفرا لأنهم كانوا يغزون فيه القبائل فيتركون من لقوا صفرا من المتاع وذلك أن صفرا بعد المحرم"  (تاج العروس(1/3067). ولقد كان للعرب في جاهليتهم وقبل الإسلام في شهر صفر منكران عظيمان:


الأول: التلاعب فيه تقديماً وتأخيراً حيث "كانوا قد أحدثوا قبل الإسلام بمدة تحليل المحرم وتأخيره إلى صفر، فيحلون الشهر الحرام، ويحرمون الشهر الحلال، ليواطئوا عدة الأشهر الأربعة " (تفسير ابن كثير4/150). حتى لا تحول الأزمنة الفاضلة بينهم وبين ما يشتهون.


أما المنكر الثاني الذي يرتكبه العرب في هذا الشهر فهو: التشاؤم حيث يعتقدون أن شهر صفر شهر حلول المكاره ونزول المصائب، وقد كان المشركون يتشاءمون من شهر صفر لأنهم يعودون فيه إلى السلب والنهب والغزو والقتل بعد الكف عنها في الأشهر الحرم، حتى أنه لا يتزوج من أراد الزواج في هذا الشهر لاعتقاده أن لا يوفق، ومن أراد تجارة فإنه لا يمضي صفقته في شهر صفر خشية ألا يربح.


إن من أوجب الواجبات على العباد معرفة توحيد الله -عز وجل-، وما يناقضه من الشرك، والخرافات والبدع؛ لأن التوحيد هو القاعدة والأساس في دين الإسلام فلا يقبل الله عملاً إلا به، وهو أصل الأصول الذي خلقنا لأجله، والأعمال كلها متوقف قبولها واعتبارها على تحقيق هذا الأصل العظيم، ولقد تنادت الأدلة المتكاثرة، والحجج المتظافرة، والبراهين القاطعة على عظم أمر التوحيد وخطر ما يضاده، فالشياطين ما فتئت تترصد لبني آدم تجتالهم وتغويهم، وإن مما يضاد التوحيد، ويناقضه ما اعتقده أهل الجاهلية، وأتباعهم في هذا الزمان من اعتقادات وبدع في بعض الأيام وبعض الشهور من العام، ومن ذلك ما يعتقده البعض في هذا الشهر من العام ألا وهو شهر صفر، وإذا كان أهل الجاهلية يعتقدون في بعض الأشهر الاعتقادات الباطلة فإن الناظر لحالهم قد يجد لهم عذراً وهو جهلهم وبعدهم عن الهدي الرباني السليم، والواضح فهم لا يعلمون، إذاً فما بال فئة من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- ممن هم من أهل التوحيد، والهدي الرباني النبوي أبت أنفسهم إلا التشبه بأهل الجاهلية، والحذو حذوهم في بعض بدعهم واعتقاداتهم، فهناك من أمة محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- من يتشاءم بهذا الشهر شهر صفر، وطائفة تمنع إقامة حفلات النكاح في هذا الشهر تمسكاً بما عليه أهل الجاهلية من التشاؤم، وكما سمعنا، وفئة ثالثة تتشاءم بآخر أربعاء من شهر صفر، ويجتمعون بين العشاءين في المساجد، يتحلقون ويكتب لهم على أوراق آيات السلام السبعة على الأنبياء كقوله تعالى:{سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ} سورة الصافات(79). ، وقوله: {سَلَامٌ قَوْلًا مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} سورة يس(58) ... الخ،  ثم توضع تلك الأوراق في أواني فيشربون مائها معتقدين أن هذا الفعل يذهب الشرور والمصائب التي تنزل في هذا الشهر، وعلى من أراد الخلاص من شرور ذلك اليوم أن يصلي لله -تعالى- أربع ركعات بصفة معينة، ثم يختم صلاته بدعاء معين ومنه: اللهم أكفني شر هذا اليوم وما ينزل فيه يا كافي المهمات، ويا دافع البليات، وهذا لا شك فيه أنه اعتقاد فاسد، وتشاؤم مذموم، وابتداع قبيح يجب أن ينكره كل عاقل، وكل من يراه على فاعله.


وقد حارب النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- هذا المعتقد، ونهى عنه، فقد ثبت عن أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ))  البخاري(5316)، ومسلم(4116).


أراد -صلى الله عليه وسلم- بهذا الحديث نفي ما كان يعتقده أهل الجاهلية من الاعتقادات الباطلة التي تؤثر في القلب وتضعف الظن الحسن بالله -عز وجل- ، "فلا عدوى أي لا عدوى مؤثرة بطبعها؛ لأن أهل الجاهلية كانوا يعتقدون أن العدوى تؤثر بنفسها تأثيراً لا مرد له، وتأثيراً لا صارف له، ولا طيرة أي لا تشاؤم ومعناه لا تتطيروا ولا يقع منكم ذلك"


"ولا صفر: وهو تأخير المحرم إلى صفر في النسئ، أو دابة بالبطن تعدى عند العرب، ويحتمل أن يكون نفيا لما يتوهم أن شهر صفر تكثر فيه الدواهي والفتن". فيض القدير(6/561).


فأبطل النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بهذا الحديث قضية التشاؤم في شهر صفر، وأنه ليس من الدين في شيء، وأن شهر صفر شهر من الأشهر التي عدها الله -عز وجل-، وأيامه من أيام الله -تبارك وتعالى- فليس فيها ما يدعيه بعض الجهلة بالدين، من الذين لبس الشيطان عليهم.


 ومن البدع المنتشرة في هذا الشهر: الاعتقاد أن آخر يوم أربعاء من شهر ينزل الله -سبحانه- البليات،والمصائب، والكوارث حتى وصل الحال لدى بعضهم بأن يكون ذلك اليوم هو أصعب أيام السنة وأشدها، وعلى هذا فمن أراد الخلاص من شرور ذلك اليوم أن يصلي لله –تعالى- أربع ركعات بصفة معينة ثم يختم صلاته بدعاء معين ومنه : اللهم أكفني شر هذا اليوم وما ينزل فيه يا كافي المهمات، ويا دافع البليات،...الخ، وهذا من البدع المحدثة التي لا أصل لها في الدين الحنيف، والتي لم يثبت عن الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم-، ولا عن أحد من أصحابه –رضوان الله عليهم- منها شيء، ولا يوجد لها أصلٌ في الشرع لا من الكتاب ولا من السنة، وقد روت أم المؤمنين عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ))  البخاري(2499)، ومسلم(188).


ومن البدع المحدثة في هذا الزمان ما يراه البعض، وهو معتقد بذلك أن من يقرأ في آخر أربعاء قول الله-تبارك وتعالى-{وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} (سورة يوسف21) من قرأها كذا مرة فإنها تدفع الشر، وتزيل المكاره التي تنزل آخر شهر صفر، وهذا من الأمور التي لم تثبت في ديننا، وليس لها أصل .


وقد ثبت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد))  مسلم(3243).


ومن نسب شيء من تلك الأفعال الى  النبي -صلى الله عليه وسلم- أو إلى أحد من الصحابة -رضي الله عنهم . فعليه من الله ما يستحق من عقوبة الكذابين .


أيها المسلمون الموحدون ومن البدع التي يعتقدها بعض من الناس –هداهم الله- أن من يتزوج في هذا الشهر لا يوفق في زواجه، ومصيره إلى الفشل، فتراهم لا يقيمون فيه مناسبة ولا فرحاً، ولا يعقدون فيه ولا يتجرون، وكل هذا يدل دلالة واضحة على أن من يتصف بهذه الصفة، ويعتقد هذا الاعتقاد أن هذا نتيجة جهلهم بالدين عموماً، وضعف عقيدة التوحيد فيهم خصوصاً، وسبب ذلك الجهل، ونقص التوحيد، وضعف الإيمان، هو عدم انتشار الوعي الصحيح فيهم، ومخالطة أهل البدع والضلال، فينبغي على العبد الحذر كل الحذر من أن يوقع نفسه في الإثم، وأن تزل قدمه.


ومن العجيب أن هؤلاء لم يكتفوا بمخالفتهم الواضحة للهدي النبوي، وللدين الإلهي بل تراهم يستدلون على هذه البدع, والخرافات بأحاديث مكذوبة، وموضوعة على النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- من تلك النصوص:


حديث روي عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: ((من بشرني بخروج صفر بشرته بالجنة)) وهذا الحديث باطل لا أصل له قال الإمام الألباني عنه: موضوع (حجة النبي(1/104)).


 


إن على هؤلاء أن يتقوا الله -عز وجل- في أنفسهم، وأن يراجعوا أنفسهم، وعلاقتهم وإيمانهم بالله -تبارك وتعالى- وأن يعلموا علماً يقينياً حقيقة قول الله -عز وجل- {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} (سورة الحديد22)  ، ويؤمنوا إيماناً صادقاً بقول الله -تبارك وتعالى-: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (سورة التغابن11)


هذا هو حال المؤمن الصادق، والواثق بما عند الله -عز وجل- العالم علماً يقينياً لا يتطرق إليه شك أنه لن يقع إلا ما أراد الله في وقت رضيه -تبارك وتعالى-، وفق قضائه وقدره -عز وجل-، ويكون نصب عينيه حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ((مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ مِنْ حَاجَةٍ فَقَدْ أَشْرَكَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ قَالَ أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ وَلَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ)) (  احمد(6748)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة(3/53).


فالمؤمن يجب عليه أن يتوكل على الله حق التوكل، وأن يعلم أن الطيرة باطلة، ولا أثر للأسباب إلا بقضاء الله وقدره، وإنما ذكر اللّه –تعالى- الأسباب؛ لأن الشرائع تتعلق بها، والأحكام عائدة عليها بالثواب والعقاب، فالعبد لا بد أن يعتقد أنه لا خالق إلا الله، ولا مدبر للكون سواه، وأن الرب الذي يرزق، ويشفي، ويحي، ويميت، بأسباب، وهو قادر على أن يرزق، ويشفي، ويحي، ويميت، من غير أسباب، والأخذ بالأسباب ركن من أركان التوكل على الله فلا يضر التصرف في أسباب العيش، والتكسب في أسباب الرزق، والأخذ بأسباب الشفاء، والنجاة من الهلاك لمن صحّ توكله، وهذا لا يقدح في مقامه ولا ينقص ذلك من حاله، فالموحد يعلم أن اللّه –تعالى- قد جعل في الأسباب منافع خلقه، ومفاتح رزقه، وخزائن حكمته، ويعلم أنه بهذا مقتد في ذلك بنبيه -صلى الله عليه وآله وسلم-، ومتبعٌ لسنته.


عباد الله : إن بعض الناس يدفعه حبه لمنهجه فيقوم بمخالفة أهل الجاهلية في تشاؤمهم بشهر صفر فيؤرخ فيقول: نحن في شهر صفر شهر الخير، وهذا الفعل يدخل في باب مدافعة البدعة بالبدعة؛ لأن هذا الشهر ليس شهر خير ولا شر، فهو كبقية الأشهر، ويقع فيه ما قدره الله  -عز وجل- من المقادير، ولا يحصل فيه إلا ما قضاه وقدره الله، ولم يختص –سبحانه- هذا الشهر بوقوع مكاره، ولا بحصول مصائب، فهو شهر من أشهر الله، وزمان من الأزمنة، والأزمنة لا دخل لها في التأثير ولا في ما يقدره الله –سبحانه-، إن التشاؤم بالأزمنة، أو بالأشهر، أو ببعض الأيام أمر يبطله الإسلام لما فيه من الظن السيئ بالرب –سبحانه-، ولما فيه من الاعتقاد الباطل الذي لا ينبني على دليل أو برهان، وهذا التشاؤم في هذا الشهر أو غيره من جنس الطيرة التي نهى عنها -صلى الله عليه وسلم-.


نسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العليا أن يهدينا سواء السبيل، وأن يرزقنا اتباع منهجه القويم على النهج الذي يرتضيه, إنه ولي ذلك والقادر عليه.


وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم اجمعين، والحمد لله رب العالمين .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


محمد صادق امين


أضف تعليق