الهيئة نت / متابعات .. تشهد الأيام القليلة المقبلة توجه ملايين الطلبة في العراق إلى مقاعد الدارسة، لمزاولة عام جديد، في ظل تحديات مريرة، وظروف عسيرة، وموجة من الفساد المستشري في مؤسسات الدولة ومن بينها قطاع التربية والتعليم، ساهمت على مدى ثلاث عشرة سنة في تدني المستوى العلمي والتربوي، وبدا أثر ذلك واضحًا على أرض الواقع.
وفي الوقت الذي تتحدث تقارير صحفية نقلاً عن مصادر في وزارة التربية الحالية؛ أنه بموجب الأعداد الغفيرة للطلبة على مستوى الابتدائية والثانوية؛ فإن البلاد بحاجة عاجلة لتسعة آلاف مدرسة إضافية على الأقل لاحتواء هذا العدد من الطلبة والتلاميذ؛ تعاني ما تبقى من البنايات الحالية للمدارس من اكتظاظ في الصفوف الدراسية، فضلاً عن الدوام المزدوج الثنائي والثلاثي، وحتى الرباعي، إلى جانب وجود شواغر لافتة للنظر في الهيئات التدريسية لاختصاصات مهمة مثل الفيزياء والرياضيات والكيمياء، رغم وجود مئات آلاف الخريجين الذين ترفض الحكومة إطلاق درجات وظيفية لتعيينهم نتيجة الأزمة المالية الناجمة عن فسادها.
ورغم اعتراف وزارة التربية الحالية بهذه الحاجات؛ إلا أن الموازنة الحكومية للعام الماضي لم تخصص المبالغ التي يمكن أن يُعوّل عليها في إنهاء أزمة الدوام المزدوج على أقل تقدير، لتأتي تقارير إحصائية نشرت مؤخرًا تكشف عن حجم الفساد المالي والإداري الذي يغشى مفاصل العملية السياسية، مؤكدة أنه في المدة بين عامي 2006 و2014 إبان حكومتي نوري المالكي؛ تم رصد مبلغ (825) مليون دولار بزعم تنفيذ مشروع تشييد أبنية مدرسيّة وتطويرها، غير أنه حتى الآن لم يُنجز من ذلك سوى ما نسبته (6%) فقط، دون متابعته أو تحقيق من قبل الجهات المعنية التي من المفترض عليها البحث في مصير هذه الأموال.
ونتيجة لذلك؛ تشهد مدارس العراق ظواهر من شأنها إعاقة المسيرة التعليمية ولاسيما لطلبة المرحلة الابتدائية، ومنها عدد الطلبة في الصف الدراسي الواحد الذي يتجاوز الـ(60) طالبًا، ما يجعل الدرس غير نافع، فضلاً عن أن ذلك يعد من أسباب انتقال الأمراض، جرّاء الاختناقات الحاصلة بسبب الاكتظاظ.
وبموازاة ذلك؛ أخذت ظاهرة إنشاء المدارس الأهلية تتنامى بشكل ملحوظ في بغداد والعديد من محافظات البلاد، فقد كشفت مصادر مطلعة عن وجود خطة تقضي بإنشاء خمسين مدرسة أهلية هذا العام في العاصمة، بينما تقول وزارة التربية الحالية إن في البلاد أكثر من ألف و(326) مدرسة أهلية يديرها أكثر من (12) ألف من الكوادر التعليمية وتضم نحو (125) ألف طالب، الأمر الذي سيسهم في إحباط الدعوات المطالبة بتمويل بناء المدارس الحكومية ودعم التعليم المجاني بالتزامن مع تصاعد مطالب سياسيين حاليين بإلغاء مجانية التعليم والدعوة الصريحة منهم إلى ذلك بحجة أن مصارف التعليم ترهق الدولة وتضر بميزانيتها.
وفي هذا السياق؛ تفيد تقارير مختصة بأن انتشار المدارس الأهلية، من شأنه الاضرار بالعملية التعليمية، خاصة وأن أجور الدراسة فيها عالية تتناسب عكسيًا مع مؤشر خط الفقر في المجتمع العراقي، والذي تعجز شريحة واسعة جدًا منه عن توفير متطلبات الدراسة لأبنائهم في هذا الإطار، ما يجعلهم عرضة للانهيارالتربوي وتردي المستوى العلمي والثقافي.
وفي الشأن ذاته؛ فإن عشرات الآلاف من الطلبة النازحين يهددهم مستقبل مجهول، فلا تتوفر مراكز تعليمية في المخيمات التي هي في الأصل بحاجة ماسة لأساسيات إنسانية ولوازم عيش علاوة على الجوانب الأخرى الصحية والتعليمية وما إلى ذلك، في الوقت الذي بدأت السلطات الحكومية في عدد من المحافظات التي تؤوي نازحين على غرار السليمانية والتأميم، بفرض قوانين صارمة عليهم، وإجبار العديد منهم على الرجوع إلى مناطقهم بدعوى أنها "محررة"، ما يجعل وضع أبنائهم التعليمي على حافة الخطر، فلا يُسمح لهم بالبقاء في مدارس المحافظات المستضيفة، ولا يتمكنون من الرجوع إلى مدنهم بسبب قيود فظة وتعسفية تفرضها الميليشيات والسلطات على عودتهم، وإن عاد بعضهم فإن مشكلة الأبنية المدرسية المهدمة تزيد الأوضاع سوءًا.
من جهة أخرى؛ يشعر أولياء أمور الطلبة بأخطار جمّة بدءًا من تدهور المستوى التعليمي في العراق؛ وانتهاءً بالهاجس الأمني الذي يمثل تحديًا من نوع آخر، ولاسيما في المناطق التي تعاني اضطرابات وتشهد حوادث شبه يومية، بالإضافة إلى ممارسات الابتزاز وجرائم الخطف التي ترتكبها الميليشيات من أجل المساومات، وجرائم سرقات رواتب المدرسين والمعلمين التي تقع في وضح النهار.، فضلاً عن توفير الملابس والقرطاسية وخطوط النقل ودروس التقوية التي يعمد إليها بعض المعلمين والمدرسين.
وتنقل مصادر صحفية عن والدٍ لأربعة أبناء ـ ثلاثة منهم ما يزالون في مرحلة الابتدائية ـ قوله؛ إن الأسابيع الأولى من العام الدراسي تستهلك الكثير من ميزانية العائلة، التي غالبًا ما تتكفل بشراء القرطاسية والدفاتر من الأسواق بسبب تأخر توزيعها في المدارس، متهمًا مديريات التربية الحكومية بالتقصير وسوء التخطيط، بينما يؤكد ولي أمر آخر بأن بُعد مدرسة أولاده عن بيتهم؛ ألجأه إلى استئجار خطوط نقل يومية ذهابًا وإيابًا، ملمحًا إلى أنه في حال تعطل سيارة الخط يضطر أولاده للغياب في ذلك اليوم.
وعن توصيف المشهد التعليمي في العراق؛ تقول مديرة مدرسة متقاعدة في تصريح لإحدى الصحف؛ "إن واحدة من أهم مشاكل التعليم في العراق هي قلة المدارس، وكذلك المحاصصة التي جاءت بشخصيات لا علاقة لها بالتربية والتعليم" وتضيف قائلة: "بالإمكان حل مشكلة بناء المدارس لو تم الاهتمام بها؛ فبناء مدرسة أسهل من بناء عمارة سكنية أو مول أو سوق تجارية؛ مثلما نرى في اهتمامات بعض الجهات الحكومية" ولفتت في هذا السياق إلى أن هناك العديد من الأبنية الحكومية التي استولت عليها الأحزاب؛ يمكن تحويلها مدارس تساعد في حل مشكلة نقص المباني المدرسية التي أوقفت عجلة التطور والتعليم في العراق.
وحينما يُذكر القطاع التعليمي؛ يذكر الجانب الصحيّ؛ إذ تشكو المدارس الحالية من جملة مشاكل يُعبّر عنها مختصون في هذا المجال بالقول؛ بأن أغلب المدارس العراقية تشكو من انعدام الخدمات الصحية بشكل عام، وأكثر من (90 %) من المدارس ولا سيما الحكومية منها؛ لا تمتلك مرافق صحية تليق بالطلاب، وإن وجدت فإن عددها لا يكفي لعدد الطلبة الذي يتجاوز المعدلات المعتمدة.
إن معاناة القطاع التعليمي في العراق، وما سينجم عنها من تردٍ علمي وثقافي وحضاري؛ ليست الوحيدة التي تفيد العراقيين وتهدد مستقبلهم، فهي حلقة من سلسة المآسي التي طوقت البلاد بكافة شؤون الحياة منذ أن داهمها الاحتلال ونصب لإدارتها أحزابًا طائفية تتخذ من المحاصصة وسيلة لنهب خيرات أرضها ومصادرة كرامة شعبها ومحو تاريخها الحافل بالإنجازات التي فاضت خيرات حضارتها على أمم العالم جميعًا، وليس أمام العراقيين من سبيل للتخلص من هذه المحن المتراكمة إلا بالعمل صفًا واحدًا على التصدي لمشاريع الاحتلال وبرامج عمليته السياسية، من أجل توفير مستقبل محمود لهذه الأجيال التي من حقها أن تعيش في كنف الأمان والتطور العلمي والحضاري.
الهيئة نت
ج
