تستند وزيرة الخارجية الأمريكية في تصوراتها عن شرق أوسط جديد إلى حصيلة مرموقة من التجربة التحليلية،
عبر متابعتها الأكاديمية لتراكم العوامل التي أدت لانهيار الكتلة السوفياتية، ورصدها لتفاقم التآكلات الذاتية التي أفضت في النهاية إلى تشكيل تيار تاريخي جرف تلك المنظومة الدولية، ومن الواضح أن الأستاذة الجامعية التي اعتلت عبر رصدها الحاذق للتجربة السوفياتية ثاني أعلى منصب سياسي في بلدها، متجاوزة حواجز العراقة والاحتراف السياسيين، تطمح إلى اضفاء صيغة القانون التاريخي على خلاصتها التحليلية وتعميمها لفرض واقع عالمي يفضي تلقائيا إلى استمرار حالة الواحدية القطبية ويبقى العالم في كنف «الرعاية» الأمريكية على امتداد العقود الأربعة القادمة على الأقل.
من هنا فهي تدأب على اعتبار ما أسمته بالفوضى المبدعة سبيلاً وحيداً لإعلاء الديمقراطية كقيمة عليا ومطلب نهائي لشعوب العالم العربي والإسلامي، وصولاً لاحلال السلام انطلاقاً من وثوقية تستحوذ على التاريخ وتقضي بأن الديمقراطيات لا تشن الحروب، مفترضة حالة من الإذعان القسري ترغم مسارات التاريخ نحو حتمية قاطعة لا بديل لها، تتجمع عندها كل المخاضات والتجارب التي تعبر عن حركة الشعوب، بما يشمل حالات الفوضى التي تعكس التفكك وانهيار نظام العلاقات، فكل حدثيات العالم وتفاعلات الشعوب والحضارات متجهة نحو نهاية واحدة وتصب في محيط واحد، يرتقي دون غيره كمرجعية اطلاقية لاستشراف المستقبل ورصد الواقع التاريخي القادم، هو واحة الديمقراطية لعالم يغمره السلام والرخاء.
بيد أن الحلقة الأخيرة في سلسلة الحتميات المنتجة في بوتقة الديمقراطية تبدو متهالكة على محك الواقع المشهود، عندما ترتدي «ديمقراطية الفلسطينيين» التي أنجبت حماس، وجه الإرهاب البشع، ويصبح الممثلون الشرعيون رهائنا دون أن يمنحهم صندوق الاقتراع حصانة أو سلاما، فلا تكشف المرجعية الفكرية للتاريخ المفصل في دوائر القرار الأمريكي إلا عن تشابكها مع مقتضيات الهدف السياسي وسقوطها في ربقته، فليست الدوائر السياسية التي تتربع الآنسة رايس على عرشها العالمي، مكانا لانتاج التأويل، ولكنها موضعاً لصناعة التأثير والاشتغال على اساليبه، لأن سلسلة الحتميات المؤدية إلى السلم والرخاء انطلاقاً من الفوضى تنغلق على نفسها في عزلة قسرية عن قوانين الكون التي تنفتح على الاحتمال وتعددية الممكن، حتى على مستوى التجربة العلمية المحضة التي أصبحت تشكك في مفهوم الحتمية نفسه.
ومع تجاوز الخلل المنطقي الذي ينطوي عليه خطاب الفوضى الخلاقة باعتبارها أداة لتمهيد الطرق الوعرة في الشرق الأوسط نحو واحة الديمقراطية، فإن هذه المقاربة لا تكف عن امتناعها عن تقديم رؤية مستقبلية متوازنة لاشكاليات المنطقة الكبرى التي تتوسطها القضية الفلسطينية، ولا تنتهي عند مسائل الفقر الاقتصادي والمعرفي وانتشار المرض والأمية، ولا أحد يدري كيف ستبدو حلة الديمقراطية الزاهية على جسد مشوه، بصورة خاصة مع الجروح الغائرة للفوضى الخلاقة التي يصدمنا بها المشهد العراقي الحالي، إنه قلب لمنطق التاريخ لأن المشروع الغربي نفسه انتهى ديمقراطياً ولكنه ولد معرفياً وترعرع اقتصادياً في سلسلة من التداعيات التي انجبت قوى المصالح المختلفة داخل المجتمعات الأوروبية، حيث نجحت في احتواء وإدارة صراعاتها ضمن مجال سياسي منظم وإجراءات قانونية، اكتسبت نجاعتها عبر وعي اجتماعي بمعنى الاختيار والمواطنة والمساواة وشبكة الأدوار والوظائف ومصادر الشرعية.
بيد أن الأطروحة الأمريكية التي تروجها الآنسة كوندليزا رايس لا تستعير اسناداتها من المسارات الصعبة التي قطعتها أوروبا نحو حاضرها المزدهر بقدر استدعائها لنموذج شرق أوروبا القريب من الذاكرة واللصيق إلى قلبها، من منطلق اسهاماتها التحليلية البارعة حيال ذلك، ولكنها تنزلق إلى مصيدة الثغرات التقليدية لمنهجية النمذجة المتلهفة لتأكيد نفسها، مزهوة بانتصاراتها الأكاديمية حول الكتلة السوفياتية السابقة تقترح صياغات اختزالية للمنطقة التي استهلت أبجدية التاريخ ولا تزال تفيض بمنتوجات حية على حدودها الجغرافية والبشرية ويقظة ملء مكوناتها الثقافية، التي تؤطر كافة أشكال النشاط الإنساني في أصقاع الوطن العربي والإسلامي، الذي أصبح واضحاً انه يشكل مرتكز الاستراتيجية الأمريكية لاحتواء الصراعات الدولية التي تلوح على الأفق وتأكيد الهيمنة الأمريكية على عالم الغد، إن سياسات الدمج والتذليل تستدعي نزع صفته الانسانية فلا يعدو موطناً لثقافة أو ذاكرة جمعية بل منطقة تقع إلى الشرق من المرتكز، تسكنها شعوب لا يجمعها غير انشدادها إلى مركز اقليمي (إسرائيل) مشدود بطبيعته إلى المركز الأم، انه ليس أحد الطرق أو البدائل بل الطريق الأوحد الذي ينبغي اجتيازه، إلى انتزاع اعتراف العالم بالتفرد القطبي لضبطه وإدارته.
لكن المقاربة التي تستدعي تجربة الانهيار السوفياتي تتهاوى على جدار الدائرة الثقافية الذي يفصل عالمي السوفييت والمسلمين عن بعضهم البعض، فلم تكن التجربة الشيوعية قطعاً حاسماً مع الفكر التأسيسي للبرجوازية الحديثة وعقلانيتها الرأسمالية، ولم تفعل سوى تقديم برامج بديلة لمراكمة الثروة تحت سيطرة الدولة وتسلطها، وإلغاء وظيفة الافراد ومصادرة إرادتهم، ومع تجاوز السجل الهائل للقمع الذي استهدف الحقيقة الانسانية، فإن هذه التجربة تهاوت بفعل عواملها الذاتية، ولم يكن انهيار الأنظمة الشيوعية إلا حدثاً داخل التجربة الغربية أنهى صراع البرامج والمنهجيات بين جدران بيتها الخاص، عبر تجربة مشتركة خاضها المشروع الغربي انتهت عند محوري الفشل المريع لأنظمة الشيوعية على النطاق الاقتصادي والتقني، واجراءات التشذيب الجذرية التي ادخلت على نظام الاقتصاد الحر لضبط انفلاته وتحقيق مجتمعات الرفاه.
خرجت شعوب شرق أوروبا وروسيا وآسيا الوسطى، غاضبة وعيونها معلقة ببريق الحياة الغربية، بعد عقود من تعاطي الأنظمة الشيوعية معها على انها أدوات لتجسيد إرادة الدولة واعلاء قادتها، لم يكن ثمة مسافة معرفية أو روحية «في ما عدا آسيا الوسطى» تفصل بين شعوب جناحي المشروع الغربي المؤسس على الانجاز المادي والعقلانية الحسابية الخالصة، فكيف يفوت سيدة الفكر الاستراتيجي الأمريكي الحالي؟
ان تنظر إلى أن المنطقة التي تسميها بالشرق الأوسط إمعاناً في تهجين واقعها الإنساني هي منطقة الهوية - الروح، الأكبر والأكثر رسوخاً والأقوى شكيمة عبر الأربعة عشر قرناً الماضية من زمن الحضارة، وهي هوية تنطوي على تجسيد للمدنية العالمية التي شكلت الدولة العربية الإسلامية في القرون الأولى راعيتها وحاميتها الذائدة، لا سيما وهي لا تزال قادرة على مواجهة التحديات التي يطرحها العصر الصناعي في وجهها، وعبرت عن امكانياتها في تمثيل الحضارة الصناعية عبر نماذجها الخاصة، وعبر محاولات التحديث متفاوتة الحضور في انحاء وطنها الكبير، وسجلت في كل الأحوال اشتغال شعوبها بمسائل الحداثة والارتقاء بمستويات الحياة والمجال العمومي، في سياق انبعاث الهوية كما تمثل ذلك في تركيا بعد قرابة قرن من العلمنة الرسمية التي لم تفلح في اخمادها.
إن هذه الهوية ليست لفظاً رومانسياً تنفخ فيه نخب مثقفة، لبعث النهضة وايقاظ الضمير الوطني، وايقاد روح السعي الحضاري ولكنها حقيقة موضوعية تتجسد في مظاهر الحياة والسلوك وأساليب التفكير وتشكل انتظاماً مجتمعياً عاماً وسلطة مرجعية حاسمة، لا تصمد أمامها ثنائية الإسلام - الديمقراطية كما تعبر عنها النمذجة الأمريكية إزاء الحالة التي يعاني منها الوطن العربي الإسلامي الكبير، انطلاقاً من معطيات التجربة الشيوعية، فالحضارة لا تصنعها حالات السديم الدموي كما هو حاصل في العراق إذا كان ذلك نموذجاً للفوضى الخلاقة، ولن يتم نضوج التغيير المتجه نحو البناء إلا على مرجل الوعي وفي وعاء التكامل الموضوعي بين الروح الجماعية للأمة وبين جدليات الواقع المعاش واحداثيات الزمن الخاطف، وعبر هذه اللقيا التي تتحقق في إطار الوعي، يمكن فقط اطلاق ديناميات الهوية الذاتية وتحريرها للتحرك نحو مبارحة سكونياتها التي أنجبت واقعاً متخلفاً، ولتفتح نوافذ الذات المنغلقة لرياح التغيير مشدودة إلى قواعدها التأسيسية الراسخة.
جريدة "الرياض" السعودية
الشرق الأوسط وطنا - علي بوخمسين
