هيئة علماء المسلمين في العراق

«الفاشيين الإسلاميين» من صنعهم؟! - سليمان البدور
«الفاشيين الإسلاميين» من صنعهم؟! - سليمان البدور «الفاشيين الإسلاميين» من صنعهم؟! -  سليمان البدور

«الفاشيين الإسلاميين» من صنعهم؟! - سليمان البدور

عندما نزلت في مطار «هيوستن» الدولي عام (2000م)، وتوقفت عند منضدة التفتيش الجمركي، سألتني الموظفة الأميركية من أصل إفريقي ببشاشة، عن المدة التي سأمكثها في الولايات المتحدة، فأجبتها بدعابة: «عندما تنفد نقودي»! فضحكت المرأة بصوت مرتفع وتركتني أمضي دون أن تفتح حقيبتي!!، ولدى مغادرتي بعد أيام من مطار «شارلوت» بكارولينا الشمالية وجدت ابن أختي، الذي ودعته في قاعة المطار، إلى جانبي، فسألته مستغربا إن كان يسمح لغير المسافرين أن يصلوا إلى حاجز الدخول إلى الطائرة، فأجاب بأنه أمر عادي ولا توجد أية إجراءات مشددة بهذا الشأن، مثل هذا الشعور بالاسترخاء والأمن لم يكن متوفرا في مطارات الوطن العربي، الذي عانى كثيرا من التطرف والإرهاب وخطف الطائرات العشوائي ثم تفجيرها على الأرض، كتعبير فوضوي أفرزته الرغبة الجنونية بالانتقام بعد الصدمة العنيفة التي أحدثها الهجوم الإسرائيلي المفاجئ على البلدان العربية المجاورة، والانتصار المذل على العرب الذي حققته إسرائيل في الخامس من حزيران عام (1967م)، لقد أخذت المقاومة ورفض الاحتلال شكل الإرهاب العدمي والمدمر لدى الكثير من التنظيمات التي أفرزها العجز العربي وسياسات أميركا وإسرائيل الإذلالية تجاه المنطقة، وعمت ثقافة الانتحار لدى شريحة واسعة من الشباب المضللين من قبل القيادات المتطرفة، التي نبتت جذورها في رحم الصراع العربي مع الاستعمار ومع إسرائيل امتداده الاستراتيجي.
وفي الوقت الذي وقعت فيه الدول العربية ومجتمعاتها بين عنف التيارات المتطرفة وعربدة الدولة الصهيونية، التي باتت تصول وتجول في كل مكان من وطن العرب المستباح، حتى أنها دمرت مفاعل العراق النووي «أوزيريس» بطائرات عبرت الأجواء العربية دون أدنى احترام لسيادة الدول أو كرامتها، كانت الولايات المتحدة تعمل بصورة سافرة على استثمار مآسي الشعوب العربية والإسلامية ومعاناتها وتوظفها في صراعها مع الاتحاد السوفيتي، وبدلا من أن تستشرف السياسات الأميركية والإسرائيلية المستقبل الذي يبشر بالفوضى والدمار والمواجهات الدموية، قامت مخابراتها بتجنيد المتطرفين واحتضنت قياداتهم من أمثال «الشيخ عمر عبد الرحمن» و«ابن لادن» وبقية القائمة، ودعمت هؤلاء المتطرفين بالمال والسلاح ودربتهم على حرب العصابات، ثم ألقت بهم في وجه الدبابات السوفيتية في أفغانستان ليجاهدوا في سبيل الله ويحاربوا الكفار، مهيأة بذلك الظروف، لقيام نظام طالبان المتشدد، الذي وجه هؤلاء «المجاهدين بالإعارة» إلى أهداف أخرى كان في مقدمتها أبراج نيويورك وقطارات مدريد وأنفاق لندن!.
كثيرون الذين يحبون الولايات المتحدة، لأنها كانت، وللإنصاف، واحة لليبرالية الاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية، وكان هذا الحب، قبل أن يسيطر على واشنطن زمرة المحافظين الجدد بأوهامهم الإمبراطورية ويمينيتهم السياسية المغرقة في الغلو، والتي صاغتها مفاهيم دينية أكثر خطورة وفاشية من أية عقيدة سياسية أو دينية أخرى على الأرض، فما معنى أن يستفز رئيس أميركي مثل «بوش» مشاعر مليار مسلم يشكلون دولا متحضرة وشعوبا واعية صقلتها ثقافة تدعو إلى التسامح والعدل والمساواة بين البشر، بحجة أن فئة محدودة من التكفيريين والعدميين تخطط لتفجير طائرات مدنية في بريطانيا وأميركا؟!، ألم تستق هذه الفئة ثقافة الشر من السياسة الأميركية الهوجاء والعدوانية المفروضة على العالم كله ومن ممارسات الصهيونية ومبادئها السوداء ذات الأهداف التوسعية التي خرجت عن كل المعايير الأخلاقية التي عرفها الإنسان؟!.
«بوش»، الذي لا يخجل من مباركته لقتل النساء والأطفال في لبنان وفلسطين ويتبجح بذلك أمام وسائل الإعلام، يصف المقاومة الشريفة والنظيفة في هذين البلدين بالإرهاب، ولا يعتبر إرساله القنابل الذكية لقتل المدنيين الأبرياء إرهابا، بل دفاع عن النفس!.
لا نعتقد أن هناك مسلما حقيقيا واحدا يقر الأعمال الإجرامية التي ترتكبها العصابات المضللة، التي تدعي الإسلام وتستهدف الأطفال والنساء ودور العبادة وأضرحة الأولياء، لكن الكل يعرف في الوقت ذاته، أن هذه العصابات أنتجتها ثقافة «الكاوبوي» اللاأخلاقية، وأن ما قاله ويقوله «بوش» خلط قبيح بين المقدس والمدنس والحق والباطل، وتشويه مقصود للإسلام، بنوايا مبيتة ولأهداف بشعة!!.


جريدة "الرأي" الأردنية

أضف تعليق