هيئة علماء المسلمين في العراق

عرفة والعيد.. د.جمال مرشد
عرفة والعيد.. د.جمال مرشد عرفة والعيد.. د.جمال مرشد

عرفة والعيد.. د.جمال مرشد

ورد في الصحيحين عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلا من اليهود له: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لا تخذنا ذلك اليوم عيدا فقال: أي آية: قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً} [المائدة: 3]


فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه والمكان الذي نزلت فيه: نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم بعرفة يوم الجمعة.


والعيد هو موسم الفرح والسرور وأفراح المؤمنين وسرورهم في الدنيا إنما هو بمولاهم إذا فازوا بإكمال طاعته وحازوا ثواب أعمالهم بوثوقهم بوعده لهم عليها بفضله ومغفرته كما قال تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58]


 ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كان لهم يومان يلعبون فيهما فقال: "إن الله قد أبدلكم يومين خيرا منهما يوم الفطر والأضحى" فأبدل الله هذه الأمة بيومي اللعب واللهو يومي الذكر والشكر والمغفرة والعفو.


 ففي الدنيا للمؤمنين ثلاثة أعياد عيد يتكرر فهو يوم الجمعة وهو عيد الأسبوع وهو مترتب على إكمال الصلوات المكتوبات فإن الله عز وجل فرض على المؤمنين في كل يوم وليلة خمس صلوات وأيام الدنيا تدور على سبعة أيام فكلما دار أسبوع من أيام الدنيا واستكمل المسلمون صلواتهم فيه شرع لهم في يوم استكمالهم وهو اليوم الذي كمل فيه الخلق وفيه خلق آدم وأدخل الجنة وأخرج منها وفيه ينتهي أمد الدنيا فتزول وتقوم الساعة فالجمعة من الإجتماع على سماع الذكر والموعظة وصلاة الجمعة وجعل ذلك لهم عيدا، ولهذا نهى عن إفراده بالصيام.


 وفي شهود الجمعة شبه من الحج والتبكير إليها يقوم مقام الهدي على قدر السبق فأولهم كالمهدي بدنة ثم بقرة ثم كبشا ثم دجاجة ثم بيضة وشهود الجمعة يوجب تكفير الذنوب إلى الجمعة الأخرى إذا سلم ما بين الجمعتين من الكبائر كما أن الحج المبرور يكفر ذنوب تلك السنة إلى الحجة الأخرى وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما طلعت الشمس ولا غربت على يوم أفضل من يوم الجمعة" وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال في يوم الجمعة: "هو أفضل عند الله من يوم الفطر ويوم الأضحى" فهذا عيد الأسبوع وهو متعلق بإكمال الصلوات المكتوبة وهي أعظم أركان الإسلام ومبانيه بعد الشهادتين.


وأما العيدان اللذان لا يتكرران في كل عام وإنما يأتي واحد منهما في العام مرة واحدة فأحدهما: عيد الفطر من صوم رمضان وهو مترتب على إكمال صيام رمضان وهو الركن الثالث من أركان الإسلام ومبانيه فإذا استكمل المسلمون صيام شهرهم المفروض عليهم واستوجبوا من الله المغفرة والعتق من النار فإن صيامه يوجب مغفرة ما تقدم من الذنوب وآخره عتق من النار يعتق فيه من النار من استحقها بذنوبه فشرع الله تعالى لهم عقب إكمالهم لصيامهم عيدا يجتمعون فيه على شكر الله وذكره وتكبيره على ما هداهم له وشرع لهم في ذلك العيد الصلاة والصدقة وهو يوم الجوائز يستوفي الصائمون فيه أجر صيامهم ويرجعون من عيدهم بالمغفرة.


والعيد الثاني: عيد النحر وهو أكبر العيدين وأفضلهما وهو مترتب على إكمال الحج وهو الركن الرابع من أركان الإسلام ومبانيه فإذا أكمل المسلمون حجهم غفر لهم وإنما يكمل الحج بيوم عرفة والوقوف بعرفة فإنه ركن الحج الأعظم كما قال صلى الله عليه وسلم: "الحج عرفة" ويوم عرفة هو يوم العتق من النار فيعتق الله من النار من وقف بعرفة ومن لم يقف بها من أهل الأمصار من المسلمين فلذلك صار اليوم الذي يليه عيدا لجميع المسلمين في جميع أمصارهم من شهد الموسم منهم ومن لم يشهده لا شتراكهم في العتق والمغفرة يوم عرفة وإنما لم يشترك المسلمون كلهم في الحج كل عام رحمة من الله وتخفيفا على عباده فإنه جعل الحج فريضة العمر لا فريضة كل عام فإذا كمل يوم عرفة وأعتق الله عباده المؤمنين من النار اشترك المسلمون كلهم في العيد عقب ذلك وشرع للجميع التقرب إليه بالنسك وهو إراقة دماء القرابين.


فأهل الموسم يرمون الجمرة فيشرعون في التحلل من إحرامهم بالحج ويقضون تفثهم ويوفون نذورهم ويقربون قرابينهم من الهدايا ثم يطوفون بالبيت العتيق وأهل الأمصار يجتمعون على ذكر الله وتكبيره والصلاة له ثم ينسكون عقب ذلك نسكهم ويقربون قرابينهم بإراقة دماء ضحاياهم فيكون ذلك شكرا منهم لهذه النعم والصلاة والنحر الذي يجتمع في عيد النحر أفضل من الصلاة والصدقة الذي في عيد الفطر لهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل شكره لربه على إعطائه الكوثر أن يصلي لربه وينحر وقيل له قل: {إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162] ولهذا ورد الأمر بتلاوة هذه الآية عند ذبح الأضاحي.


 والأضاحي سنة إبراهيم عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم فإن الله شرعها لإبراهيم حين فدى ولده الذي أمره بذبحه بذبح عظيم وفي الحديث قيل: يا رسول الله ما هذه الأضاحي قال: "سنة إبراهيم" قيل له: فما لنا بها؟ قال: "بكل شعرة حسنة" قيل: فالصوف؟ قال: "بكل شعرة من الصوف حسنة"


فهذه أعياد المسلمين في الدنيا وكلها عند إكمال طاعة مولاهم الملك الوهاب وحيازتهم لما وعدهم من الأجر والثواب.


والعيد يكون بالمغفرة للعبد روي في بعض الاخبار أنه مر قوم براهب في دير فقالوا له: متى عيد أهل هذا الدير؟ قال: يوم يغفر لأهله ليس العيد لمن لبس الجديد إنما العيد لمن طاعاته تزيد ليس العيد لمن تجمل باللباس والركوب إنما العيد لمن غفرت له الذنوب في ليلة العيد تفرق خلق العتق والمغفرة على العبيد فمن ناله فمنها شيء فله عيد وإلا فهو مطرود بعيد.


وأما أعياد المؤمنين في الجنة فهي أيام زيارتهم لربهم عز وجل فيزورونه ويكرمهم غاية الكرامة ويتجلى لهم وينظرون إليه فما أعطاهم شيئا هو أحب إليهم من ذلك وهو الزيادة التي قال الله تعالى فيها: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26]


وكل يوم كان للمسلمين عيدا في الدنيا فإنه عيد لهم في الجنة يجتمعون فيه على زيارة ربهم ويتجلى لهم فيه ويوم الجمعة يدعى في الجنة يوم المزيد، ويوم الفطر والأضحى يجتمع أهل الجنة فيهما للزيارة فهذا لعموم أهل الجنة، فأما خواصهم فلما كانت أيام الدنيا كلها لهم أعيادا صارت أيامهم في الآخرة كلها أعيادا ولذلك قيل: كل يوم لا يعصى الله فيه فهو عيد.


وأركان الإسلام التي بني الإسلام عليها خمسة: الشهادتان والصلاة والزكاة وصيام رمضان والحج فأعياد عموم المسلمين في الدنيا عند إكمال دور الصلاة وإكمال الصيام والحج يجتمعون عند ذلك اجتماعا عاما.فأما الزكاة فليس لها وقت معين ليتخذ عيدا بل كل من ملك نصابا فحوله بحسب ملكه. وأما الشهادتان فإكمالها يحصل بتحقيقهما والقيام بحقوقها، وخواص المؤمنين يجتهدون على ذلك في كل وقت فلذلك كانت أوقاتهم كلها أعيادا لهم في الدنيا والآخرة


ولما كان عيد النحر أكبر العيدين وأفضلهما ويجتمع فيه شرف المكان والزمان لأهل الموسم كانت لهم فيه معه أعياد قبله وبعده فقبله يوم عرفة وبعده أيام التشريق وكل هذه الأعياد أعياد لأهل الموسم كما في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام وهي أيام أكل وشرب" ولهذا لا يشرع لأهل الموسم صوم يوم عرفة لأنه أول أعيادهم وأكبر مجامعهم وقد أفطره النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة والناس ينظرون إليه وروي أنه نهي عن صوم يوم عرفة بعرفة وهذا المعنى يوجد في العيدين وأيام التشريق أيضا فإن الناس كلهم في ضيافه الله عز وجل لا سيما عيد النحر فإن الناس يأكلون من لحوم نسكهم أهل الموقف وغيرهم.


وأيام التشريق الثلاثة هي أيام عيد أيضا ولهذا بعث النبي صلى الله عليه وسلم من ينادي بمكة: أنها أيام أكل وشرب وذكر الله عز وجل فلا يصومن أحد وقد يجتمع في يوم واحد عيدان كما إذا اجتمع يوم الجمعة مع يوم عرفة أو يوم النحر فيزداد ذلك اليوم حرمة وفضلا لإجتماع عيدين فيه وقد اجتمع للنبي صلى الله عليه وسلم في حجته يوم عرفة فكان يوم الجمعة وفيه نزلت هذه الآية: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً} [المائدة: 3] .


وإكمال الدين في ذلك اليوم حصل من وجوه:


منها: أن المسلمين لم يكونوا حجوا حجة الإسلام بعد فرض الحج قبل ذلك ولا أحد منهم هذا قول أكثر العلماء أو كثير منهم فيكمل بذلك دينهم لاستكمالهم عمل أركان الإسلام كلها.


ومنها: أن الله تعالى أعاد الحج على قواعد إبراهيم عليه السلام ونفى الشرك وأهله فلم يختلط بالمسلمين في ذلك الموقف منهم أحد قال.


وأما إتمام النعمة فإنما حصل بالمغفرة فلا تتم النعمة بدونها كما قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً} [الفتح:2] وقال تعالى في آية الوضوء: {وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} [المائدة: 6] ويشهد له أيضا: أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يدعو ويقول: أسألك تمام النعمة فقال له: تمام النعمة النجاة من النار ودخول الجنة فهذه الآية تشهد لما روي في يوم عرفة أنه يوم المغفرة والعتق من النار.


فيوم عرفة له فضائل متعددةمنها: أنه يوم إكمال الدين وإتمام النعمة.


ومنها: أنه عيد لأهل الإسلام كما قاله عمر بن الخطاب وابن عباس فإن ابن عباس قال: نزلت في يوم عيدين يوم الجمعة ويوم عرفة وروي عن عمر أنه قال: وكلاهما بحمد الله لنا عيد لكنه عيد لأهل الموقف خاصة ويشرع صيامه لأهل الأمصار عند جمهور العلماء .


ومنها: أنها قد قيل إنه الشفع الذي أقسم الله به في كتابه وأن الوتر يوم النحر وقيل: إنه الشاهد الذي أقسم الله به في كتابه فقال تعالى: {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} [البروج:3] وعن أبي هريرة مرفوعا وموقوفا: "الشاهد يوم عرفة والمشهود يوم الجمعة" وفي رواية "الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة" وعلى هذا فإذا وقع يوم عرفة في يوم الجمعة فقد اجتمع في ذلك اليوم شاهد ومشهود.


ومنها: أنه روي أنه أفضل الأيام عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أفضل الأيام يوم عرفة" وذهب إلى ذلك طائفة من العلماء ومنهم من قال: يوم النحر أفضل الأيام لحديث النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم النفر"


ومنها: أنه روي عن أنس بن مالك أنه قال: كان يقال يوم عرفة بعشرة آلاف يوم يعني في الفضل وروي عن عطاء قال: من صام يوم عرفة كان له كأجر ألفي يوم.


ومنها: أنه يوم الحج الأكبر عند جماعة من السلف وخالفهم آخرون وقالوا: يوم الحج الأكبر يوم النحر وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.


ومنها: أن صيامه كفارة سنتين


ومنها: أنه يوم مغفرة الذنوب والتجاوز عنها والعتق من النار والمباهاة بأهل الموقف كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض أهل السماء فيقول: انظروا إلى عبادي شعثا غبرا ضاحين جاؤوا من كل فج عميق يرجون رحمتي ولم يروا عذابي فلم ير أكثر عتيقا من النار من يوم عرفة" وفي رواية أخرى "إذا كان يوم عرفة ينزل الله إلى سماء الدنيا فيباهي بهم الملائكة فيقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا من كل فج عميق أشهدكم أني قد غفرت لهم فتقول الملائكة: يا رب فلان مرهق فيقول: قد غفرت لهم فما من يوم أكثر عتيقا من النار من يوم عرفة"


وفي المسند في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأمته عشية عرفة ثم بالمزدلفة فأجيب فضحك صلى الله عليه وسلم وقال: "إن إبليس حين علم أن الله قد غفر لأمتي واستجاب دعائي أهوى يحثي التراب على رأسه ويدعو بالويل والثبور فضحكت من الخبيث من جزعه"


فمن طمع في العتق من النار ومغفرة ذنوبه في يوم عرفة فليحافظ على الأسباب التى يرجى بها العتق والمغفرة فمنها: صيام ذلك اليوم فعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده".


ومنها: حفظ جوراحه عن المحرمات في ذاك اليوم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يوم عرفة هذا يوم من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غفر له".


ومنها: الإكثار من شهادة التوحيد بإخلاص وصدق فإنها أصل دين الإسلام الذي أكلمه الله تعالى في ذلك اليوم عن عبد الله بن عمر قال: كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير" وفي رواية: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة وخير ما قلت أنا والنبيون من قلبي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير"


وعن الزبير بن العوام قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة يقرأ هذه الآية: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ} [آل عمران: 18] الآية ويقول: "وأنا على ذلك من الشاهدين يا رب" ويروى من حديث عبادة قال شهدت النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة فكان أكثر قوله: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} [آل عمران: 18] الآية ثم قال: "أي رب وأنا أشهد" فتحقيق كلمة التوحيد يوجب عتق الرقاب وعتق الرقاب يوجب العتق من النار كما ثبت في الصحيح: أن من قالها مائة مرة كان له عدل عشر رقاب وثبت أيضا: أن من قالها عشر مرات كان كمن اعتق أربعة من ولد إسماعيل.


ومنها: كثرة الدعاء بالمغفرة والعتق فإنه يرجى إجابة الدعاء فيه عن علي قال: ليس في الأرض يوم إلا لله فيه عتقاء من النار وليس يوم أكثر فيه عتقا للرقاب من يوم عرفة فأكثر فيه أن تقول: اللهم أعتق رقبتي من النار وأوسع لي من الرزق الحلال واصرف عني فسقة الجن والإنس فإنه عامة دعائي اليوم.


ومما يحذر منه المسلم في هذا اليوم الفضيل:


الإختيال عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما يري يوم أكثر عتيقا ولا عتيقة من يوم عرفة لا يغفر الله فيه لمختال" والمختال هو المتعاظم في نفسه المتكبر قال الله تعالى: {وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [الحديد: 23] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا ينظر إلى جر ثوبه خيلاء".


ومنها: الإصرار على الكبائر وروى ابن أبي الدنيا وغيره أن رجلا رأى في منامه أن الله قد غفر لأهل الموقف كلهم إلا رجلا من أهل بلخ فسأل عنه حتى وقع عليه فسأله عن حاله فذكر أنه كان مدمنا لشرب الخمر ليلة وهو سكران فعاتبته أمه وهي تسجر تنور فاحتملها فألقاها فيه حتى احترقت.


 فيا من يطمع في العتق من النار ثم يمنع نفسه الرحمة بالإصرار على كبائر الإثم والأوزار تالله نصحت نفسك ولا وقف في طريقك غيرك توبق نفسك بالمعاصي فإذا حرمت المغفرة قلت: إني هذا: {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} [آل عمران: 165] .


إن كنت تطمع في العتق فاشتر نفسك من الله {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة: 111] من كرمت عليه نفسه هان عليه كل ما يبذل في افتكاكها من النار، ومن عرف ما يطلب هان عليه كل ما يبذل ويحك قد رضينا منك في فكاك نفسك بالندم وقنعنا منك في ثمنها بالتوبة والحزن وفي هذا الموسم قد رخص السعر من ملك سمعه وبصره ولسانه غفر له،  امدد إليه يد الإعتذار وقم على بابه بالذل والإنكسار وارفع قصة ندمك مرقومة على صحيفة خدك بمداد الدموع الغزار وقل: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23]


وفي أحوال التابعين في هذا اليوم عبرة فقد وقف مطرف بن عبد الله بن الشخير وبكر المزني بعرفة فقال أحدهم: اللهم لا ترد أهل الموقف من أجلي وقال الآخر: ما أشرفه من موقف وأرجاه لأهله لولا أني فيهم ووقف الفضيل بعرفة والناس يدعون وهو يبكي بكاء الثكلى المحترقة قد حال البكاء بينه وبين الدعاء فلما كادت الشمس أن تغرب رفع رأسه إلى السماء وقال: واسوأتاه منك وإن عفوت.  وقال الفضيل أيضا لشعيب بن حرب بالموسم: إن كنت تظن أنه شهد الموقف أحد شرا مني ومنك فبئس ما ظننت.  ودعا بعض العارفين بعرفة فقال: اللهم إن كنت لم تقبل حجي وتعبي ونصبي فلا تحرمني أجر المصيبة على تركك القبول مني ووقف بعض الخائفين بعرفة إلى أن قرب غروب الشمس فنادى الأمان فقد دنا الإنصراف فليت شعري ما صنعت في حاجة المساكين.


ومن العارفين من يتعلق بأذيال الرجاء قال ابن المبارك:جئت إلى سفيان الثوري عشية عرفة وهو جاث على ركبتيه وعيناه تهملان فقلت له: من أسوأ هذا الجمع حالا؟ قال: الذي يطن أن الله لا يغفر لهم وروي عن الفضيل أنه نظر إلى تسبيح الناس وبكائهم عشية عرفة فقال: أرأيتم لو أن هؤلاء ساروا إلى رجل فسألوا دانقا ـ يعني سدس درهم ـ أكان يردهم قالوا: لا قال: والله للمغفرة عند الله أهون من إجابة رجل لهم بدانق.


فهنيئا لمن رزقهم الله الوقوف بعرفة يجاورن إلى الله بقلوب محترقة ودموع مستبقة فكم فيهم من خائف أزعجه الخوف وأقلقه، ومحب ألهبه الشوق وأحرقه، وراج أحسن الظن بوعد الله وصدقه، وتائب نصح لله في التوبة وصدقه، وهارب لجأ إلى باب الله وطرقه، فكم هنالك من مستوجب للنار أنقذه الله وأعتقه، ومن أسير للأوزار فكه وأطلقه، وحينئذ يطلع عليهم أرحم الرحماء ويباهي بجمعهم أهل السماء ويدنو ثم يقول: ما أراد هؤلاء؟ لقد قطعنا عند وصولهم الحرمان وأعطاهم نهاية سؤلهم الرحمن وهو الذي أعطى ومنع ووصل وقطع.


من فاته في هذا العام القيام بعرفة فليقم لله بحقه الذي عرفه ومن عجز عن المبيت بمزدلفة فليبت عزمه على طاعة الله وقد قربه وأزلفه ومن لم يمكنه القيام بأرجاء الخيف فليقم لله بحق الرجاء والخوف ومن لم يقدر على نحر هديه بمنى فليذبح هواه هنا وقد بلغ المنا ومن لم يصل إلى البيت لأنه منه بعيد فليقصد رب البيت فإنه أقرب إلى من دعاه ورجاه من حبل الوريد.


 


أضف تعليق