هيئة علماء المسلمين في العراق

فتزلّ قدم بعد ثبوتها .. د. عبدالله العاني
فتزلّ قدم بعد ثبوتها .. د. عبدالله العاني فتزلّ قدم بعد ثبوتها .. د. عبدالله العاني

فتزلّ قدم بعد ثبوتها .. د. عبدالله العاني

إن نعم الله عز وجلّ علينا كثيرة، فمن هذه النعم نعمة الهداية، ويعقب هذه النعمة نعمة الثبات عليها والاستمرار فيها، فالثبات أمر مهم في حياة المسلم كيف لا والرسول (صلى الله عليه وسلم) وهو النبي المؤيّد بالوحي كان يسأل الله الثبات، فقد ثبت َعَنْ أَنَسٍ (رضي الله عنه) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: « يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ » فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: « نَعَمْ إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه.


وَعَنْ أَبِي مُوسَى (رضي الله عنه) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): « مَثَلُ الْقَلْبِ كَرِيشَةٍ بِأَرْضِ فَلَاةٍ يُقَلِّبُهَا الرِّيَاحُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ ». رَوَاهُ أَحْمد، فتثبيت هذا المتقلب برياح الشهوات والشبهات أمر خطير يحتاج لوسائل جبارة تكافئ ضخامة المهمة وصعوبتها .


فحريّ بنا أن نكون أشدّ حرصاَ على أمر الثبات، وأن ندعو الله في سجودنا بالثبات على دينه، ولا سيما ونحن نعيش في زمن الفتن، فتن المال، والنساء، والمناصب وهي أشدّها فكم من المسلمين من باع دينه أو قضيته أو وطنه لأجل منصب حقير زائل، أو عرض من متاع الدنيا قليل، قد يقول البعض أنا مطمئن من نفسي ومن ديني فيتساهل ولا يهتم لهذا الأمر؛ لأنّه لم يُعرض عليه شيء من ذلك، أو هو في منأى من هذه الفتن، ولكن ما إن تُعرض عليه ولو احتمالا سيوقن عند ذاك خطر هذا الأمر الذي حذّر منه الصادق المصدوق حبيبنا محمد (صلى الله عليه وسلم)، وإن إهمال الروح وعدم تربيتها على العبادات وتعويدها على الثبات على المبدأ الصحيح، وتعويدها على أن في الدين ثوابتَ لا تقبل التغيير أو التبديل، والثبات على ذلك فيه الأجر والمثوبة، قال تعالى: (( وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ )) [الأعراف: 170].


فالثبات حتى الممات أمر ليس بالهين، كما أن له ضريبة لابد وأن تؤخذ من أولئك المتمسكين على دينهم والذين كثيرًا ما نرى صور محاربتهم واضطهادهم، وفي قصة أصحاب الأخدود خير مثال على ذلك، إذ أثبتها الله عز وجلّ في كتابه في سورة البروج فهي تتلى إلى قيام الساعة، سطّر فيها المؤمنون موقف الثبات والعزيمة التي لم تتزعزع وهم على حافة حفرة يرتفع لهيب نارها أمام أنظارهم، ولكنهم أيقنوا أن نار الدنيا هي جنة الآخرة، فإن الثبات على دين الله مطلب أساسي لكل مسلم صادق يريد سلوك الصراط المستقيم بعزيمة ورشد، وموضوع الثبات مرتبط ارتباطا مباشراً بالقلب الذي يقول النبي (صلى الله عليه وسلم) في شأنه: « لقلب ابن آدم أشد انقلاباً من القدر إذا اجتمعت غلياً »، رواه أحمد.


فيجب على المسلم أن يحرص على التربية الإيمانية التي تحيي القلب والضمير بالخوف والرجاء والمحبة، والتربية العلمية القائمة على الدليل الصحيح المنافية للتقليد والأمعية الذميمة، والبحث عن العلماء والصالحين والدعاة المؤمنين، والالتفاف حولهم معين كبير على الثبات.


كما يجب على المسلم المحافظة على الأخوة الإسلامية كمصدر أساسي للتثبيت، فإخوانك الصالحون والقدوات والمربون هم العون لك في الطريق، والركن الشديد الذي تأوي إليه فيثبتوك بما معهم من آيات الله والحكمة، فلا يكون المسلم متخبطاً قال الله تعالى: (( قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ )) [الأنعام:71].


قال القرطبي (ت671هـ) في تفسيره: (( فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها )) مُبَالَغَةً فِي النَّهْيِ عَنْهُ لِعِظَمِ مَوْقِعِهِ فِي الدِّينِ وَتَرَدُّدِهِ فِي مُعَاشَرَاتِ النَّاسِ، أَيْ لَا تَعْقِدُوا الْأَيْمَانَ بِالِانْطِوَاءِ عَلَى الْخَدِيعَةِ وَالْفَسَادِ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا، أَيْ عَنِ الْأَيْمَانِ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ، وَهَذِهِ اسْتِعَارَةٌ لِلْمُسْتَقِيمِ الْحَالِ يَقَعُ فِي شَرٍّ عَظِيمٍ وَيَسْقُطُ فِيهِ، لِأَنَّ الْقَدَمَ إِذَا زَلَّتْ نَقَلَتِ الْإِنْسَانَ مِنْ حَالِ خَيْرٍ إِلَى حَالِ شَرّ.


ونلحظ أنّ الله قال: (فتزلّ قدم بعد ثبوتها) ولم يقل: لعدم ثبوتها؛ لأنّ الحياة فتن والثبات صعب، فالثبات لا يكون بكثرة الاستماع للمواعظ، وإنما يكون بفعل هذه المواعظ، قال تعالى: (( وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ))، [النساء:66]. 


وفي الختام نسأل الله عز وجلّ أن يثبتنا على دينه، وأن يختم بالصالحات أعمالنا، ونسأله حسن الخاتمة إنّه وليّ ذلك والقادر عليه.


 


أضف تعليق