تشهد الساحة المناهضة للنظام السياسي القائم حاليًا في العراق؛ حراكًا لافتًا للنظر منذ عدة أشهر، تُعَدُّ هيئة علماء المسلمين قطب الرحى فيه، حين تبنت دعوة القوى الناشطة في المجالين السياسي والإعلامي المضاد لمشاريع الاحتلال وما نتج عنها؛ إلى كتابة ميثاق وطني يُنظم عملها ويوحده ويؤهلها لمواكبة المرحلة القادمة التي فيما يبدو أنها ستكون أكثر تعقيدًا وليست بذات ميزة يمكن تفضيلها على ما سبقها، لاسيما وأن ما يجري حاليًا في العراق خاصة والمنطقة بشكل عام يحمل مؤشرات ودلالات توحي بذلك.
وحين تدعو الهيئة ـ وهي جهة شرعية ـ لميثاق وعقد من هذا القبيل، وتهيئ مستلزمات إيضاح فكرته وبيان لزومه، وتتدارس مآلاته بعناية عن طريق المشاورات واللقاءات والمحاضرات والورش والندوات، وتبذل وسعها في التواصل مع العدد الأكبر من هذه القوى والشخصيات السياسية والاجتماعية وغيرها؛ فإن ذلك يؤشر على أهمية الموضوع وضرورته وانطلاقه من واجب شرعي يقتضيه واقع الحال وتفرضه ثوابت الدين، وتعضده تجارب سابقة في هذا المجال، ما يجعل النكوص عنه في مقام ارتكاب خطيئة التقاعس عن مواجهة الباطل والتولي عن نصرة الحق.
وقبل الولوج في صلب موضوع الميثاق العراقي المنشود؛ لا بد من التذكير بما سبقه من تحرك جاد ورصين في مبادرة العراق الجامع حرصت الهيئة فيه على تحقيق أهداف مرحلية عاجلة، وأخرى قريبة تكون نواة لمشروع فذ، وثالثة استراتيجية بعيدة المدى تؤسَّس بموجبها حياة مُثلى ومجتمع رشيد؛ لكن تلك المبادرة تعرضت لصدود، ولويت دونها الرؤوس، فكأنها ألفت نفسها أمام مؤامرة شبيهة بتلك التي نالت من المقاومة العراقية في مرحلة ما من تاريخ العراق المعاصر، لكنها في إطار سياسي هذه المرة.
وأيضًا؛ فقد تلت دعوة الهيئة لمبادرتها ثم سعيها لجمع القوى الوطنية لكتابة الميثاق؛ بروز "مبادرات" متفرقة؛ اللافت فيها أنها جاءت في سياق إصلاح العملية السياسية أو ترميمها أو تغيير بعض أجنحتها بالقبول بالانتماء إليها وزعم تغيير نسب المحاصصة فيها، ما يبقيها في ظل الجدار الأميركي الساند للنظام السياسي في العراق؛ وتلك سمة بلغ سوؤها درجة جعل تلك المبادرات تتلاشى بمرور الوقت، ومنها ما لم يرد ذكره سوى مرة واحدة ثم اختفى.
وبالنظر لتجربة الهيئة في العمل السياسي المناهض، وخبرتها التي اكتسبتها طوال سنوات الاحتلال، فقد تعاملت مع هذا الوضع بروية دون انفعالات، فاختصرت الطريق واختزلت ما تبقى من محطات العراق الجامع، إلى هدف مرحلي كانت المبادرة نفسها تسعى إليه وتقف عنده لتنتهي مهمتها وفق ما رسمت له؛ وذلك بكتابة ميثاق وطني يكون مثابة يُرجع إليها في تنظيم العمل، وحَكَمًا فيصلاً في تقييم القوى وتصنيف الوطني منها وتمييزه عن ضده، فيكشف الفرق بين الانتماء والادعاء، فجاءت الدعوة واضحة وصريحة بخطاب مباشر منفتح، يهيئ للجميع دورًا لبيان الرأي وطرح وجهات النظر والتداول والنقاش المستفيض للوصول إلى صيغة نهائية متوافقة منسقة تتوافر فيها المؤهلات المطلوبة التي تفتح الباب لمشاريع بنّاءة.
ومما يجب الانتباه إليه في هذه الدعوة؛ أن الجميع ـ من قوى وشخصيات ـ بات في دائرة المسؤولية المباشرة عن تحقيق كتابة الميثاق أو عدمه، وهذه المسؤولية متعددة الوجوه؛ فمنها ما هو شرعي يبوء المتقاعس عنه أو الساعي لخذلانه؛ بالإثم، كونه فرض وقت تحتاجه البلاد في هذه المرحلة، ويتطلع الشعب إلى نتائجه في مراحل لاحقة، ومنها ما هو وطني ـ وإن كان الجانب الوطني بمعناه الصحيح مندرجًا ضمنًا في الإطار الشرعي ـ يضع الجميع أمام المساءلة التاريخية، ومنها ما هو أخلاقي يجعل سلوك القوى المعنية به على محك المصداقية ويمررها في غربال التمحيص الذي يكشف حقيقة معادنها.
وختامًا؛ فإن الميثاق الذي تدعو إليه هيئة علماء المسلمين؛ عهدٌ وثيق وحمل ثقيل وعقد واجب الوفاء، برزت الدعوة لكتابته في مرحلة صعبة ومنعطف خطير يهدد وجود العراق باعتباره وطنًا، وينال من شعبه باعتباره أمة، وإذ لا يختلف العقلاء في توصيف مأساة ومعاناة العراقيين جميعًا في هذا الظرف العصيب؛ يكون لزامًا على القوى المعنية بهذا الميثاق أن تراجع سياساتها بشكل دائم، بغية تصحيح المسارات والتحرر من القيود الفكرية والفئوية التي تفرق ولا تجمع، وتهدم ولا يقوم بها بنيان.
