لقصة الخراب في العراق بدايات، لكن تبدو النهايات ما زالت غامضة مبهمة، وليس بمقدور احد التكهن بما ستؤول إليه الأمور وكيف ستكون الأوضاع في هذا البلد الذي ينهشه الخراب والدمار من كل زاوية وفي كل مفصل ومكان، وإذا قصد الشاعر العراقي مظفر النواب بأحد مقاطع قصيدة له أوضاع الأمة، فإن ذلك الوصف ينطبق على العراق كما ينطبق على دول عربية أخرى للأسف الشديد، وهو القائل:
أروني موقفا أكثر بذاءة مما نحن فيه.
ونحن نتحدث عن الخراب القريب الذي حل بأهل الرافدين وعاث فسادا وتخريبا وتدميرا بكل شيء، وما زال يحرق ويدمر الزرع والضرع، فإننا نرصد هذه العاصفة الهائجة العمياء التي تعصف بهذا البلد، التي لا تريد أن تبقي على شيء إلا ودنت من أطرافه في طريقها للعبث به وإفساده وتخريبه والنيل من جذوره والعبث بحيثياتها وتخريبها مهما تجذرت عبر تاريخ هذه البلاد العريق والبعيد.
مناسبة هذا الطواف السريع في أخطر المراحل التي عاشها العراقيون بعد العام 2003، أي منذ أن وطأت أقدام الغزاة الأميركيين والبريطانيين أرض العراق حتى هذا اليوم، أن الجراح الغائرة في أعماق العراقيين ما زالت لم تصل درجة الدروس القاسية، وأن الكثيرين من العراقيين – أقولها بمرارة – ما زالوا العوبة بأيدي السياسيين من لصوص وسرّاق والذين يمارسون مختلف أنواع الانتهاكات بحق العراقيين في جميع مدنه وقصباته، لا فرق بين هذا اللون ولا تلك الطائفة ولا هذه المدينة ولا تلك القرية النائية.
فمن يدقق في الصورة النهائية للمشهد يكتشف بكل سهولة أن المجتمع العراقي قد انقسم إلى فئتين، الأولى، وهي القلة القليلة، التي استحوذت على السلطة ونهبت المال العام وتمارس الانتهاكات المختلفة البشعة بحق العراقيين، والثانية، هم عموم الناس، وتوزع هؤلاء على فئتين، أحدهما تقدم العون والحراسة والخدمة لسراق العراق سواء من الأجهزة الأمنية أو الحمايات الخاصة، ويحصل هؤلاء على الفتات من المبالغ الطائلة التي يسرقها أسيادهم يوميا، ومن بين هذه الفئة قلة تدافع عن اللصوص ليل نهار مقابل مبالغ تعطى للمداحين، أما الفئة الأكثر تضررا فهم الغالبية العظمى من العراقيين الذين أصبحوا ضحايا لممارسات وسلوكيات السياسيين والمسؤولين، وقد وقع الحيف والظلم على هؤلاء كما لم يحصل في تاريخ العراق، وأن ما يعانيه هؤلاء لم يعانيه شعب في العالم في حال أخذنا بالاعتبار حجم الظلم وبالمقابل حجم الثروات التي دخلت ميزانية العراق منذ بداية الغزو الأميركي في العام 2003 حتى الآن، وقد دخلنا النصف الثاني من العام 2016، إذ تؤكد الارقام أن ما يقرب من الف وخمسمائة مليار دولار قد دخلت ميزانية العراق، وأن سنوات حكم المالكي لوحدها والتي شهد النفط خلالها طفرات كبيرة في الأسعار بين (2006 -2014) قد وصلت المبالغ إلى اكثر من الف مليار دولار تم سرقة الحصة الأكبر منها.
لكن ماذا حصل العراقيون من كل هذه المبالغ الطائلة؟.
