عندما تجد خرابا ما ابحث عن جذوره وتمعن في تلك الجذور قبل الشروع بمحاولات التخلص من تداعيات ما حصل، وإذا أراد العراقيون الوقوف عند جوهر التخريب فإن الجميع يتفقون على أن "دستور المحاصصة الخطير" قد جاء بكل هذه الأخطار وهذا الفساد والدمار، لكن مشكلة العراقيين أنهم يحاكون أحداث وشخوص اليوم في جميع المراحل التي مر بها العراق منذ العام 2003 وحتى الآن، ولم يدققوا بالبذرة الأولى التي رماها أعداء العراق وتحديدا الولايات المتحدة ومن سار في فلكها ودوائرها ومنعرجاتها، ولهذا علينا العودة إلى اخطر مؤتمر لـ "المعارضة العراقية" الذي عُقد في العاصمة البريطانية في شهر ديسمبر – كانون أول من العام 2002، وكان ذلك قبيل بدء العمليات العسكرية لغزو العراق في شهر مارس- اذار من العام 2003.
في مؤتمر لندن شاركت الأحزاب والشخصيات التي منحتها الولايات المتحدة السلطة بعد الغزو وتصدروا الواجهة وما زالوا، وهناك من التحق بهم من الداخل واتفقوا مع مبادئ وثوابت مؤتمر لندن بالمطلق، وعمل هؤلاء مع أولئك على تثبيت الألغام في المجتمع العراقي لتبدأ رحلة التخريب والتدمير، ولا يمكن استثناء أحدا من هؤلاء على الاطلاق.
انعقد مؤتمر لندن كما هو معروف بإشراف وكالة المخابرات المركزية في العاصمة التي طبلت للغزو في عهد رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، وأشرف على المؤتمر سيء الصيت والسمعة والسلوك زلماي خليل زاد الذي رسم جميع خطوات تخريب العراق وأوكل مهمة التنفيذ لأدوات عراقية قادمة من الخارج وأخرى محلية.
من يدقق في برنامج مؤتمر لندن – البذر السيء والخطير في العراق- يكتشف حجم الزرع الذي وضعه السياسيون منذ ذلك الوقت، ذلك الزرع الذي يمنح هؤلاء الصلاحيات المطلقة لتقاسم ثروات العراق وسرقة كل شيء وتخريب مرتكزات الدولة العراقية العريقة التي بدأت خطواتها الراكزة الأولى منذ العام 1921، وتواصل البناء فيها عبر العقود في ميادين التعليم والتربية والاقتصاد والأمن، ورغم ما تعرضت له مؤسساتها من ثلم في هذه الحقبة أو تلك إلا أنها حافظت على هيكلها العام ودورها في حماية المجتمع والسير في خطوات تنموية واضحة المعالم.
فقد تقرر في مؤتمر لندن تقاسم المناصب وفق خطط تخريب بنية العراق، فأصبح رئيس الجمهورية من حصة الفلانيين، وهذا يعني حصولهم على جميع امتيازات هذا المنصب وبصورة مطلقة، ومثل ذلك رئيس البرلمان، على أن يحصل الحزب والكتل من هذه الطائفة على امتيازات ومنح خاصة بهذا المنصب، وعلى ذات السياق تخصيص منصب رئيس الوزراء للطائفة الأخرى، ولم يتوقف الحال عند هذه المناصب فقط، بل إن اللجان المشكلة لتوزيع المناصب تتدارس جميع الجزئيات في مفاصل الدولة، ليتقاسم هؤلاء المناصب الوزارية والمستشارين والسفراء والمدراء العامين وصولا إلى وظيفة عامل الخدمة في الدوائر، وقد يعتقد الكثيرون أن ثمة مبالغة في الوظيفة الاخيرة "عامل الخدمة" التي ذكرتها، لكن هذا هو الواقع في عراق اليوم.
