ما قالته تلك السيدة على الشاشة وبانجليزية مفهومة حتى للمبتدئين، يصلح مدخلاً نموذجياً للحكم على الولايات المتحدة من داخلها وبلسان حال أحد مواطنيها.
قالت: أنا من بلد يقدم للدولة العبرية مليارات الدولارات على حسابي وحساب شعبي، وأنا من بلد يسلح هذه الدولة بما يتيح لها شن حروب مدمّرة على العرب، وأنا من دولة تعطل مجلس الأمن وتؤجل قرار وقف اطلاق النار بضعة أسابيع كي تتيح لجنرالات تل أبيب أن يقتلوا المزيد من الأطفال اللبنانيين والعرب، وأنا من دولة تنحاز إلى المحتل وتضع نفوذها الدولي في خدمة أجندته وجرائمه.
وباختصار: أنا من أمريكا.
ان هذا الاعتراف الأخلاقي الذي قدمته أمريكية تعلن العصيان على إدارة بلادها و”البنتاجون” وسائر المؤسسات، التي جرى تهويدها وبالتالي أسْرلة مواقفها يذكرنا على الفور بما كان العالم يسمعه من مثقفي أمريكا في الستينات من القرن الماضي وخلال الحرب الفيتامية، أو بتلك النبرة الغاضبة التي كانت تدين المكارثية، والسناتور الذي أراد أن يضع اللجام في أفواه الأمريكيين.
وكلام هذه السيدة الأمريكية يشبه إلى حد بعيد قصائد من طراز ما كتب جريجوري كورسو وألن غنزبرج، وسائر السلالة التي احترفت هجاء نيويورك وجعلتها صِنواً للشر والخراب، وافساد العالم.
ان نسبة الأمريكيين الذين يقولون ما تقول هذه السيدة في تزايد ملحوظ، وما يقال همساً لأسباب مكارثية قد يقال غداً أو بعد غد علانية وبأعلى صوت، وهذا ما يفسر تدني شعبية الرئيس بوش، ولو كان من حقه ان يرشح نفسه لولاية ثالثة لحصد هذا الشوك، وأدرك بعد فوات الأوان أنه ألحق من الأذى ببلاده أضعاف ما ألحقه من يسميهم الارهابيين، فهو مسؤول بقدر كبير عن تصاعد نسبة الكارهين لأمريكا وسياستها رغم مزاعمه بأنه يستلهم قراراته من السماء، ويحمل الميزان الذي يوزع من خلاله الشر والخير على تضاريس العالم.
لم تقل تلك السيدة إنها أمريكية منذ السطر الأول، وفضلت أن تقول ذلك بعد عشرة أسطر على الأقل لتوضح لمن يستمعون إليها ما آل إليه الحال في الفردوس الأرضي المزعوم، وهو في حقيقته الجحيم الذي يهدد استقرار العالم، ويبتكر من الأعداء والخصوم ما يوفر له الأسباب والذرائع المطلوبة لشن الحروب، والتدخل السافر في سياسات الدول واستباحة سيادتها أو على الأقل من تبقى على قيد سيادته منها.
إنها تعيد إلى الذاكرة ذلك الوجه القبيح لليانكي، كما قدمه شهود العيان على امتداد عقود من القرن الماضي، ولو كان جيري روبين زعيم الييبز هو الذي كان يتحدث بدلاً من تلك السيدة لما اضاف حرفاً واحداً إلى ما قالته، لأنها قالت الحقيقة كلها، وأذابت بغضبها وزفيرها الأصباغ والمساحيق التي تجمّل الوجه القبيح.
ولو شئنا إعادة صياغة ما قالته تلك السيدة لما وجدنا أفضل من مقولة الفيلسوف ديكارت الشهيرة، وهي “أنا أفكر، إذن أنا موجود” بحيث تصبح “أنا أشعر بالتعاسة والخجل لأنني من أمريكا”.
الدار العراقية
امرأة تعتذر عن قارّة .... خيري منصور
