ربما ينجح فعل من دون تخطيط، أو تصيب رمية هدفها من غير رام، أو أن تكون فزعة لتجمع يراد له ان يكون مكافئا لقوة داهمتنا، كل ذلك يحصل نعم لكن ليس على اطراد فالتخطيط والتبويب وتحديد الاهداف امور لابد ان تكون في الحسبان فلعل من يريد المضي الى هدف لم يحدده أو حتى لو حدده من دون طريق موصلٍ اليه، فالأكيد انه سيسلك طرقا عشوائية قد تؤدي به بعيدا عن هدفه، أو أنها ستكون -في أحسن حالاتها - دورانا في إطار دائرة مفرغة كمن يدور حول نفسه.
غالبا ما تتوصل الجماعات البشرية بعد معاناة كبيرة الى الطريق الموصلة لأهدافهم، بما يتناسب وحجم تضحياتهم، ومن هنا فان مؤشرات اللقاء لمن كان يعمل سابقا بأسلوب (كل على طريقته) صار التغيير واجبا وضروريا عليه ولا بد ان يساهم به الجميع لأسباب لعل من أبرزها قطع الطريق على المدعين، الوصوليين، المتسلقين، وما الى ذلك من اوصاف تحدد الخارج عن الاجماع الوطني ولا تنبز او تمس من هو داخل منوال الثوابت الوطنية وفي دائرة الاتفاقات الكلية.
استعرضت على مدى الشهرين الماضيين لقاءات واجتماعات ونقاشات تخللها جدال في بعض الاحيان أو الغوص في تفاصيل دقيقة قد تُبعد من يتفاعل معها عن هدفه الرئيس، قرأت ضرورات الميثاق وتجولت في اسلوب الياته المحتملة وتفحصت كثيرا من الفقرات التي هي موضع اجماع لدى الجهات الوطنية والشخصيات المشمولة بهذا الحراك نحو الميثاق، وللحقيقة وجدت ان هناك مساحات كبيرة مشتركة للعمل، وهناك ثوابت وقواعد يتفق عليها الجميع ولرب سائل يسأل اذا كان الاتفاق موجودا، فما بالنا نصرف الاوقات لإقراره، وهذا يجاب عليه من زاويتين، الاولى ان الثوابت والقواعد والمثابات موجودة حقا ولا بد من تقعيدها وتقنينها وتوضيح الفهم تجاه الصياغات التي تحتمل اكثر من معنى، والأخرى ان القواعد والتوافقات قد تكون موجودة مبثوثة بين كم من الرؤى فتختلط بها معان اخرى لا تمت الى مصلحة الوطن بصلة، ومن هنا كان لابد من اللقاءات والمشاورات والاجتماعات والانفتاح بروح النقاش وتقبل الآخر في الجهة الواحدة لتوحيد الموقف تجاه ما تفعله الجهة الاخرى، فليس الوقت مفتوحا وليس الخصم متماهلا فالحراك من الجهة المقابلة يحث الخطوات بتوحيد مواقفه وتناسي خلافاته او تأجيلها على اقل تقدير مع اسناد اقليمي قوي وغطاء دولي احتلالي أعاد الانتشار مجددا ليحمي تجربته البائسة والحفاظ على المنتمين اليها، كل هذا يدعونا الى التأمل في وضعنا واننا نقف على مفترق كبير، فإما أن نكون منتمين لهذا الوطن فنفهم ثقل الأمانة التي نحملها تجاهه وإما ان نكون مجرد اصوات ترفض الموجود ولا تكلف نفسها حتى بالتوافق على قانون عام يجرّم من يخرج عن الاجماع الوطني ويخون باسم الوطن.
قد يختلط الفهم لدى بعض المتلقين ان الحديث عن الميثاق الوطني يعني الحديث عن مشروع وطني، وهذا الفهم خاطئ جدا مهما كان منطلقه فتحديد معاني الألفاظ مهم جدا وهو في كتابة الميثاق أكثر أهمية بسبب ان الميثاق يمكن توصيفه بانه مجموعة نقاط عامة وخطوط تجمع الأطراف بصياغات محددة اللفظ ومحصورة المعنى، ويتبعها شرح لا يمكن ان يتطرق الفهم الخاطئ اليه لضمان عدم التلاعب على الألفاظ او ان يفسر من يريد الانخراط بمشروع لا يتفق معه الآخرون فيصفه بأوصاف مبالغ في طهرها ليسبغ عليه الشرعية ولا ننسى ان مشاريع من جاء مع المحتل كلها تتمسح بالوطنية وترفع لافتات براقة في محاولة للخداع السياسي، ومن هنا فان الصياغة مهمة بعد تحديد معاني الألفاظ التي تسبقها تحديد الأفكار المكونة لهيكلية الميثاق المرتقب.
من بين المساحات الخضراء التي ارتاح لها الجميع التأكيد في كل لقاء أو اجتماع أو نقاش على ان هيئة علماء المسلمين بصفتها الداعية لمشروع الكتابة والطارقة لأبواب الجهات الوطنية والداعية للشخصيات والكفاءات ليس لها ان تنفرد في كتابة الميثاق وهذا ينسحب على جميع الأطراف وبمعنى أدق ليس لأي جهة الحق في احتكار العمل الوطني ولكن لها الحق في تفسير الخطوط العامة للعمل الوطني على ضوء المتفق عليه من العمل الوطني بعد الاحتلال الأمريكي للعراق 2003.
خلاصة القول من خلال سبر ما جاء في هذه اللقاءات والمشاورات اننا في حاجة ماسة للتفريق بين ما هو نظري وما هو واقعي، بين ما هو مثالي لا يتطرق النقص اليه وبين ما هو حقيقة واقعة تمارس عليها ضغوطات وتحكمها قناعات وتنفذها قدرات قد تكون متفاوتة بين هذا الطرف أو ذاك لكن لابد ان تكون في إطار الميثاق وغير خارجة عنه. هذه الحاجة في مغادرة اختلاط الأفهام ضرورة ملحة في هذا الظرف الذي نعيشه فقد شكل وجودها مشكلة لازمة في كل لقاء وهذا ظاهر في مناقشة أفكار الأشخاص وليس الفكرة المجردة، وقد لا أكون مبالغا إذا قلنا ان الحكم المسبق على ما يطرحه المقابل حاضرا من دون مواربة ولذلك تجد كثيرا من المجالس تنفض بانطباع غير الذي عقدت من أجله.
لكن ثمرة كبيرة لابد من الاشارة اليها، في ظل هذه الجولة السريعة في مسار اللقاءات والمشاورات؛ في إطار بحث ضرورة وآلية واهداف الميثاق الوطني، تتمثل بالصورة الايجابية في تلبية هذه الدعوات وقد لمسنا الصدق في طروحات الأطراف للتوصل الى شيء مكتوب يخدم الجميع ويحميهم من الانتقادات ويكون شاهدا لهم في تحركاتهم المستقبلية.
