بسم الله الرحمن الرحيم
في الذكرى الأولى لمبادرة العراق الجامع التي اطلقتها هيئة علماء المسلمين قبل عام يستعيد الناظر كل المعاني الجميلة التي تقصد من هذه المبادرة ويحاول ان يمحو المواجع التي مرت في اثناء مدتها المنصرمة بكل آلامها ببريق الامل المنشود منها..
فعلى مدار أكثر من عقد على تمزيق الدولة العراقية بكل ما تصف كلمة دولة من مجتمع وقانون واقتصاد وجيش وغيرها ما زال نبض الشعب قائما لاسترداد ما سلب منه ودفع الألم الذي ألم به، ورغم كل أنواع التصدي والمقاومة التي مارسها الشعب غير أنه لم يستطع انهاء وانهاك قوى التغطرس والفساد والظلم والطغيان، ورغم كل الالام التي مرت على هذا الشعب العظيم التي كادت ان تسلبه حتى روح الرفض للظلم غير ان إرادة الله في دفع الناس بعضهم ببعض لئلا تفسد الأرض باقية ببقاء من له مقاليد الأمور فقد جاء الربيع العربي الذي بعث روحا ما كلت رغم انها من شدة الظلم ترهلت فأعاد هذا الربيع ماء الشباب الى الجسد وانعش روحا في قلب شعب كان مهدا للبناء والحضارة والتقدم يأبى الضيم وينزع الى الرفعة بعد الحرية.
ورغم انضباط هذا الجسد وتماسكه مع الروح المشبوبة في هذا الربيع الثائر، ومطالبته بحقه حتى صار كالمثل السائر، ما كان من تلك القوى المستكبرة المتجبرة الا ان تقذع تلك الروح العاشقة لنبض الشباب والمتطلعة للخير بأقذع وصف، وتفجأهم بفقاقيع الماء في ليلة الشتاء، فأرعدت تلك القوى الغاشمة وأبرقت واستشاطت غضبا وحنقا فأغلظت بالقول ثم تبعه الإساءة بالفعل اللئيم، فاجتمع على هذا الشعب سوء الأمرين الحشف وسوء الكيل، الطغام من الحكام والسيء من الاحكام، فابتدروهم بعد مطالبة عفيفة بمقابلة عنيفة وابدلوه من ربيعه خريفه، ولم يبقوا عليه خزفا ولا صريفا.
ثم تطورت تلك الأحداث الجسام واخذت الأمور منحى طائفيا اتسم بالغرابة وإن كان على الفطن ليس بغريب وعاث الظلم والافساد في البلاد ما لا يخفى على بعيد ولا قريب، فأدمى هذا المشهد قلب كل غيور، وكاد من هوله ان يستنطق المخدرات من الحور، فبادرت هيئة علماء المسلمين لاستنقاذ ما بقي من بقايا الروح، وانتشال جسد انهكته الجروح، فجاءت بمبادرة العراق.
مبادرة العراق تعني شيئين أحدهما كمال الشيء وامتلاؤه، والآخر الإسراع إلى الشيء والسبق اليه.
أما المعنى الأول فهو من قولهم لكل شيء تم بدر ونحن نأمل بأذن الله ان نرى بدر تمامها وعيد نوالها باديا على العراق والمنطقة بأسرها. والمعنى الآخر: مأخوذ من قولهم بدرت إلى الشيء وبادرت بمعنى اسرعت وعاجلت وسبقت. ويقال لمن تسبقه دموعه فلا يستطيع كفكفتها: بدرت دمعته وبادرت فهي بادرة، والجمع بوادر. قال كثير:
إذا قيل هذي دار عزة قادني ... إليها الهوى واستعجلتني البوادر
ولا يخفى على ناظر أن المبادرة بالمعنى الثاني هي المقصود من المشروع الذي أطلقته الهيئة بعنوان المبادرة ..
فمبادرة العراق الجامع تعني الإسراع والسبق الى إنقاذ العراق من المهالك التي تنهش به وهي الهدف المنشود والمعلن، والغاية المأملة من كل غيور لا يتوانى عن أهله وبلده، ولذا كان من بوادر التوفيق لهذا المشروع تسميته تيمنا بما يلزم من معنى الاسم فهي مبادرة بحق بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
وفي لمحة سريعة تنبيها لكل فطن حذرت المبادرة منذ انطلاقها قبل ان ينزلق العراق الى هذه المزالق العظيمة التي تحل به اليوم حذرت من تداعيات تطال المنطقة بأسرها، وآلام توجع كل ضمير إنساني، وقد كانت الرؤية واضحة والاحداث مكشوفة منتظمة في نظر من أطلق هذه المبادرة وحذر من تبعات ما يجري في العراق صارخا كالنذير المشرف، والخائف الموجف، والرائد الذي لا يكذب أهله.
كما حذرت المبادرة منذ اطلاقها من طائفية مقيتة عابرة للحدود الوطنية والإقليمية لن يكون وقود هذه الطائفية شعب بعينه أو عرق بذاته بل إنها لا تقتصر بضررها على دين معين أو مذهب محدد فهي تستهدف كل من يقع تحت نيرها ويقف متفرجا ناظرا مطرقتها غير الرؤوف تسقط على سندان أصم، ملَ من سماع صوت المنطق، وعمي عن رؤية الباطل وقبله الحق، فصلمت آذانه وفقأت عيونه ولا امل لمتأمل من حراكهحراكه فقد خلق بلا إرادة ولا قدرة، وبلا آلات تساعد على توقي ضربات معول هدم بيد غاشم لا يراعي عهدا ولا ذمة.
وقد ناشدت المبادرة كل كبير بيده مقاليد إدارة الشعوب في المنطقة عموما والعراق خصوصا لتوقي سنين عجاف تأكل المتبقي من بقايا شعب ضرسته الحروب بأنيابها واتخذت من دمائه واشلائه وقودها وشرابها، فآلت تلك الحروب على نفسها ان لا ترحم صغيرا وأن لا تستبقي كبيرا فهي غضبى – أعني الحرب- وما أدراك ما الحرب لا أجد أحسن من قول زهير فيها:
وَما الحَربُ إِلّا ما عَلِمتُم وَذُقتُمُ وَما هُوَ عَنها بِالحَديثِ المُرَجَّمِ
مَتى تَبعَثوها تَبعَثوها ذَميمَـــــةً وَتَضرَ إِذا ضَرَّيتُموها فَتَضرَمِ
فَتَعرُككُّمُ عَركَ الرَحى بِثِفالِهــا وَتَلقَح كِشافاً ثُمَّ تَحمِل فَتُتئِـــــمِ
ورغم كل ما هو مشؤوم من أخبار الحروب فما أُلقي السمع لناصح، ولا أناب من غفلته ناطح، بل صدق فينا قول كعب بن أسد لليهود وهم يذهب بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سألوه قائلين: يا كعب ما تراه يصنع بنا؟ فقال لهم: أفي كل موطن لا تعقلون؟ ألا ترون الداعي لا ينزع، وأنه من ذهب به منكم لا يرجع؟ هو والله القتل.
لا مجال للحزن الان ولا زمان للأسى فما زال القتل مستمرا والتشريد على أشده، فلا مكان لأن نأسى ونرثى لحالنا قبل تضميد الجراح ووقف عجلة القتل العجلى، ووضع عصا العصيان في رحاها الدائرة حثيثا، فلا تزال المبادرة تتحرق شوقا الى آذن صاغية وقلوب واعية، تخلص المتبقي من شظايا نار الطائفية التي لم يسلم منها المدر.
مبادرة العراق الجامع كانت ووجدت وحدثت ولا تزال لا تستثني أحدا، فقد أبدع من سماها بالعراق الجامع، فهي الجامعة لشعبه وطوائفه وهي العراق الجامع لعروبته وأصالته وهي العراق الجامع لتاريخه وحضارته وهي العراق الجامع لما تشتت في غيره، مبادرة تهدف الى التصالح بدل التذابح والى التحاور بدل التهاتر، والى المعاني بدل الاماني، والى الاستثمار بدل الاستمرار في الفوضة والضياع.
ولو كان هناك من يسمع الى الناصحين لما تشردت الالاف من الأبرياء وتهدمت بيع وصلوات ومساجد يذكر فيها الله كثيرا ويذاع، ولما عاث من يفسد الحرث والنسل ولما تسلط الفاسدون وأبعد المصلحون والله لا يحب الفساد.
فهلم الى إحياء النفس البريئة التي من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا، هلم الى إيواء يتيم وإغاثة ملهوف وتضميد جرح نزوف، هلم الى إيواء المسلمات والعاجزين والعاجزات الذين لا يجدون حيلة ولا يهتدون سبيلا، هلم الى السلم الاجتماعي والنمو الاقتصادي والرقي العلمي والثقافي، هلم الى الوطن الذي يحلم به كل من أثقلته الغربة وأضناه التشريد والضياع الى مستقبل أجيال تنظر الى آبائها ليبنوا لها مستقبلا يطمئن إليه السابق، ويرتاح فيه اللاحق، هلم الى مجد يتغنى به الناشئون ويلوذ به المفتخرون هلم الى مشروع يجمع الشتات ويحل الازمات هلم الى مبادرة العراق الجامع أقول في ذكراها الأولى كل سلام وتحيات.
