في البدء، كان الجنود الصهاينة يعتقدون أن هذه العملية العسكرية الحالية، لن تكون أكثر من مجرد نزهة سريعة في التراب اللبناني، مثلها مثل سابقاتها إذ لن تتطلب عملية الاجتياح إلا الاعتماد على سرعة المدرعات الإسرائيلية بمعنى أنه لن يكون من الممكن لأي كائن أن يوقف سير كرة الثلج أمام هذا الجيش الذي لا يقهر إلى درجة أن محللين عسكريين غربيين لم يتورعوا في البداية حتى عن التفكير مسبقاً في الكيفية التي سوف يكون عليها مستقبل الدولة اللبنانية بعد أن تزيح القوات الإسرائيلية أفراد المقاومة من طريقها وصولاً حتى أن بعضهم بدأ يقترح اسم الرئيس المقبل للبنان بما أن العماد لحود ليس شخصاً يمكن الوثوق به بعد اليوم!!.
يتعين علينا أن ننتبه بداية، إلى أن هؤلاء الجنود 'الأبطال' قد تلقوا الضوء الأخضر من لدن "المجموعة الدولية" وحتى من بعض الأنظمة العربية وهذه حالة غير مسبوقة، صار رئيس وزراء الاحتلال نفسه يستشهد بها بما لها من دلالات مفصلية في الواقع السياسي بشكل عام.
توضح هذا الأمر بشكل جلي منذ اجتماع روما حيث لم يتمكن الحاضرون هناك من التوصل إلى أية صيغة اتفاق تنهي مأساة المدنيين اللبنانيين، وبالتالي فلقد ظهر بعد ذلك أن الإستراتيجية العسكرية للاحتلال سوف تتطور لتصير العمل على إخلاء الجنوب اللبناني بكامله من 'المدنيين' حتى الوصول إلى الإنفراد بمقاتلي حزب الله بمعنى القدرة بعدها على استعمال كل الأسلحة المحظورة والمسموحة.
بعبارة أخرى، القدرة على اعتماد سياسة الأرض المحروقة بما أن الوسائل العسكرية لم تعد تمثل إشكالاً بسبب الجسر الجوي الذي أقامته الولايات المتحدة؛ لأن هذه الأخيرة قررت تموين الدولة العبرية بكل القدرات التي سوف تتيح لها قلب أرض الجنوب اللبناني بآلاف الأطنان من القنابل التي تقول التقارير إن أغلبها لم يدخل لحد الساعة الخدمة عند القوات المسلحة الأمريكية نفسها!!، بمعنى أنها تُجرّب للمرة الأولى من الإسرائيليين فوق رؤوس أطفال 'قانا' وصور وعيتا الشعب، وبنت جبيل وعيترون والبقاع... وغيرها من الأسماء التي باتت منذ الآن مرادفة للإجرام الصهيوني. هذا هو الشق النظري من العملية.
أما على الجانب العملي فالواقع لا يبدو بمثل هذه الكيفية التبسيطية، بمعنى أن الإشكالات كثيرة، ولم ينتبه الصهاينة إلى أنه لا يمكن توقع أن يبقى حزب الله جامداً ينتظر أن تقدم دولة الكيان على اقتلاعه وجثّه مثلما هو مخطط من غير الحاجة إلى القول إنه كان حرياً بقيادة أركان الاحتلال أن تنتبه إلى أن المقاومة سوف تعمد إلى تصعيد المواجهة، ولن تتورع حتى من الوصول إلى قصف تل أبيب نفسها بما أن القادة العسكريين الإسرائيليين أنفسهم باتوا مقتنعين بقدرة الحزب على ذلك فضلاً عن أن السيد نصر الله جزم بهذا المعطى بطريقة واضحة لا تحتمل أكثر من تفسير!.
ثم ما هو مستقبل الموقف السوري بعد أن أعلن وزير خارجية دمشق في الأيام الأخيرة أن إسرائيل تخطط فعلاً لأن تصعد الحرب، وتجعلها مواجهة إقليمية شاملة بالموازاة مع تلك التقارير التي تتحدث عن الأوامر التي تلقتها القوات المسلحة السورية بضرورة الرفع من جهوزيتها بسبب الظروف الإقليمية 'الحرجة'؟!
ثم ماذا عن الموقف الإيراني أيضاً بما أن الرئيس أحمدي نجاد لا يتورع عن إلقاء تصريحات نارية بطريقة يعتقد كثير من المراقبين أن هدفها هو حث إسرائيل على أن تقدم على ارتكاب ما تنتظره القوات المسلحة الإيرانية؟
في أول أيام شهر آب/أغسطس الحالي أورد (ناثان غاردل) رئيس تحرير مجلة (NPQ) الأمريكية التي تُعنى بقضايا الأمن والسياسة في الولايات المتحدة حواراً (1) في غاية الأهمية مع (زبيجنيف بريجنسكي) حول المعطيات الجديدة التي أفرزتها هذه الحرب الأمريكية الإسرائيلية المعلنة على لبنان. المتحدث في هذه المرة - بريجنسكي - ليس شخصاً عادياً، بمعنى أن كلامه لا يمكن أن نعتبره مجرّد ردة فعل عاطفية أو متشنجة، فالرجل كان يشغل منصب مستشار الأمن القومي الأمريكي للرئيس جيمي كارتر في الفترة 1977-1981 وبالتالي فإن كلامه يستند إلى معطيات وبناء علمي، ولا يمكن التغاضي عنه ببساطة مثلما اعتاد فعله المتسرعون عندنا من أنصار المشروع الأمريكي بدعوى التعقل والحكمة والواقعية، وما إلى ذلك من حجج لم تعد تنطلي على أحد!!.
بالمختصر، لقد تحدث الرجل بكلام واضح ودقيق مفاده أن دولة الكيان الغاصب في فلسطين فقدت بهذه الحرب كل مسوّغات قوتها؛ لأنها كانت تقف منذ إقامتها في العام 1948 على إستراتيجية القوة الرادعة أي امتلاكها للقدرة على إنهاء أي نزاع مسلح في ظرف قياسي مثلما فعلت في حرب الأيام الستة (حزيران 1967) حينما استطاعت وقتها أن تسحق الجيوش العربية في مصر وسوريا والأردن بطريقة استعراضية كانت كفيلة بأن يصير وزير دفاعها في ذلك الوقت، موشيه دايان، رمزاً للبطولة في الغرب حيث صارت الأقلام الأمريكية والأوروبية تعتبره بعد ذلك الانتصار الخارق، (سوبرمان) الشرق الأوسط فضلاً عن أن تلك القطعة التي يضعها على عينه باتت إحدى أشهر تقليعات الموضة في الغرب إذ صارت النساء هناك يضعنها تعبيراً عن إعجابهن وانبهارهن بهذا البطل!! على الرغم من أن الحقيقة هي غير ذلك، بمعنى أن بطولة هذا العسكري لم تأت في الواقع إلا من منطلق أنه لم يجد أحداً يحاربه، بدليل أن القادة العرب وقتها دخلوا تلك الحرب وهم متأكدون من الهزيمة والاندحار، ولم يسبق لي شخصياً أن قرأت قبل اليوم أن محارباً قد ربح معركة دخلها وهو مقتنع من حتمية خسرانها!!.
هذا استدراك لا بد من التلميح له حتى يتسنى لنا أن نفهم حقيقة ما تشعر به الآلة العسكرية الصهيونية المتغطرسة؛ لأن هذه الأخيرة لم يسبق لها قبل اليوم أن أحسّت أنها لم تعد ذات جدوى أو على الأقل، حتى لا نتفاءل كثيراً، باتت تواجه توازن رعب حقيقي على طرفي حدودها إلى درجة يقول عنها بريجنسكي إنها لا تهدد باندحار المشروع الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط بكاملها فحسب، ولكنها تنذر بأن نهاية الكيان الصهيوني بكامله باتت وشيكة بسبب أن الكيان نفسه فقد مفهوم القوة التي لا تقهر الذي تغنى به على مر عقود، وأقنع به الكل بدءاً من الزعماء العرب أنفسهم وصولاً إلى أفراد المجتمع الصهيوني؛ لأن هؤلاء الذين كانوا قبل اليوم متأكدين من عظمة جيشهم، ومن أنهم آمنون بفضله، صاروا مجبرين على مراعاة مشاعر الجنود الصهاينة وهم يرون بأم أعينهم مدى فداحة خسائر الأرواح والمعدات بمجرد التقدم لأمتار قليلة في التراب اللبناني.
هنالك أيضاً معطى آخر هو من الأهمية بمكان، ولم تنتبه إليه العديد من الكتابات قبل اليوم ملخصه أن الدولة العبرية فقدت في هذه الحرب الحالية أيضاً يافطة أنها الدولة الديموقراطية الوحيدة في المنطقة، وأنها الواحة الاقتصادية الغناء في الشرق الأوسط؛ لأن هذه الحقيقة سقطت في الوقت الحالي بشكل كامل، وصار الاقتصاد العبري مجبراً على أن يدفع فاتورة ضخمة جديدة مع كل يوم جديد من هذه الحرب، فعقوده باتت جامدة والتزاماته التصنيعية تأجلت إلى تاريخ غير محدد، وليس أدل على ذلك من أن نلحظ صورة واقع ميناء حيفا مثلاً الذي يُعدّ شريان الاقتصاد الصهيوني على الرغم من أنه يجري التعتيم على ذلك لأسباب لا تخفى على أحد من أهمها: ما سوف تعنيه هذه الوضعية من أخطار تتهدد مصداقية الدولة برمتها!!.
ليس هذا كل ما في الأمر، فلقد كانت الآلة العسكرية قبل اليوم مصدر دخل قومي مهم أيضاً؛ لأن عدداً كبيراً من الأجهزة الأمنية عبر العالم، بما في ذلك بعض الأجهزة العربية أيضاً، كانت تتعاقد مع دولة الكيان في سبيل تنظيم معسكرات تدريبية لأفرادها بما أن القوات الخاصة الصهيونية كانت بمثابة الجهاز الذي لا يمكن مجابهته!!، ثم ها هو يتعرى وتسقط ورقة التوت عنه - ومواجهات بنت جبيل التي تكبد فيها لواء "جولاني " شر هزيمة خير دليل على ذلك - ويكتشف العالم أن كل تلك الهالة التي ارتسمت في الأذهان عن 'الجندي الإسرائيلي الأسطوري'، كانت مجرد دعاية سينمائية وأكاذيب لا وجود لها على أرض الواقع إلا في الأفلام التي تنتجها شركات هوليوود التي يمتلك أثرياء اليهود في أمريكا أغلبها!!.
فهل تعتقدون أن أي واحد عبر العالم سوف يفكر بعد اليوم في أن يدفع أموالاً مقابل تدريب أجهزته الأمنية وهو يرى بأم عينه كيف افتضح هؤلاء 'المدَرِبون' أمام حفنة من المقاومين الذين لا يملكون غير أسلحة نارية بسيطة، اضطرتهم إلى أن ينسحبوا تحت تغطية جوية كثيفة في مدينة صور الصغيرة التي هي أقرب جغرافيا من تجمعات الجنود الصهاينة على الحدود منها إلى بيروت؟!!
ينبغي أن ننتبه أخيراً إلى أن قضية انتصار المقاومة اللبنانية في هذه المواجهة العسكرية الحالية، لم تعد سبقاً صحفياً، ولم يعد المحللون الإسرائيليون أنفسهم، يتحرجون من قولها والجزم بها، ولكن الجديد في هذه المرة أن هذا الانتصار يعني أيضا أن إسرائيل هي المنهزمة وهذه فقط، هي الحقيقة التي لم يستطع لا الصهاينة و لا حُماتهم من المتصهينين في أمريكا وغيرها، هضمها والقبول بها؛ لأنها فضلاً عما تعنيه من تحولات مفصلية في واقع موازين القوى في الشرق الأوسط، تعني أيضاً أن المنطقة برمتها مقبلة على عهد جديد من نمطية التفكير والتعامل السياسي والعملي لدى المجتمعات العربية على الأقل، وهذه الأخيرة وحدها كفيلة بأن تغير واقعاً لا يزال مستمراً منذ قرون طويلة؟؟!!.
---------------------------------------
(1) يمكن مطالعة نص الحوار مع بريجنسكي، مستشار الرئيس الأمريكي الأسبق، جيمي كارتر لشؤون الأمن القومي، على الرابط:
http://www.informationclearinghouse.info/article14371.htm
09/08/2006
الإسلام اليوم
ماذا يعني انهزام إسرائيل في لبنان؟.. عبد الحق بوقلقول
