قيل كثيرا وعن حق، إن مشكلة الدول بعد التحرير من الاحتلال أو بعد إسقاط حكم الطغاة، تتلخص في الانقسام والصراع - وربما الاقتتال - بين القوى السياسية إلى درجة تدفع بعضا من الجمهور العام للشعور بالحنين إلى ما كان "قهرا مستقرا".
وقيل إن مشكلة حركات التحرير والثوار والمعارضين، أن لا مشروع وطني مؤسس لديهم، وأنهم ما أن ينجزوا مهمة التحرير أو إسقاط الحكم الديكتاتوري، حتى يتفرغوا للصراعات والتفرق والانقسام بسبب غنائم السلطة.
لكن العراق يبدو مختلفا، حسب المؤشرات السابقة والجارية لعملية تأسيس العراق الحر، منذ بدء الاحتلال وحتى اليوم، ولولا تلك الوضعية التي تميز بها العراق، لكان قد غرق في حرب أهلية شاملة، أو لكان الاحتلال قد نجح في خطته الرامية لإشعال الاقتتال الأهلي، حتى آخر إنسان في هذا البلد.
لقد ظل الاحتلال يعمل ومنذ اللحظة الأولى لدخول قواته أرض العراق – بل قبلها –على إشعال حرب أهلية طاحنة في العراق، فهو فتح الطريق لتشكيل الميليشيات وهو صنع منها العشرات، وجعلها النموذج الأعلى للحياة السياسية والاجتماعية، وهو دربها على مختلف أشكال القتل والتهجير وعلى أعمال التعذيب والاغتيال والتصفية، وهو أسس العملية السياسية التي تضم من انضموا إليه ولسلطته التي شكلها ليضع أساسا آخر، للاحتراب والانقسام الطائفي أو المجتمعي، وسعى للترويج لهؤلاء واستخدم الإعلام والمال تلميعهم ليكونوا رموزا أو نجوما للحرب الأهلية التي طالما دفع باتجاهها، ومع كل ذلك لم ينجح في اختراق بنية المجتمع العراقي، لدرجة تمكنه من إشعال الحرب الأهلية، ظل الأمر محصورا في ممارسات ميليشياته دون انخراط لأبناء المجتمع.
وفي ذلك يمكننا القول باطمئنان إلى أن العراق الذي شهد أسرع اشتعال لحركة مقاومة ضد الاحتلال، هو نفسه الذي شهد أنضج حالات المقاومة التي أعادت تأسيس الحالة العراقية من جديد، وأن نهج المقاومة الرصين الذي شهده العراق، هو نفسه بمضامينه القيمية والوطنية، ما يؤسس للعراق المحرر، الواثق المتوحد لا المنقسم أو المتشقق، "للعراق الجامع" لا العراق المفرق أو الطارد، وللعراق المتوحد قواه تحت راية "ميثاق الشرف العراقي" وكلا المشروعين والدعوتين، لهيئة علماء المسلمين التي كانت ولا تزال في الخندق الأول لمشروع المقاومة.
لقد اشتعلت المقاومة العراقية، لتشكل نمطا أعلى من الفكرة والحالة الوطنية، وإذ المقاومة في كل بلد احتل هي بالضرورة مقاومة وطنية، فقد زادت المقاومة العراقية على ذلك، بأنها كانت عنوان تعميق وإعادة تشكيل الحالة الوطنية العراقية، فهي إذ نشأت واشتعلت وظلت متوقدة حتى انتصارها في مناطق وسط العراق، وضمن الحاضنة السنية، لكنها لم تكن طائفية أبدا، وهي إذ تعرضت لأشد درجات الطعن – لا الأذى فقط - على أيدي هؤلاء الذين قدموا أنفسهم ممثلين لقطاع من أبناء المجتمع العراقي، لكنها لم تخلط أبدا بين أبناء الطائفة وهؤلاء الأراذل الذي لم يكونوا سوى مندوبين لقوات الاحتلال في داخل التمثيل الطائفي – الذي حدده الاحتلال - مثلهم مثل غيرهم من الذين انتدبهم أو نصبهم الاحتلال ممثلين معتمدين للارتباط بالاحتلال من الطوائف الأخرى، وبذلك حافظت المقاومة على سجلها القيمي والوطني.
كانت المقاومة عنوان وخلاصة لمضمون البنيان الوطني في مواجهة الخارج، وللمنظومة القيمية الوطنية تجاه الداخل، والآن نشهد تطويرا لتلك المضامين، بعد التخلص من الخبث الذي كشف عنه وأظهره وفضحه الاحتلال.
الآن نشهد صورة العراق المحرر في مشروع ميثاق الشرف الوطني الذي تعكف على حشد الطاقات العراقية لصياغته وإقراره هيئة علماء المسلمين ليشكل ترجمة لمنظومة العلاقات الوطنية قبل وبعد التحرير.
هو ميثاق وطني يحدد نمط العلاقات في العراق، وهو ميثاق يشدد على الجوامع القيمية ويحشد كل الطاقات في مرحلة التحرير وفي مرحلة ما بعد التحرير، وهو ميثاق يجسد حالة وفكرة ومنظومة ورؤية المقاومة التي حشدت وجمعت ولم تذهب أبدا إلى ما يفرق، رغم الأذى والألم والضحايا والشهداء والتدمير والتعذيب والإبعاد والإقصاء والتهميش.
هو ميثاق يحشد الطاقات ويجسد المآلات ويلتزم ويلزم بما طالب به الشعب العراقي ، في موجات مقاومته ضد الاحتلال، وموجات ثورته السلمية ضد سلطات شكلها الاحتلال، والتي جرت متنقلة من مكان إلى آخر، وفق ظروف القدرة تجسيدا لفكرة وحالة المقاومة.
هنا وأمامنا ترسم صورة العراق القادم في صياغة وإقرار مشروع ميثاق العراق.
مقال خاص بموقع الهيئة نت
