هيئة علماء المسلمين في العراق

حوار مع الفنان التشكيلي الإسلامي د. يحيى عبده
حوار مع الفنان التشكيلي الإسلامي د. يحيى عبده حوار مع الفنان التشكيلي الإسلامي د. يحيى عبده

حوار مع الفنان التشكيلي الإسلامي د. يحيى عبده

- الشيخ الشعراوي كان له دور كبير في اتجاهي للفن الإسلامي. - الكارت والبوستر وكتاب الطفل وبطاقة التهنئة أبرز إنجازاتي الفنية. - مدرستي الفنية ابتعدت عن الصدام مع الأصول الشرعية. - الغرب ينبهر بفننا حينما يكون أصيلاً ومعبراً عن ذاتيتنا. - التزام الفنان بدينه لا يحد من قدرته على الإبداع. د. يحيى عبده الأستاذ بكلية الفنون الجميلة اشتهر اسمه ولمع نجمه في الأوساط الفنية والإسلامية.. والسبب في ذلك هو تأسيسه لمدرسة جديدة في الفنون تعتمد الإسلام أساسا للتصور والتصرف في الأعمال الفنية، وبالتالي خلت أعماله من تصوير الإنسان والحيوان، واعتمدت على الابتكار في الحدود الشرعية.

ومع هذا كثرت هذه الأعمال وتنوعت ووصلت إلى الإنسان العادي، وخرجت من إطار النخبة المثقفة، ورشحت هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية هذا الفنان للحصول على جائزة الملك فيصل، وتعد هذه هي المرة الأولى التي يرشح فيها فنان لنيل هذه الجائزة.
وهذه دعوة للتعرف على هذه التجربة الفنية الإيمانية عن قرب من خلال هذا الحوار.

* ما هي ملابسات اختيارك الطريق الفني الإسلامي؟ وهل ارتبط تحولك الفني بالصحوة الإسلامية؟.

** الصحوة أثرت على الفن في كل المجالات، وأوجدت الفنان المسلم والكتاب المسلم على قلتهم.. لكنهم أصبحوا موجودين ولهم تأثير.. أما بالنسبة لظروف تحولي الفني فجاءت في أعقاب رحلة حج مباركة، وأثناء هذه الرحلة حدثني أحد الصالحين وقال لي: لماذا لا تسخر فنك لخدمة دينك ونفع المسلمين وتبتعد عن مثل هذه الأشياء التي لا نفع فيها بل إن ضررها محقق؟ .كانت كلمة غيرت حياتي فعدت وأنا أفكر فيها إلى أن أنهيت أول عمل يترجم هذه الكلمات إلى أفعال، وقد لعب الشيخ الشعراوي [رحمه الله] دورا خطيرا في هذه الصحوة، وأنا متأثر به وبحديثه، فقد حرك المياه الراكدة داخل نفسي بما كان له من أسلوب محبب، وتأثير علمي عميق، وحينما قابلته وجلست معه وأريته إنتاجي الذي يعبر عن اتجاه جديد في الفن دعا لي دعاء لا يمكن أن أنساه، فقد كتب على إحدى اللوحات:
'أسأل الله أن يوجه قولك وفعلك إلى الجمال الذي لا يورث قبحاً، وأن يجزيك عما وضعت من أصول في هذا المجال خير الجزاء بقدر ما لفت بفنك قدرة ربك'.

ما هو العمل الفني الأول الذي أبدعته بعد رحلة الحج وكان بداية لمدرستك الفنية
الجديدة؟.

** قبل هذا التحول كنت أصمم أغلفة كبرى المجلات المصرية والعربية، مثل صباح الخير، وروزاليوسف، وأكتوبر، وآخر ساعة، وكان التحول الفني الإسلامي كبيرا وصعبا عليّ لأنني لا أملك هذه الخبرة ولا أريد أن أمارس أعمال الأرابيسك، وكنت أريد أن أعمل شيئا جديدا، ولذلك عشت في حيرة شديدة لمدة ثلاثة أو أربعة أشهر. وفي إحدى الليالي كنت أطالع المصحف فقرأت الآية الكريمة: [ويسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج..]. فانفعلت بها وقلت: إن شاء الله سيكون هذا أول شيء أنفذه فرسمت الأهلة ورسمت الكعبة والمسجد النبوي متداخلين، وإذا بالجزء المشترك بينهما يضيء لونياً ودون قصد مني فوضعت اللوحة، وجلست مذهولا وكأني عثرت على كنز.. فاللوحة كلها أصبحت تتمتع بدرجة لونية واحدة إلا هذا الجزء، ومن هنا تولدت المدرسة الخاصة بي والتي أطلق عيها النقاد فيما بعد مدرسة النقطة المضيئة، والفرشاة الجافة، والشفافية اللونية أو البؤرة المضيئة والتكوين المحكم.

* ما هي المجالات الجديدة التي أوجدتها في الفن التشكيلي ولم تكن موجودة قبلك؟.

** بعد أن فتح الله علىّ واخترت هذا الطريق الجديد في الفن لم أكن أتصور أنني أستطيع الاعتماد فقط على معرض يأتيني فيه عدة مئات من الناس ليروا فني ثم أنعزل عن هذه الملايين، وكان توفيقا من الله أيضا أن وجهني إلى الأنماط الجديدة التي ابتكرتها، فلقد كنا نعيش حتى وقت قريب على 'الكارت الغربي' في مناسباتنا، وهذا الكارت وسيلة رائعة لنشر الذوق الراقي من الفنون والآداب لو أمكننا استخدامه مع إحداث تطوير مقرون بمسحة إسلامية عليه.. وكذلك كنا نعتمد على 'البوستر الغربي' الذي نراه في مياديننا وشوارعنا، وكذلك كتب الأطفال لم يكن عندنا منها شيء ذاتي.. والحمد لله أمكنني تحويل هذه الأشياء الثلاثة [الكارت – البوستر – كتاب الطفل] إلى عمل رائع هو مزيج من الروحانية والإبداع الفني المحبب إلى الملتزمين والذين يجمعون بين المادة والروح.. فبالنسبة للكارت فهو لا بد أن يرسل في مناسبة وهذه المناسبة إما لمريض أو في مناسبات سعيدة، أو في مناسبة نجاح، أو في مناسبة زواج.. الخ. فصممت لكل مناسبة من هذه المناسبات تصميما إسلاميا مختلفا يناسبها مع ربطها إما بآية قرآنية أو حديث نبوي.. ولاقت هذه الكروت أو البطاقات إقبالا شديدا وبعض الناس أسموها 'البطاقة النبوية' وانتشرت هذه الأعمال في البلاد العربية والإسلامية بسرعة البرق حتى دون إذن مني، ونفس الشيء فعلته في البوستر، وكتب الطفل..فمثلا هناك بعض اللوحات وضعتها لتعليم الأطفال الحروف الهجائية حرف الحاء أعبر عنه بالحجاب وأرسمه للطفل حتى يعرف أنه حجاب، وحرف القاف فيه القدس فأرسم للطفل المسجد الأقسى.. وهكذا حتى تثبت المعلومة الإسلامية السليمة في ذهن الطفل، فصار المنهج تربويا وإيمانيا على ما فيه من المال والذوق.

* ما هي ملامح المدرسة الجديدة التي أسستها في الفن التشكيلي في مصر والعالم العربي؟.

** أول شيء في هذه المدرسة أنها لم تصطدم بالأصول الشرعية، فبعدت عن منطقة الشبهات، كما بعدت عن منطقة المحرمات أيضاً، وقد مكثت سنوات أجمع كل الآيات والأحاديث الصحيحة التي تتحدث عن التصوير وآراء العلماء والفقهاء من كل البلاد في هذا الأمر، وبعد ذلك وضعت مبادئ رئيسية تضبط عملي في الفن.. وهي أن العلماء أجمعوا قديماً وحديثاً على حرمة التماثيل الشخصية لكل ذي روح من إنسان وحيوان وطير إلا للضرورة كتعليم الطب، وأجمعوا على جواز عمل الرسومات والتماثيل لكل ما ليس له روح، وأجمعوا أيضا على جواز لعب الأطفال والرسوم المقدمة لهم إن كان فيها مصلحة عامة، وتعليم القيم والخلق للنشء، واختلفوا على الرسوم والصور الشخصية لكل ذي روح بين الجواز والتحريم وهي شبهة ابتعدنا عنها في منهجنا أيضا والتزمنا بآراء العلماء فجاءت مدرستنا متناسقة مع الشرع لا يستطيع أحد أن يهاجمها من الناحية الشرعية. وبعد ذلك عملت على أن يكون فني في خدمة القيم والمثل العليا، وبالتالي في خدمة الدين. وهنا ألفت النظر إلى زيارة قام بها إلى معرضي البروفيسور [سيجموند كوربر] الأستاذ بكلية الفنون في جامعة برلين، وقد انبهر بأعمالي رغم أن كلها إسلامية وقال لي: إن فنك يخرج من بؤرة مضيئة بداخلك ليصل إلى أعماق نفوسنا.. قال ذلك وهو لا يعرف شيئا عن اللغة العربية ولا عن الإسلام، فقد تعمدت في مدرستي أن تخاطب المشاعر والأحاسيس لأنها لغة عالمية، وعملت أيضا على كسر احتكار النخبة للفن وجعله متاحا لكل الناس من خلال نتيجة العام الهجري مثلا وعليها رسم معين وآية قرآنية أو حديث أو لوحة أو كارت فيهما لفظ الجلالة يخاطب عواطف ووجدان المسلم البسيط، فمثلا صممت بطاقة لمشروع كفالة الطفل اليتيم وهو عبارة عن يد على رأس يتيم، وفي الكارت حديث نبوي شريف، وباعه أصحاب المشروع بخمسة وعشرين قرشا وانفعل به واشتراه كل الناس، ومن خلال هذه الوسيلة تصل بسهولة إلى عامة الناس ونستطيع أن نضع لديهم أبجديات التذوق الفني. فأنا لا أخاطب رجل الشارع بنظريات علم الجمال وفلسفته المعقدة، وإنما أدرب عينيه كيف تتذوق تناسق الألوان مع بعضها، فربما كان هذا الإنسان لا يجيد اختيار الألوان المتناسقة في ملابسه ومسكنه، ولكن بعد أن ندرب عينيه على ذلك سوف ينجح في هذا الاختيار. والأهم من ذلك أنني بأسلوبي الفني أساعد على تطوير الحس الإيماني عند المسلم البسيط عن طريق لفتة إيمانية بسيطة مصاغة بطريقة فنية سهلة تكون أكثر تأثيراً في نفسه.

الكتابة للطفل وتربيته دينيا وفنيا من الأعمال التي يوليها العلم والفن أهمية كبرى.. فماذا كانت إضافاتك الإبداعية في مجال الطفل؟.

** بفضل الله قمت بتنفيذ سلسلة قصص الأنبياء للأطفال ولأول مرة يرسم الأنبياء برسم رمزي دون الدخول في رسم الأشخاص، وهي سلسلة من اثني عشر كتابا يتم من خلالها تعليم الطفل الأخلاقيات والقيم والمثل الإسلامية، كما صممت كتبا ولوحات تعلم الطفل كيفية الوضوء، وقد قدمت كتابا يعد طفرة في هذا الموضوع وهو خاص بتعليم الطفل الحرف من خلال كل الوسائل.. الرسم.. وشكل الحرف.. وكتابة الحرف.. ثم نشيد يحفظه ليثبت هذا الحرف في ذهنه.. فمثلا هناك لحرف الألف صفحتان فيهما مكان يرسم الطفل فيه الحرف ومكان يكتب فيه الحرف 28 مرة، ومساحة أخرى لنشيد يحفظه فيعرف الحرف واستخداماته ثم يلونه ثم يرى ثلاث صور للحرف بالتشكيلات الثلاثة [الضمة والفتحة والكسرة]. وقدمت للطفل أيضا ولأول مرة كتابا يحكي قصص الحيوانات في القرآن الكريم وكتاب أناشيد. غير المواقف الإنسانية في كل الكتب. وكنت حريصا على تعليم الطفل السلوكيات الراقية، والأخلاقيات في سلسلة كتب 'أخلاقي وسلوكي' في المنزل، والمدرسة، والملعب، والشارع، وأعلم الطفل كيف يكون مثاليا في البيت من خلال تعاونه مع والديه وإخوته وكذلك في الشارع والملعب .. الخ. وقدمت للطفل سلسلة كتب أخرى تعرفه بأجزاء جسمه ووظيفة كل منها وكيف يحافظ عليها.

* هل تعتقد أن الفن الإسلامي لديه مكونات وقيم خاصة به؟ أم أنه تأثر بغيره من الفنون؟.

** الفن الإسلامي نشأ من رافدين: الأول هو تأثره الواضح بحضارات وفنون قديمة كالفن القبطي واليوناني والهندي.. ولكنه لم يأخذ منها بشكل مباشر.. فقد صاغ كل ذلك في قالب جديد يعتمد على المشتقات وتوالد الأشياء بعضها مع بعض، فظهرت من هذه النظرية تحف فنية يضعها العالم اليوم في أفخر الكتب والمجلات احتراما وتقديرا لهذا الفن.

والمحظورات الشرعية هي التشخيص، ورسم الكائنات الحية..لذلك فنحن نجد أن الفن الإسلامي بدأ يتعامل مع الأشكال الهندسية والنباتية وتحريف وتحوير الأشكال الحيوانية والآدمية، وهدم النسب الطبيعية تماما وصياغتها بنسب جديدة، وأصبح للأشكال الهندسية مدلولات عند الفنان المسلم فالنقطة هي بداية كل شيء، وتمثل المركز الذي تنطلق منه الأشعة، وتتجمع فيه، وهي الملاذ والمنبع، وهي الكعبة وهي مركز الدائرة.

والخط في الفني الإسلامي هو نتاج الحركة التي تقوم بها النقطة، وتجسيد لها، وهو التعبير عن العلاقة بين النقطة والمركز وبين الدائرة: أي العلاقة بين الخالق والمخلوق، وللخط مدلولات كثيرة.. فالخط الأفقي يرتبط بالأفق، ويرتبط بمحور الجسم الإنساني عند التمدد والاستلقاء، ولهذا فهو رمز النوم والسكون، وهو بذلك خط أرضي دنيوي يرمز إلى الفناء والموت. أما إذا انطلق الخط هنا وهناك فهو يعطينا إحساسا بالمكان المستمر إلى ما لا نهاية، وهذا رمز لمعنى يناقض المعنى السابق. أما الخط العمودي فيرمز إلى الصعود للسماء حيث يمكن اعتباره شعاع الإيمان المنطلق من القلب المؤمن، ومئذنة المسجد خير دليل على ذلك. أما الخط المنحني فهو رمز لالتقاء ثنائيات كثيرة منها التقاء السماء بالأرض، والتقاء الروح بالجسد، وحركة السجود الإنساني.

والدائرة تعبر عن الكون ودورة الحياة.. ومركز الدائرة يعبر عن الخالق سبحانه وتعالى الذي تدور في فلكه كل المخلوقات وتبدأ منه وتعود إليه كل الأشكال.. فهو يقول: إن كل شيء خلقه الله، ثم يعود إليه في النهاية.. ومن هنا كان الفن الإسلامي رمزا فلسفيا فكريا.. والمربع في الفن الإسلامي رمز للأربعة أركان للكون [شرق وغرب وأعلى وأسفل] ورمز للكعبة، ولفصول السنة، ورمز للخلفاء الراشدين، وأئمة الفقه الأربعة، ووضع مربعين متداخلين يشير إلى النجمة الإسلامية الشهيرة.. والمثلث يرمز لنشأة الكائن الحي وتطوره يبدأ من قاعدة عريضة ويأخذ شكل الهرم حتى يصل إلى نقطة التلاقي فتكون نهايته.

* هل التزام الفنان بدينه عائق أمام موهبته وإبداعه؟ وهل العبقرية لا تزدهر إلا في المجالات التي تخاصم الدين؟.

** إن كتب الفن الإسلامي المطبوعة في الخارج من أغلى الكتب في العالم، ويصل ثمن الكتاب الواحد إلى عدة آلاف من الجنيهات لقيمته الفنية الكبيرة، وللأسف فرغم أننا أصل هذه العبقرية إلا أننا لا نقدرها، لأنها عندنا بكثرة، ونحن ندهش وننبهر بعبقريات الغرب. لكنهم ينظرون إلى تراثنا على أنه أبهر وأعظم.. ولكن لظروف وقوعنا تحت هيمنة الاستعمار وسيطرته الفكرية والثقافية انبهرنا به.

والواقع والتاريخ يقولان: إن الإسلام قدم مزجا غريبا ومعادلة جديدة لنظرة الإنسان للكون والحياة، وبالنسبة لموضوع العبقرية فالمتنبي ظهر في العصر الإسلامي وهو عبقري، وأنا أتصور أنه عندما نقيد النوازع المطلقة داخل الإنسان سواء كانت هذه النوازع خيرا أو شرا ونمنعها في المجالات التي فيها محظورات فسوف تنطلق منها طاقة أكبر حيث يتم استجماع كل القوى التي يمكن أن تتشتت في مجالات كثيرة.

ولو كانت الحرية المطلقة موجودة فسوف تتوزع على مجالات كثيرة ويقل الإبداع.. وبالنسبة لي شخصيا فحينما كنت أمارس الفن في مجالات متعددة ولم يكن علىّ محظورات من داخلي لم أحقق عشر ما حققته من نجاح بعد التقيد والالتزام.

* هناك ظواهر كثيرة على الساحة الإسلامية والسياسية مثل العنف، وموقع المرأة في المجتمع، والحريات.. الخ. كيف يمكن لفنان مثلك أن يوظف أدواته الفنية لمعالجة هذه القضايا حتى لا ينفصل بفنه عن واقع أمته؟.

** فعلا أنا تفاعلت مع هذه القضايا.. فلي لوحة اسمها [حوار لا صدام] تمشي فيها اليد في خطوط مستقيمة حتى إذا اصطدمت بشيء تنحني ثم تسير في طريقها مرة أخرى، وهذا تطبيقا للآية الكريمة [وجادلهم بالتي هي أحسن] والآية الأخرى: [وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما].. فأنا أرسم في اللوحة الزخارف النباتية والخطية، ثم أضيف المعنى الذي أريده، فأنا أتصور أن الإسلام لا يمكن أن يقف أبدا أو يموت.. بل يواصل مسيرته بالحسنى.. ولي لوحة أخرى اسمها [الكل سواء] عبارة عن قباب ومآذن ولأول مرة ترسم قبة منهم زرقاء وهو لون مضاد للوحة.. ولكنه حقق تآلفا جماليا فيها، وحينما ينظر الإنسان إلى اللوحة فكأنه ينظر إلى المسلمين وهم يصلون بجوار بعضهم فهم مختلفون في الألوان لكنهم منسجمون في الروح والأداء.. وهذا فيه معنى المساواة.. ولي لوحة أخرى عن المرأة وقيمتها في المجتمع المسلم اسمها [استوصوا بالنساء خيرا] وفها عبرت عن المرأة بالزهرة البيضاء عندما تكون مرغوبة من الرجل في الزواج، وعندما يرتبط بها عبرت عنها بالزهرة الحمراء، لأن حركة تفاعل الحياة بينهما وأحداثها ومطالبها تؤدي إلى حدوث الاحتكاك والالتهاب. ومن هنا يأتي حديث رسول اله صلى الله عليه وسلم ليوصي بالمرأة ويقول: 'استوصوا بالنساء خيرا'، والتوصية معناها أن الرجل سيعاني من اعوجاج المرأة وضعفها، ومن الاحتكاك الذي سيحدث بينهما، ولو لم يكن ذلك سيحدث ما أوصى بها رسول اله صلى الله عليه وسلم، وقد صممت اللوحة على هيئة زهرة حمراء بين يدين قويتين تحافظ عليها من العواصف.

بعد هذه السنوات من تأسيس شكل جديد للفن التشكيلي له توجه إسلامي.. هل تعتقد أن هذا الشكل أصبح مدرسة تأثر بها غيرك وثبتت أقدامها، ولها تلاميذ يحملونها من بعدك.. وهل خرجت خارج حدود مصر؟.

** بفضل الله هذا كله تحقق، فمدرستنا لها مذاق خاص وخاطبت الرجل العادي ولاقت قبولا لم أكن أتخيله، وخرجت هذه المدرسة خارج مصر، وأعمالي متداولة في الهند وباكستان وأفغانستان، وتركيا، وكثير جدا من الدول الإسلامية.. وهناك أجندة في سنغافورة اختارت 12 لوحة لفنانين عالميين كان منهم لوحتان للفنان المسلم 'يحيى عبده' هذا فضلا عن الدول العربية.. أما في أوروبا فأعمالي موجودة في 'معهد العالم العربي' في باريس وفي محلات في شوارع لندن، وفي المركز الإسلامي في واشنطن وغيرها، والحمد لله تخرج كثير من حملة الدكتوراه على يدي متأثرين بي، واثنان منهم تلاميذ لهذه المدرسة بالإضافة إلى عدد لا بأس به من حملة الماجستير، هذا بالإضافة إلى الخريجين الذين يعملون في السوق الثقافي وهم تلاميذي ويحملون أسس وملامح مدرستنا الفنية بفضل الله.

وبالإضافة إلى تأثر كثيرين من الفنانين القدامى الذين عملوا قبلي في هذا المجال، فبعد أن ظهرت مدرستي وجدت لهم أعمالا تراثية وإسلامية كثيرة، وربما كان لانتشار الصحوة الإسلامية دخل في ذلك، فالكل يريد أن يخاطب أكبر شريحة ممكنة، وشريحة المتدينين أصبحت كبيرة يهتم بها أي فنان، والحمد لله مدرستنا فجرت ينابيع الجمال داخل أوساط الفن التشكيلي.

* في أوروبا عاش الفن مع الدين، وكبار الفنانين هناك متمسكون بتراثهم، وكبريات أعمالهم رسموها على جدران الكنائس، في الوقت الذي حدث عندنا نوع من القطيعة مع تراثنا واعتنقنا مذاهب فنية غربية مثل السريالية والتجريدية.. ما هو سبب هذا التناقض؟.

** هذا صحيح ومؤسف في نفس الوقت أن الكثيرين منا لم يعرفوا قيمة الفن الإسلامي إلا حينما وجدوا الغرب يهتم به، ويضعه في أعلى مكان في الفن العالمي، إنهم في الغرب يحترمون خصوصية الفن الإسلامي، لأنهم يرون أنه يعبر عن العقيدة الإسلامية.. فالفن الإسلامي يعتمد في غالبية خطوطه على انتشار خطوط كثيرة جدا من نقطة واحدة تعتبر المركز، تنتشر منها العديد من الخطوط في أشكال مستقيمة أو لولبية حلزونية لتعود إليه في النهاية، مما يعبر عن قدرة الخالق وهيمنته على خلقه.. فالله تعالى أصل كل شيء، منه بدأ كل شيء وإليه يعود كل شيء. وعلى هذا فالتجريد في الفن الإسلامي عبر عن أساسيات العقيدة الإسلامية، ومن هنا فالفن الإسلامي هو من الفنون التي التصقت بعقيدتها ودينها بشكل كبير وعبرت عنه.

ونحن اليوم نحاول أن نعيد صياغة هذا الفن بشكل يواكب هذا العصر، فنأخذ منه بعض الرموز الهندسية والنباتية والخطية ونمزجها بالأحاسيس والمشاعر والمعاني المختلفة التي تعتمل داخل النفس المسلمة اليوم تجاه دينها وعقيدتها وتجاه الأحداث المختلفة في العالم .. نحاول مزج كل ذلك مع بعضه البعض محاولين إبراز فن إسلامي معاصر في ثوب جديد وجميل.

* منازلنا وشوارعنا ومياديننا أصبحت تعاني من العشوائية وفقدان لمسات الجمال التي كانت موجودة في الماضي، كيف يمكن أن نعيد هذه اللمسات الجمالية مرة أخرى؟.

** في الثمانينات أو أواخر السبعينات تم التصديق على قانون ينص على تخصيص 2% من تكلفة أي بناء معماري ينشأ في مصر لعمل لوحة أو جدارية على هذا المنزل أو هذه العمارة السكنية، وكان من شأن ذلك أن يضيف لمسة جمالية ممتازة على البيوت والشوارع، ويمكن اعتبارها بداية للانطلاق الجمالي، ومحاربة العشوائية، إلا أن القوانين عندنا لا تطبق للأسف، ونحن نجد الأماكن الخالية على جدران العمارات تستأجرها شركات الإعلانات لتعلق عليها إعلاناتها، وهي غير جميلة بل استفزازية. إن صياغة الحس الجمالي عملية خطيرة تبدأ في المدرسة.. ففي أوروبا وأمريكا يعلمون الطفل أساسيات تذوق الجمال: أي كيف يختار ملابسه وتناسق ألوانها، وكيف يتذوق الجمال في منزله، وكيف يساهم في تجميل مدرسته.. الخ. فيتربى الطفل على ذلك ويطبقه، ويصبح جزءً من ضميره فلا يلوث الشارع بالقمامة مثلاً.

* هل لنا أن نتعرف على السنوات الأولى في حياة الفنان د. يحيى عبده، وهل كان لها أثر في اتجاهه الفني؟.

** ولدت ونشأت في مدينة رشيد على ساحل البحر المتوسط وكان لها أثر كبير جدا في مزاجي وتكويني الفني، فعلاقة الإنسان بربه في السواحل كما في القرى عميقة وقوية، فالإنسان يعمل العمل وينتظر النتيجة من الله.. وهذا واضح جدا في الصيد وفي الزراعة، وكان والدي يعمل بالصيد وكانت فرحتي كبيرة جداً، وأنا أرى الصيادين وهم عائدون بالرزق الحلال، وأثر ذلك في وجداني كطفل، وكذلك غدر البحر والجانب المحزن في الصيد أثر فيّ، فتولدت عندي القدرية والاعتماد على الله بدون أن أشعر، وترجمت ذلك وأنا طفل بالرسم على الجدران، وكنت أرسم ظلال إخوتي أيضا على الجدران.

* هل في حياتك علامة مميزة أو شيء هام كان دافعك نحو التفوق في عالم الفن؟.

** إن لذلك قصة هامة وخطيرة في حياتي، وربما كانت السبب الرئيسي فيما أنا فيه الآن.

لقد كنت في المرحلة الثانوية في مدرسة مصر الجديدة الثانوية، وكان لي ميول فنية وأعمال فنية وأنا طالب، وذات يوم وأنا في الصف الثاني الثانوي زار المدرسة وزير التعليم عام 1968، وهو د. محمد حلمي مراد وسأل عمن رسم هذه الأشياء.. وفرح بي جداً، وأوصاني بأن أجد في دراستي، وكتب لي كلمة في ألبومي الخاص، وأوصاني أن أدخل كلية الفنون الجميلة، وتوقع لي مستقبلا فنيا باهرا، وقال لي: بعد انتهاء الامتحانات تعال مكتبي في الوزارة، وقد كان وظللت أربعة أشهر الوزارة تحت أمري أرسم كل ما يقوله لي الوزير، ولأول مرة في مصر صارت صداقة بين وزير التعليم وطالب وكان يطلبني في الهاتف، وأتصل أنا به أيضا في الهاتف.

وشعرت أنني طالب غير عادي فركزت على الفن وأهملت المذاكرة، وفتنتني علاقتي بالوزير وكلام الناس عني فرسبت في الثانوية العامة واسودت الدنيا أمام وجهي، ورجوت الله عز وجل ودعوته ألا يجعلني مصورا من الذين يجلسون على الأرصفة.

وجمعت كل الأدوات الفنية ووضعتها في كرتونة وأخفيتها ونجحت بفضل الله في السنة التالية، ودخلت كلية الفنون الجميلة كما أوصاني الوزير، وفيها أخذت أدرس فكنت الطالب الوحيد الذي حصل في السنوات الخمس أثناء دراستي الجامعية على تقدير ممتاز.

وفي عام 1990 زارني د. محمد حلمي مراد في معرضي وكتب لي كلمة في ألبومي حكى فيها حكايتي معه وقال: [لقد تحقق اليوم ما توقعته فهنيئاً لي بصدق نظرتي وهنيئاً للفن بفنان متفوق].

* ما رأيك في الحركة الفنية التشكيلة في مصر والعالم العربي؟ وهل هي تعيش حالة تدهور أم ازدهار؟.

** لي مقولة نستطيع أن نأخذ منها ميزانا نقيس به أو عليه حجم كل فنان من الفنانين الموجودين على الساحة وهي: [فلننظر إلى هذا الفنان لنرى بمن تأثر وفيمن أثر؟].

إن الذي يتأثر بالمدارس الغربية يصير نسخة مكررة، وكما قلنا فإن الغربيين لا يحبون من يقلدهم، وإنما ينبهرون أمام ذاتيتنا وخصوصيتنا وفننا الإسلامي.. لنا أن نتأثر بالتكنيك الفني الغربي.. وليس لنا أن نتأثر بالفن الغربي، ولكن إذا صح منهم فكر ما وتوافق مع فكرنا الأصلي النابع من عقيدتنا فلا مانع من ذلك. إن الغرب تأثر بفكرنا وأخذ من الأرابيسك مثلا،  وديزني بشهرته الكبيرة أخذ [كليلة ودمنة] من تراثنا، رغم أنها مكتوبة أساسا بالهندية وترجمها ابن المقفع إلى العربية، وحينما ترجمت إلى العربية وتفاعلت مع الحضارة العربية أصبح لها شأن وأخذها ديزني، فانظر إلى الكرة حينما تعود ونقلد نحن ديزني الذي أخذ منا. إن من يستقي فكره وثقافته وفنه من ينابيعه العربية الإسلامية فهو يؤثر في الناس ويعطيهم مثلا عليا استقاها من جذوره الطيبة ومن عاداته الشرقية الأصيلة، فنحن مثلا ليس عندنا إباحية، وبالتالي فلن يتأثر بهذا الفنان الأصيل إلا كل صاحب مثل وأخلاقيات، أما إذا استقى الفنان من غير ذاته وتأثر بالإباحية فهو منحرف ولن يؤثر إلا في منحرف مثله.

* هل نستطيع أن نقول: إن هناك جمهوراً خاصاً بالفن الإسلامي؟.

** سوف يحدث ذلك مع الوقت.. وإن كان قد تحقق جزئيا، والحمد لله أن هذا الفن أخذ في الانتشار في جميع أنحاء العالم الإسلامي، فقد أنشئت دور للنشر تنتج بعض المواد الفنية الإسلامية، وقد ظهرت رسوم متحركة إسلامية للأطفال، وهناك بعض الشركات التي يشرف عيها بعض المتدينين بدأت تعمل في مجالات الإنتاج المسموع والمرئي من خلال بعض المسلسلات والأفلام التي إما تتبنى قضية إسلامية معينة وتعالجها بأسلوب فني جيد، أو تتحدث عن شخصية من شخصيات المسلمين التي أثرت في التاريخ الإسلامي لتربط المسلمين بدينهم وتاريخهم وتراثهم، وأصبح هناك شركات إسلامية في مجال الصوتيات والمرئيات، ومتى تمت مراعاة الإبداع الفني وتقديم أعمال إسلامية حقيقية وجيدة ومؤثرة فإن الجمهور سيفضل هذه الأعمال عن غيرها ولا بد.


مفكرة الاسلام

أضف تعليق