هيئة علماء المسلمين في العراق

مأساة إنسانية تطوق ثلاثين ألف عائلة نازحة نتيجة الأعمال العسكرية الحكومية جنوب الموصل
مأساة إنسانية تطوق ثلاثين ألف عائلة نازحة نتيجة الأعمال العسكرية الحكومية جنوب الموصل مأساة إنسانية تطوق ثلاثين ألف عائلة نازحة نتيجة الأعمال العسكرية الحكومية جنوب الموصل

مأساة إنسانية تطوق ثلاثين ألف عائلة نازحة نتيجة الأعمال العسكرية الحكومية جنوب الموصل

   الهيئة نت     | متابعات..


ما تزال مشكلة النزوح الجماعي للمدنيين العراقيين جرّاء الحملات العسكرية التي تشنها في مناطقهم الحكومة الحالية بدعم وإسناد من قوّات الاحتلال الدولي ـ التي يطلق عليها اسم "التحالف الدولي" ـ بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية؛ تمثل المأساة الأكثر ألمًا في السنوات الأخيرة، وواحدة من أشد المحطات خصومة مع الإنسانية في تاريخ العراق المعاصر.


وفي صورة من بين آلاف الصور مثلها؛ تحل كارثة إنسانية في ساحة النازحين من أطراف مدينة (الموصل) مركز محافظة نينوى، وبالتحديد في مخيم (ديبكة) وهي منطقة تتبع قضاء (مخمور) جنوب شرقي المحافظة، وذلك بعدما أصبح المخيم يغص بعشرات الآلاف من النازحين الذين اضطروا لترك مناطقهم نتيجة العملية العسكرية بجنوب الموصل والقصف المتواصل بالمدفعية الثقيلة والطائرات وهو ما اعترفت به مصادر أمريكية رسمية قبل بضعة أسابيع.


تتفاقم مأساة أولئك النازحين وسط عجز تام للحكومة والمنظمات الانسانية الدولية عن مساعدتهم، وتقول مصادر مطلعة إن هذا العجز ناجم عن تعمد تارة، وعن غياب القدرة والإمكانات تارة أخرى، لاسيما وأن مخيم (ديبكة) ذو طاقة استيعابية لا تتجاوز أربعة آلاف عائلة فقط، بينما تقطنه حاليًا ما يقرب من (30) ألف أسرة تزايدت أعداهم بعد الحملة الأخيرة جنوب الموصل، مرجحة ارتفاع العدد في الأيام المقبلة، الأمر الذي ينذر بكارثة حقيقية ما تزال مغيبة عن الإعلام، خاصة حين يُنظر على الفارق الكبير بين حجم استيعاب المخيم المفترض، وبين ما يحصل على أرض الواقع.


وفي هذا السياق، نقلت مصادر صحفية شهادات لعدد من النازحين الذي انتهى بهم الحال إلى هذا المخيم الفقير، مؤكدين أن الوضع الصحي فيه مزرٍ وخطير جدًا، وتحدثوا عن انتشار أمراض عدة في صفوف الأطفال وكبار السن، من بينها الإسهال والتقيؤ والسكر والضغط والجرب، فضلاً عن أمراض العظام والمفاصل.


ويمضي أحد القاطنين في المخيم إلى القول؛ لم يجر أي تدخل حكومي حتى الآن لإنقاذ النازحين الذين هم بحاجة لوفود طبية مختصة وعلاج وأدوية للحد من احتمال وقوع كارثة طبية لا تحمد عقباها، مضيفًا بأن النازحين جميعًا يريدون مغادرة المخيم والتوجه إلى مدن أخرى في محافظتي التأميم وأربيل وحتى العاصمة بغداد بغرض اللجوء إلى أقارب لهم أو استئجار منازل؛ لكن القوّات الحكومية تمنعهم من تجاوز حدود المخيم، مؤكدًا أن أفراد تلك القوّات يُعاملون النازحين على أنهم أسرى لديهم.


إلى ذلك؛ تصف التقارير الواردة من هناك المشهد في مخيم (ديبكة) بأنه كارثي؛ ويؤكد الناشطون أن عشرات الأطفال ينامون على التراب تحت حرارة الشمس لعدم وجود خيام تكفيهم في وقت تبلغ درجات الحرارة في النهار (50) درجة مئوية، كما يشتكي النازحون من شحة المياه وعجزهم عن الاستحمام وغسل ملابسهم، وافتقار المخيم لمرافق صحية كافية للجميع، مؤكدين أن الحد الأدنى لمقومات الحياة غير متوفر بالمرة، بينما تقول امرأة نازحة آوت إلى المخيم مجبرة: "إن الناس هنا يموتون من الجوع والعطش وحرارة الجو، والحكومة الحالية منشغلة بالخلافات السياسية ومتخبطة في إدارة شؤونها (...) أدعو كل الأهالي إلى عدم ترك منازلهم والبقاء فيها عند حدوث أي عملية عسكرية فانتظار الصاروخ والموت أفضل من الحياة في المخيمات التي ينام أطفالنا فيها على التراب ولا نحصل على طعام إلا بضع لقيمات لا تشبع".


وعطفًا على ذلك؛ يتساءل عدد من النازحين في المخيم عن مصير أكثر من مليار ونصف مليار دولار زعمت الحكومة الحالية في وقت سابق أنها مخصصة للنازحين، متهمين إيّاها بالسرقة وادعاء العجز عن تقديم العون لهم لغرض الاستئثار بلتك المخصصات وتقاسمها على أساس نفي ومصلحي، كما نالت منظمات المجتمع المدني المقربة من الحكومة والتي تعمل تحت تفويضها؛ اتهامات مماثلة من قبل النازحين الذين أكّد معظمهم بالقول: "نسمع عن وجود دعم لمنظمات المجتمع المدني المحلية؛ لكننا لم نستلم منهم شيئًا" وأضافوا؛ إن أعضاء من تلك المنظمات يأتون كل يوم يحملون لافتات مكتوب عليها اسم منظماتهم ويلتقطون صورً بعد جمع الأطفال حولهم ثم يغادرون، وفي أفضل الأحوال يوزعون عدة صناديق من المساعدات لغرض التصوير فقط.


ولا يقتصر الحال هذا على مخيم (ديبكة)، بل تكاد تكون جميع مخيمات النازحين في العراق ولاسيما تلك التي في محافظة الأنبار على هذه الحال وربما أكثر سوءًا، فضلاً عن نازحي (الشرقاط) بمحافظة صلاح الدين، وآلاف آخرين في بغداد وديالى وسامراء وكركوك وغيرها، في أوضاع كانت وما تزال تثير تساؤلات تأبى الحكومة والمجتمع الدولي التعرض لها؛ تتعلق بالتعامل مع أوضاع النازحين على أساس طائفي وعرقي، خاصة حينما يُقابل النازحون من أهالي الأنبار والموصل وديالى وصلاح الدين بالتجاهل التام، وفي كثير من الأحيان يُتهمون بما يسمى "الإرهاب" على الرغم من أن القناعة التامة صارت سجية لدى الرأي العام بأن هذا المصطلح بات يُطلق عائمًا ويراد به السنّة من مواطنين أو مؤسسات، بل شُمِلت بهذا التوصيف مدن بأكملها.


لا يبدو أن المأساة ستتوقف عند هذا الحد؛ فالحكومة الحالية تتوعد مدينة الموصل وتتحرى الكذب في توظيف الأسباب واستجلاب المبررات، تمامًا كما فعلت في مدينة الفلوجة مؤخرًا وفي مدن الرمادي وبيجي ومناطق عدة بديالى وحزام بغداد سابقًا؛ والسلوك المتوقع من قبل الحكومة وميليشياتها قياسًا على ما سبق؛ يرجح بقوة احتمال تضاعف عمليات النزوح وإطالة أمدها، وذلك بعينه ما اعترفت به تقارير الأمم المتحدة التي تكتفي بالتوصيف المجرد دون فعل يُذكر، ما يجعل الرأي العام الدولي والإقليمي في إطار المسؤولية المباشرة عن مصير شعب كامل يُراد له أن يُباد بالكلية ويُمحى من قاموس البشرية.


   الهيئة نت    


ج


أضف تعليق