ليس مهماً كم عدد الجامعات في العراق ، اذا كانت تتناسخ الأساليب الرتيبة القديمة في طرق البحث العلمي، واذا كانت غائبة منذ سنوات طويلة عن قائمة تتكون من خمسمائة جامعة لها تقويم علمي معتبر في العالم، وربما لا يكون هناك حاجة لاستقلالية الجامعات وهي تتحرك تحت سقف خفيض يكاد يلامس المرحلة الدراسية الإعدادية التي تسبق الدراسة الجامعية . ويكون من باب أولى وهي مكبلة بالتخلف أن تبقى ماكثة في المجال التعليمي الذي قبلها لأنها هي كذلك فعلاً، ولم تستطع بهذا الحاصل الضعيف أن تنتقل من الدراسات الأولية الى الدراسات العليا بوجه علمي ابتكاري مشرق.
في سطور قليلة، لا تكون الصورة واضحة على نحو كامل، لكن من الممكن تشخيص هذا الخلل المتراكم في بنية الجامعات العراقية التي لا يشكل البحث العلمي لدى طلبتها في أثناء تدرجهم الدراسي سوى نسبة ضئيلة ولعلها أحياناً معدومة، نلاحظ هزال حصيلتها في المرحلة المنتهية لدراسة الطالب حين يقدم بحث التخرج، وهو مجموعة وريقات بحثية في فكرة واحدة صغيرة، نرى الطلبة ضائعين فيها لأنهم لم يواجهوا أمثالها في خلال السنوات الثلاث أو الأربع التي سبقتها، وكذلك يكون الأساتذة ضائعين أمام طلبتهم أيضاً.
بل إنّ المجال يكاد يكون ضيقاً وربما معدوماً في جعل الطالب يفيد من أخطائه في بحث التخرج، ليقدم في فرصة تالية ما هو أجود، لأن السنة الأخيرة تكون قد انتهت وبدأت مراسيم التخرج لدفعة إثر دفعة من طلبة غير مؤهلين لخدمة المجتمع، ليس بسبب نقص في قابلياتهم البحثية والتحليلية وإنما لتوافق عناصر المجتمع الأخرى التي أفرزت البلادة في التعليم العالي، وقبلها في التربية والتعليم الأقل مستوى .
لا تزال في جامعاتنا عملية التدريس تتم من خلال محفوظات ببغاوية ضعيفة التعليل وبضع كراريس وملخصات وما يسمى الملزمات ،جمع ملزمة، التي تضم نبذاً موجزة عن أي علم من العلوم، ويبقى الطالب يجهل أين هو العلم الأصلي قبل تلخيصه العاثر والمرتبك غالباً.
تعالوا نتصارح من دون دفن رؤوسنا في التراب.
كم باحثاً متميزاً يمتلك العراق من خريجي الجامعات في دفعات العقد الأخير، في أي من التخصصات، في التاريخ أو علم النفس أو الاجتماع أو الرياضة أو طرق تدريس اللغات الأجنبية أو الحاسوب أو الجيولوجيا أو الرياضيات والاحصاء أو زراعة الرز أو الفواكه أو الخضراوات تبعاً لتربة البلد أو قل ما تشاء من المجالات. وهنا أقصد الباحثين القادرين على الابتكار وتوظيف بحوثهم لتقديم خدمات علمية أكبر تمهد لبحوث أعمق تنتشل المجتمع المتردي من حاله المأساوي، وحتى لو امتلكنا خمسة أو سبعة متميزين فهل هي حصيلة مناسبة لهذا الكم الهائل من الجامعات والموازنات المهدورة من دون نفع؟ .
الجامعات لا ينبغي أن تكون تحصيل حاصل تتابع المراحل الدراسية وإنما هي بداية الانطلاق نحو بناء المجتمع على نحو عميق وراسخ .
لا أعني بهذا الكلام عدم وجود قابليات عراقية مبدعة في المراحل الدراسية الجامعية ، لكن أعني أن هناك قوة أكبر في القدرة على إضاعتها وسحقها ، لتبقى البلادة الطارئة مستمرة أطول فترة ممكنة ، تلك البلادة التي تنتعش فيها الطفيليات السياسية وتوغل براحتها في مص دماء الشعب وثرواته.
إما انتشال الجامعات من الحضيض أو إلغاؤها ، وكلا الحلّين لفائدة العراق.
