حين تذكر الهجرة لا يكاد مسلم تمر عليه الحادثة التي انتشر الإسلام بسببها وقامت للمسلمين دولتهم وأعز الله المسلمين بعد ضعف وقهر الا ويتذكر المسلم كل الاحداث التي سبقت الهجرة من المآسي والقهر الذي مارسه المشركون من قريش على المسلمين، يتذكر المسلم ال ياسر وعمار وبلال، يتذكر دار الارقم، يتذكر المسلم ذهاب النبي صلى الله عليه وسلم الى الطائف وما لاقاه من مشركي الطائف، ويتذكر كيف دخل النبي عليه الصلاة والسلام في جوار المطعم بن عدي، يستذكر المسلم أيضا تحضيرات الهجرة وكيف اذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين بالهجرة واستبقى الصديق رضي الله عنه ليكون رفيقه وصاحبه وثاني اثنين إذ هما في الغار يستذكر المسلم المواقف العظيمة للصديق رضي الله عنه وتجنيده لكل اسرته في حماية رسول الله صلى الله عليه وسلم يستذكر المسلم أولاد الصديق أسماء ذات النطاقين وعبدالله ومولاه ويستذكر الليالي التي قضاها النبي عليه الصلاة والسلام مع الصديق في ذلك الغار ومناجاة الصديق لرسول الله عليه الصلاة والسلام حين يقول لو ابصر احدهم تحت قدميه لأبصرنا فيرد عليه النبي عليه الصلاة والسلام بقوله ما شأنك باثنين الله ثالثهما. يستذكر المسلم عليا رضي الله عنه ومنامه بفراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، يستذكر معجزات الطريق وما جرى لرسول الله عليه الصلاة والسلام في خيمة ام معبد، والمعجزات التي جرت على يديه صلى الله عليه وسلم، يستذكر المسلم حديث سراقة وما كان من امره حين لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم وما كان من شأنه حين غارت اقدام فرسه وما وعده به رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتب له بذلك. يتذكر المسلم اللقاء الحميم والاشواق والابصار التي كانت تتطلع الى رؤيته قادما، فما ابصرته حتى انطلقت الحناجر صادحة :
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع.... وجب الشكر علينا ما دعا لله داع.
يتذكر المسلم التاريخ المجيد والرسول العظيم الذي ربى أعظم وخير امة أخرجت للناس وسنحاول ان نذكر أيضا بعضا من الأحداث والأمور التي حدثت في العام الأول من الهجرة لكي يتنور القارئ ويأخذ العبرة منها.
فمن ذلك تجميعه - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه الجمعة في اليوم الذي نزل فيه من قباء في بني سالم في بطن واد لهم، وهي أول جمعة جمعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الإسلام وخطبهم، وهي أول خطبة.
وكان رجل من قباء يريد المدينة، فركب ناقته وأرخى زمامها، فكان لا يمر بدار من دور الأنصار إلا قالوا: هلم يا رسول الله إلى العدد والعدة والمنعة. فيقول: خلوا سبيلها فإنها مأمورة، حتى انتهى إلى موضع مسجده اليوم، فبركت على باب مسجده، وهو يومئذ مربد لغلامين يتيمين في حجر معاذ بن عفراء، وهما سهل وسهيل ابنا عمرو من بني النجار، فلما بركت لم ينزل عنها، ثم وثبت فسارت غير بعيد ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - واضع لها زمامها لا يثنيها به، فالتفتت خلفها ثم رجعت إلى مبركها أول مرة، فبركت فيه ووضعت جرانها، فنزل عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واحتمل أبو أيوب الأنصاري رحله، وسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المربد، فقال معاذ بن عفراء: هو ليتيمين لي، وسأرضيهما من ثمنه، فأمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي يبنى مسجدا، وأقام عند أبي أيوب حتى بني مسجده ومساكنه.
وقيل: إن موضع المسجد كان لبني النجار فيه نخل وحرث وقبور المشركين، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ثامنوني به. فقالوا: لا يبغى به إلا ما عند الله. فأمر به فبني مسجده، وكان قبله يصلي حيث أدركته الصلاة، وبناه هو والمهاجرون والأنصار، وهو الصحيح.
وفي نفس العام أيضا بني مسجد قباء. وتوفي كلثوم بن الهدم. وتوفي بعده أسعد بن زرارة، وكان نقيب بني النجار، فاجتمع بنو النجار وطلبوا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقيم لهم نقيبا، فقال لهم: أنتم إخواني وأنا نقيبكم، فكان فضيلة لهم.
وفي العام الهجري الأول مات أبو أحيحة بالطائف، ومات الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل السهمي بمكة، مشركين.
وفي العام نفسه بنى النبي - صلى الله عليه وسلم - بعائشة بعد مقدمه المدينة بثمانية أشهر، وقيل بسبعة أشهر في ذي القعدة، وقيل: في شوال، وكان تزوجها بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين بعد وفاة خديجة، وهي ابنة ست سنين، وقيل: ابنة سبع سنين. وهاجرت سودة بنت زمعة زوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبناته ما عدا زينب، وهاجر أيضا عيال أبي بكر ومعهم ابنه عبد الله، وطلحة بن عبيد الله.
وفي العام أيضا زيد في صلاة الحضر ركعتان بعد مقدمه المدينة بشهر. فصارت الصلاة في الحضر أربعة وبقيت في السفر اثنتين.
وأيضا ولد عبد الله بن الزبير، وقيل: في السنة الثانية في شوال، وكان أول مولود للمهاجرين بالمدينة. وكان النعمان بن بشير أول مولود للأنصار بعد الهجرة، وقيل: إن المختار بن أبي عبيد وزياد بن أبيه ولدا فيها.
وفي السنة الأولى من الهجرة على رأس سبعة أشهر عقد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمه حمزة لواء أبيض في ثلاثين رجلا من المهاجرين، ليعرضوا عير قريش، فلقي أبا جهل في ثلاثمائة رجل، فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني، وكان يحمل اللواء أبو مرثد، وهو أول لواء عقده.
وفيها أيضا عقد لواء لعبيدة بن الحارث بن المطلب، وكان أبيض يحمله مسطح بن أثاثة، فالتقى هو والمشركون، فكان بينهم الرمي دون المسايفة، وكان سعد بن أبي وقاص أول من رمى بسهم في سبيل الله، وكان المقداد بن عمرو وعتبة بن غزوان مسلمين وهما بمكة، فخرجا مع المشركين يتوصلان بذلك، فلما لقيهم المسلمون انحازا إليهم. وقال بعضهم: كان لواء أبي عبيدة أول لواء عقده، وإنما اشتبه ذلك لقرب بعضها ببعض، وكان على المشركين أبو سفيان بن حرب، وقيل: مكرز بن حفص بن الأخيف، وقيل: عكرمة بن أبي جهل .
وفيها عقد لواء لسعد بن أبي وقاص وسيره إلى الأبواء، وكان يحمل اللواء المقداد بن الأسود، وكان مسيره في ذي القعدة، وجميع من معه من المهاجرين، فلم يلق حربا.
واختلف اهل المغازي والسير في وقت هذه الالوية والسرايا فجعل الواقدي هذه السرايا جميعها في السنة الأولى من الهجرة، وجعلها ابن إسحاق في السنة الثانية، فقال: على رأس اثني عشر شهرا من مقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة خرج غازيا، واستخلف على المدينة سعد بن عبادة، فبلغ ودان يريد قريشا وبني ضمرة من كنانة، وهي غزاة الأبواء، بينهما ستة أميال، فوادعته فيها بنو ضمرة، ورئيسهم مخشي بن عمرو، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا، وذكر ابن إسحاق بعد هذه الغزوة غزوة عبيدة بن الحارث، ثم غزوة حمزة بن عبد المطلب.
وفي السنة الأولى من الهجرة حدثت غزوة بَواط ، خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مائتين من أصحابه في شهر ربيع الآخر، يعني سنة اثنتين، يريد قريشا، حتى بلغ بواط من ناحية رضوى، وكان في عير قريش أمية بن خلف الجمحي في مائة رجل، ومعهم ألفان وخمسمائة بعير، فرجع ولم يلق كيدا، وكان يحمل لواء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سعد بن أبي وقاص، واستخلف على المدينة سعد بن معاذ.
وفيها غزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزوة العشيرة من ينبع في جمادى الأولى، يريد قريشا حين ساروا إلى الشام، فلما وصل العشيرة وادع بني مدلج وحلفاءهم من ضمرة، ورجع ولم يلق كيدا، واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد، وكان يحمل لواءه حمزة، وفي هذه الغزوة كنى النبي - صلى الله عليه وسلم - عليا أبا تراب في قول بعضهم.
وفيها أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بلغ واديا يقال له: سفوان، من ناحية بدر، وفاته كرز، وكان لواؤه مع علي، واستخلف على المدينة زيد بن حارثة.
وفيها بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سعد بن أبي وقاص في سرية ثمانية رهط، فرجع ولم يلق كيدا.
وفيها جاء أبو قيس بن الأسلت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعرض عليه الإسلام، فقال: ما أحسن ما تدعو إليه! سأنظر في أمري ثم أعود. فلقيه عبد الله بن أبي المنافق فقال: كرهت قتال الخزرج. فقال أبو قيس: لا أسلم إلى سنة، فمات في ذي القعدة.
هذه ابرز الأحداث في السنة الأولى من الهجرة المباركة حافلة بالجهاد والتمكين والمآثر الكبيرة جعلنا الله وإياكم من المهتمين بتاريخنا العظيم.
