هيئة علماء المسلمين في العراق

حتى لا نخطئ فهم المبادرة.. جهاد بشير
حتى لا نخطئ فهم المبادرة.. جهاد بشير حتى لا نخطئ فهم المبادرة.. جهاد بشير

حتى لا نخطئ فهم المبادرة.. جهاد بشير

في عامها الأول واجهت مبادرة العراق الجامع التي أطلقتها هيئة علماء المسلمين سيلاً من الأسئلة وطلبات الاستفهام، منها ما كان معلنًا عبر وسائل الإعلام ومواقع التوصل، ومنها ما وُجّه للهيئة في لقاءات واجتماعات مختلفة وفقًا لما أعلنته هي في أكثر من مناسبة، وذلك على الرغم من الوضوح الذي تتميز به بنود هذه المبادرة التي لا تصعب على من يبتغي بحق أن يصل بالعراق إلى الحل الناجع والخلاص من أزماته المتراكمة والتي يقوم عمادها على أصل واحد يعرفه الجميع.


ولسنا هنا بصدد استعراض المبادرة أو مناقشة تلك الأسئلة البدهية غير المناسبة؛ ولاسيما ما يُطرح من قبيل كون الهيئة جهة شرعية ومبادرتها ذات منطلق سياسي؛ في فهم عقيم لحقيقة الشريعة وجفوة مع روحها، وقصور في معرفة دورها في صناعة الحياة وتنظيمها؛ بقدر ما تدعو الحاجة لإزالة اللبس الحاصل لدى بعض من تعاطى مع المبادرة سواء بالسلب المتطرف أو التحامل المفرط.


لقد أثرت المقالات والندوات والخطابات الإعلامية ذات العلاقة بمبادرة العراق الجامع؛ أفكار الناس وأذهانهم وأبصرتهم بفحواها، ولن يستغرق استيعاب منطلقاتها ومضامينها ومحدداتها وأهدافها سعة وقت أو عظيم جهد لمن كان له قلب ولب، أو من كان متجردًا طالبًا للحق لا تقيده حزبية الأفكار والتنظيمات، ولا تأسره حظوظ النفس ورغبات الدنيا.


لكن ما يؤسف له حقًا؛ أن تسيء جهات ـ تُحسب أنها على الخط الوطني ـ فهم مبادرة هي في الأصل ثمرة غراس سابق قد تكون شاركت فيه بنفسها وأيقنت تمامًا حقيقة ثوابته مثلما أدركت طبيعة مآلاته، وقادها سوء الفهم هذا إلى سلوك طرق أخرى تتصادم وثوابت المشروع الوطني العراقي، وسوء الفهم هذا إن أوردناه على مبدأ حسن الظن؛ فإنه مثلبة لا تغتفر، وإن أردنا توصيفه على أنه مفتعل ليكون حجة للنكوص والتجرد عن ثوابت القوى المناهضة للاحتلال؛ فإنه جرم منهجي وأخلاقي قبل أن يكون فكريًا أو سياسيًا.


لقد جاءت مبادرة العراق الجامع وفي طيّاتها أمل مفعم يتجدد بين حين وآخر يمكنه الصمود أمام ما يدركه القائمون عليها من حجم المعوقات التي ستوضع في طريقها، وكمية المطبات التي كانت وما تزال تـُصنع بأشكال متعددة ومواصفات متنوعة، وقد تحملت هيئة العلماء في سبيل ذلك الشيء الكثير؛ على الرغم من أنها طرحت المبادرة باعتبارها جزءًا منها لا متبنية لها بانفراد، وطرحت نفسها على أنها عامل دعم ومساعدة في سبيل تحقيقها، وقد ثبت في تاريخ العراق أثناء العقد الأخير؛ أن الهيئة لا تفكر مطلقًا بالاستئثار بالطرح لاسيما وأن هناك جهات وقوى تشاركها فيه؛ لأن من البداهة ألا يُكتب لمشروع النجاح حين تنفرد به جهة على حساب شركائها في المشروع، وتلك قضية شرعية تنطلق منها الهيئة قبل أن تكون ذات اعتبار آخر، ولو نظرنا إلى أحداث معينة في هذا التاريخ؛ لرأينا السياسيين السنة الذين خالفوا إجماع قوى مكونهم وانفردوا بالدخول في العملية السياسية، كيف انتهى بهم المطاف وهم يتقلبون منذ سنين بين فشل وآخر ويتنقلون بين أحضان المشاريع والقوى المتصارعة التي لا تريد بالعراق وشعبه إلا السوء والشر؛ وشتان بين الفريقين!


وحتى لا نخطئ فهم المبادرة؛ فمن الواجب على المتابع لها والمعني بها أن يتنبه لأمرين اثنين؛ أولهما أن النظر إلى المشروع وتقييمه ـ سلبًا أو إيجابًا ـ بناء على أشخاصه، وَهْمٌ يقود إلى طرق مسدودة، وتحليلات لا تفضي إلا إلى الشطط واليأس؛ فالبشر ليسوا محاطين بهالة من العصمة وبالتالي فإن الخطأ في التطبيق وارد وطبيعي، وتخلي بعض من لاحهم ضوء المبادرة عنها؛ ظاهرة اعتيادية ومتوقعة، وتجربة مألوفة عاشها الرعيل الأول من المسلمين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم، باعتبارها جزءًا من البلاء الذي تقتضيه السنن.


والأمر الآخر؛ إن معيار الحكم على نجاح المبادرة من عدمه؛ هو إدراك حقيقة الثوابت التي انطلقت منها أولاً؛ وتصوُّر حجم العوائق والمصدات والضغوط التي واجهها القائمون عليها طوال العام الماضي؛ ثانيًا، وهذا ليست بالشيء اليسير، ولا تحيط بها الكلمات المجردة لتصف حقيقته، فإن المبادرة تواجه المجتمع الدولي كله وفي مقدمته "القوى العظمى" التي تتحكم بالعالم كما هو معلوم، وجميع هؤلاء ما زالوا متمسكين بالعملية السياسية ويحيطون بها بدوائر متعددة من التقديس، ولا يرون حلاً في العراق إلا من خلالها سواء بالإصلاح أو الترميم والترقيع؛ فلا يُتصور أن يُفسح المجال بسهولة لقوى عملت على مدى عقد ونصف في التصدي للمشروع الغربي في العراق وناهضته بالكلية ودعمت المقاومة ضده؛ لتضرب هذه العملية وتعمل على نقضها، ولكن ذلك لا يعد مبررًا منطقيًا للتخلي عن المواجهة، ومواصلة بناء المشروع.


وفي الختام يستلزم المقام الإشادة بالمبادرة رغم كل تلك الضرّاء وعدم يأس القائمين عليها، وليعرف الجميع حجم المصداقية التي تتحلى بها؛ فإنها معدة ببصيرة وعلى منهاج مستقيم، وأبلغ دليل يثبت ذلك؛ هو دعوة هيئة علماء المسلمين لكتابة ميثاق وطني ليكون معيارًا وميزانًا لا يرفض الاحتكام له إلا الأدعياء.


أضف تعليق