في (عراق الديمقراطية) كما يسمونه أو (نموذج الديمقراطية في العالم الثالث) لا يخلو يوم أو ساعات من نهار أو ليل إلا وتحدث فيه حالة إخفاء قسري، وبهذا يتصدر العراق القائمة بانتهاك حقوق الانسان وفق أحدث تقرير عن هذه الحالات، في ربوع الديمقراطية الامريكية والرعاية والوصاية الايرانية لحكومة المنطقة الخضراء.
ويعرف الإخفاء القسري بحسب الاتفاقية المتعلقة بحماية جميع الأشخاص منه، والتي اعتمدتها الجمعية العامة في قرارها رقم 133/47 المؤرخ في 18 كانون الأول (ديسمبر) 1992 بـأنه (القبض على الأشخاص واحتجازهم أو اختطافهم رغما عنهم أو حرمانهم من حريتهم على أي نحو آخر على أيدي موظفين من مختلف فروع الحكومة أو مستوياتها أو على أيدي مجموعة منظمة، أو أفراد عاديين يعملون باسم الحكومة أو بدعم منها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أو برضاها أو بقبولها، ثم رفض الكشف عن مصير الأشخاص المعنيين أو عن أماكن وجودهم أو رفض الاعتراف بحرمانهم من حريتهم، مما يجرد هؤلاء الأشخاص من حماية القانون).
وبتفسير معاني التعريف أعلاه لا نريد أن نخوض طويلا في المفردات لأن الواقع في العراق يشرحه بتفاصيلها الدقيقة، إذ أصبح الإخفاء القسري تجارة بيد المسؤولين والمتنفذين في الحكومات المتعاقبة ما بعد الاحتلال، وقد ذكر تقرير المنظمة العربية لحقوق الانسان في أوربا أن "عدد المختفين قسريًا في العراق بلغ خلال السنوات الـ 13 الماضية التي أعقبت الغزو الأمريكي للبلاد (مارس/ آذار 2003) نحو 150 ألف شخص، معظمهم فُقد خلال حكم رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، وبلغ عدد المختفين خلال العامين الماضيين فقط بعد اجتياح (داعش) العراق 41 ألف شخص يتقاسم التنظيم مسؤولية اختفائهم مع الحشد الشعبي (ميليشيات شيعية موالية للحكومة)".
وأفادت اللجنة الدولية للصليب الأحمر على لسان بيتر ماورير، بأن العدد الدقيق للأشخاص المختفين قسرياً في كل أرجاء العالم غير معروف، ولكننا نقدِّره بما لا يقل عن مئات الآلاف.
الأرقام غير معروفة والمعلومات مجهولة حول الضحايا الابرياء المدنيين، والجاني هم الحكومات والمؤسسات الرسمية التابعة لها، والميليشيات التابعة للأحزاب، بل أصبح هذا الإخفاء تصفية حسابات وفق ممارسة الأجهزة الأمنية لسلطانها، والعراق كغيره من البلاد التي شهدت اضطرابات ونزاعات مسلحة، فمنذ 2011 ارتفع أعداد المختفين قسرياً في عدد من الدول العربية التي قابلت أنظمتها الحاكمة الانتفاضة بالقمع.
وفي حالة وجود مثل هذه الحالات من الإخفاء القسري والتي تجرّم طبقاً للقانون الجنائي للدولة، حيث إن جميع الدول ذكرت في قوانينها تجريم حالات الإحتجاز بالقوة وفقا لمعطيات قوانين حقوق الانسان والقانون الدولي الإنساني، ويحاسب على ذلك كل من ثبت عليه في أي حال من الأحوال ذلك.
ولا يجوز التذرع في هذه الأمور بأنها حالات فردية، أو عمل عرضي أو خطأ في الاجراءات، ولا يجوز التذرع أيضا أنه صادر عن شخص وليس من جهة فالأشخاص والأفراد ينتمون إلى جهة معينة، وعليهم حقوق وواجبات، ويمتثلون جميعا للقانون. ومن هنا إذا استمرت الأحوال كما هي عليه فإن عدد الضحايا الذين يقبعون في المعتقلات السرية أو السجون الحكومية دون رقيب أو حسيب، سيتزايد ويتضاعف.
والسؤال المطروح في هذه الحالات كيف السبيل إلى الحل، فنقول في حالة وجود عملية الإخفاء القسري، سواء الحادثة كانت اعتقال من البيوت أو الأماكن العامة، فإن ذوي الضحايا مطالبون بتقديم وثائق اثبات على أن الضحية هو جراء عمليات إخفاء قسري، وإلا يعتبر الشخص مفقودا، تتمثل هذه الاثباتات من خلال صور أو معلومات دقيقة بوجوده في سجن ما، أو اتصال معه أو مع من قام بعملية الإخفاء.
أما تكرار عمليات الإخفاء القسري فيكون بسبب عدم الاستقرار السياسي وغياب القانون، وتسلط الميليشيات وتنفذ الاحزاب دون ضوابط قانونية في الاجهزة الأمنية وغياب دور القضاء والإجراءات القضائية، فمن المعلوم أن الإخفاء القسري لا يتم إلا بعلم حكومة متنفّذة لا تعطي اهمية للإنسان في مجتمعاتها، سواء كانت هذه الحكومة ممثلة بالدائرة التنفيذية، أو رأس السلطة الحاكمة.
فلا يوجد محاكمات، حيث ان الدولة هي من تتولى عملية الإخفاء من خلال أجهزتها الرسمية، دائما يُحكم عليهم بالسجن بآجال مختلفة مع منعه من الاتصال بالعالم الخارجي. فضلا عن عمليات التعذيب وانتهاك الكرامة وعمليات الابتزاز، وبعضهم يحكم عليهم بموت مباشر وعدم توافر أيّ معلومات عنهم، ويبقون مجهولي الهوية والمعلومة لأهلهم وذويهم.
لقد عانى العراقيون كثيرا جراء علميات الإخفاء القسري فالأرقام مهولة والمعلومات مجهولة، ولازال الجناة يتحججون في القانون ودولته، ولازال القضاء يأتمر بامرة الميليشيات والاحزاب، وان ما نشاهده ونسمع من مقابر جماعية في اغلب المدن ما هو الا دليل واضح على عمليات الإخفاء القسري.
إن بشاعة ما يجري وارتفاع الأرقام تشير إلى أن الاختطاف وبالتالي الإخفاء القسري هو احدى الاستراتيجيات العسكرية والحزبية في العراق فإخفاء الالاف من الابرياء في العراق منذ 2003 ولم يعرف عنهم شيئاً حتى تاريخنا، مع افتراض وجود عداداً منهم تحت مسمى الجثث المجهولة الهوية.
قسم حقوق الإنسان
