وقف اطلاق النار ضُبطنا في اسوأ وضع يمكن أن يكون: ليس في حالة انتصار، ولا في حالة انهيار، وانما في حالة من الفشل الطبيعي. حرب كان بها عدد كبير من المقتادين، ولكن لم يكن فيها قيادي واحد. قدر كبير من عجرفة القادة الكبار، ومن الخطابات التشرتشلية مع قدر قليل جدا من التفكير فيما نريده وما نسعى اليه في هذه الحرب.
ما الذي دفع الجيش في صبيحة أحد الايام ورئيس اركانه على وجه الدقة، الى اقناع الحكومة المبتدئة نسبيا في الشروع خلال ساعات في حرب شاملة ردا على اختطاف جنديين من جنودنا؟!!
كيف انجرت الدولة كلها الى هذه الحرب من دون خطة منظمة، ومن دون التفكير بأهدافها وغاياتها وكيفية انتهائها وثمنها، وقوة الدمار التي تنطوي عليها، والمدة الزمنية التي تستغرقها؟!!، وما الذي سيُعتبر انتصارا فيها؟!!.
اريئيل شارون كان يمتلك الاجابات على هذه الاسئلة في كل ما فعله نحو الخير أو الشر، خلال مسيرته الطويلة، كان زعيما يقود الآخرين. كان قبل كل شيء يبدأ في شيء يعرف الى أين سيوصله. كانت لديه القوة والصبر والقدرة على التمسك بالهدف. عندما قرر عبور القناة في حرب يوم الغفران، عرف الهدف مسبقا وخطط المسار وقدّر بصورة صحيحة نقطة انكسار المصريين. عندما قرر مواجهة م.ت.ف التي جلست على أعناقنا على الحدود اللبنانية حدد الهدف ودخل الى بيروت الى أن طرد قيادة م.ت.ف برئاسة ياسر عرفات عن حدودنا الشمالية.
شارون ابتدع فك الارتباط طوال أكثر من ثلاث سنوات. ومنذ اللحظة التي قرر فيها، قاد الآخرين فأقنعهم ونفذ ذلك بالقوة. وعندما رأى أن حزبه لن يسمح له بالتنفيذ اللاحق، شكل كديما حتى يواصل مسيرة انهاء الاحتلال.
اهود اولمرت دخل في نعليه الكبيرين من دون أن تكون لديه مزايا القائد الذي يسير الآخرون من ورائه. هو حاول التحدث مثل تشرتشل، إلا أن تشمبرلين أطل برأسه من بين جوانحه!!. في خطابه الاول للأمة تعهد بالقضاء على حزب الله وإزالة التهديد الصاروخي من فوق رأس اسرائيل. وفي خطابه الرسمي الثاني أمام الكلية العسكرية وعد بأن تُغير انجازاته وجه الشرق الاوسط. ليس واضحا على أي أساس تحدث بهذا المستوى المرتفع جدا. هل تحدث على أساس بصيرته وحدسه، أم بناء على قدرته البيانية؟!! أو على أساس ما وعده به رئيس هيئة اركانه دان حلوتس؟!!
ولأنني لا أفترض أن اولمرت قد أطلق هذه الوعود بصورة عفوية، فانه من شبه المؤكد أن رئيس هيئة الاركان هو الذي أقنعه. حلوتس هو الذي كان القائد واولمرت هو المقود!!.
السؤال هو هل طرح اولمرت الاسئلة الصحيحة فحصل من الجيش على اجابات حقيقية عليها؟!! هل سأل مثلا عن قدرة الجيش في تصفية حزب الله، أو على الأقل نزع سلاحه؟!! هل درس حجم المخاطر المتوقعة على الجبهة الداخلية وما هي قدرة هذه الجبهة على مواجهة الهجمات الصاروخية؟!! وهل سأل إن كان من الممكن فعلا "تحقيق الانتصار" في المعركة من خلال الهجمات الجوية فقط؟!! وهل سأل كيف من الممكن القضاء على حزب الله من دون هجمة برية مكثفة؟!! وهل سأل إن كان سيحصل على الحسم العسكري عندما ستُعيد اسرائيل السيف الى قرابه؟!! والى أية مدة زمنية؟!!.
حلوتس طيار لامع، إلا أنه مصاب بالثقة الذاتية المفرطة، وهو الذي أقنع اولمرت بما لمسناه. وفقا لمعيار النتيجة على الأقل، من المسموح الافتراض أنه قد ضلله ايضا. بعد 3500 صاروخ أُطلقت على نصف الدولة، ومليون مواطن قد أصبحوا لاجئين، واستدعاء الاحتياط في اللحظة الأخيرة من دون تسليح واعداد كما يجب، ومع اسلحة متدنية وخوذات وسترات واقية قديمة، وفي بعض الاحيان من دون امدادات تموينية!!، تنتهي المعركة باتفاق طبخته الولايات المتحدة من اجل انقاذ اسرائيل من هزيمة محرجة!!. ليس فقط أن النصر لم يحصل هنا، وانما ايضا يمكن القول أن قدرة اسرائيل الردعية قد تضررت!!.
الحكومة لم تفحص بصورة معمقة كيف ستتدحرج عمليتها المتدحرجة. كانت لثقة حلوتس الذاتية قدرة على إدخال الحكومة في حالة تنويم مغناطيسي. الرئيس بوش يُحب اسرائيل المنتصرة، ومطلبه بالتوصل السريع لوقف اطلاق النار كان نابعا من الخوف من أن تهب طهران لاعادة تسليح حزب الله وتحويل لبنان بسرعة الى جبهة أمامية لايران.
اولمرت فشل حقا، ولكن ليس هناك مبرر لجر الدولة مرة اخرى الى الانتخابات. كما لا توجد حاجة لعذابات لجنة تحقيق من اجل الوصول الى الاستنتاج بأننا قد انجرفنا الى داخل حرب غير مخطط لها لم يحرز الجيش الاسرائيلي الانتصار فيها.
من فشل، ومن ضلل، ومن أُصيب بالثقة الذاتية المفرطة، ونقل هذه العدوى الى الحكومة، هو رئيس هيئة الاركان. وهو الذي يتوجب عليه أن ينصرف!!.
2006-08-15 09:35:07
الكاتب/ معلق دائم في الصحيفة
http://www.paltoday.com/arabic/news.php?id=36070
فلسطين اليوم
مجرد فشل!!.. يوئيل ماركوس.. هآرتس الصهيونية
