هيئة علماء المسلمين في العراق

اعقلها وتوكل..منهج حياة ... محمد صادق
اعقلها وتوكل..منهج حياة ... محمد صادق اعقلها وتوكل..منهج حياة ... محمد صادق

اعقلها وتوكل..منهج حياة ... محمد صادق

التوكل.. هو الثقة بالله , وصدق التوكل أن تثق في الله وفيما عند الله.


فالتوكل على الله والاعتماد عليه من شعب الإيمان، ولكنه لا ينافي الأخذ بالأسباب، فإن الله عز وجل لم يأمر بالتوكل إلا بعد التحرز والأخذ بالأسباب، قال الله تعالى: وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ {آل عمران:159}.


قال رجل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: (( يا رسول الله أترك ناقتي وأتوكل أو أعقلها وأتوكل؟ قال: بل اعقلها وتوكل)) رواه الترمذي "،


وعقل الناقة يعني: شد ركبة الناقة مع ذراعها بحبل لمنعها من الحركة والضياع أثناء غياب صاحبها، وسمي العقل عقلاً؛ لأنه يمنع صاحبه عن التورط في المهالك، والعاقل هو من يحبس نفسه ويردها عن هواها.


فالتوكل على الله والاعتماد علية أساس تنفيذ ونجاح كل أعمالنا المعتادة في الحياة، والأخذ بالأسباب من تمام التوكل على الله ولا ينافيه، لأن من اكتفى بالتوكل دون الأخذ بالأسباب المشروعة والميسرة والمناسبة مخالف لهدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويسمى ذلك عجزاً وتواكلاً وليس توكلاً شرعياً.


الهجرة النبوية المباركة حادثة فارقة بين الحق والباطل وبعث جديد للأمة، فبعد أن كان المسلمون مستضعفين في الأرض يعانون الظلم والاضطهاد أصبحوا كيان وثقل، سادة لأنفسهم أحراراً في بلادهم، ينظمون شئونهم وفق دستورهم الرباني الذي أنزله الله على رسوله الكريم.


أراد الله - عز وجل - أن يجعل هجرة رسوله بشرية من خلال الأخذ بالأسباب وفق السنن الكونية، لتعلم الأمة أنه لابد من الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله، وكان قادراً - سبحانه وتعالى - على جعلها معجزة خالصة لا دخل للبشر فيها كما في حادثة الإسراء والمعراج.


وقد قدم الرسول - صلى الله عليه وسلم - للأمة نموذج تطبيقي لمنهج التوكل على الله مع الأخذ بالأسباب بداية من اختيار الرفيق، وتجهيز الراحلة والزاد، وتحديد مجموعة الدعم والإمداد، واستئجار الدليل، ومخالفة الطريق المعتاد، إلى غير ذلك من الأسباب التي يعرفها الجميع.


خواطر من التطبيقات النبوية للأخذ بالأسباب


سأتناول بالتحليل التطبيقات النبوية للأخذ بالأسباب في حادثة الهجرة، لنستلهم منها خواطر تعتبر أهم النقاط التي يجب على كل من يحمل مشروع نهضة للمجتمع أن يضعها في اعتباره، ويعمل على تحقيقها على أرض الواقع ما استطاع لذلك سبيلاً.


1- وضوح الهدف ووضع خطة لتحقيقه:


الهدف كان واضحاً يتمثل في تخلص النبي - صلى الله عليه وسلم - من الاضطهاد والإيذاء والتضييق المفروض عليه في تبليغ دعوة الله للناس لإقامة الدولة المسلمة، والخطة الموضوعة لتحقيق هذا الهدف الواضح هي الهجرة إلي يثرب.


2- الاهتمام بتفاصيل الخطة:


لم يكتف النبي - صلى الله عليه وسلم - بوضع الخطوط العريضة لخطة الهجرة، وإنما اهتم بالتفاصيل الدقيقة لها ابتداء من تكليف سيدنا علي - رضي الله عنه - بالنوم مكانه حتى لا يلحظ المشركين تغيب النبي، وليرد الأمانات إلى أصحابها.


3- إعداد وتجهيز وسائل التنفيذ في حدود الاستطاعة:


بعد تحديد الهدف بوضوح ووضع الخطة بتفصيلاتها بدأ النبي - صلى الله عليه وسلم - فوراً في إعداد الوسائل والإمكانات اللازمة لتنفيذ الخطة التفصيلية في حدود الاستطاعة فتم شراء راحلتين وتجهيزهما بالزاد.


فتنفيذ الخطة الموضوعة لتحقيق الأهداف المرجوة يجب أن يكون بالاعتماد على الذات، وفي حدود الاستطاعة والإمكانات المتوفرة، ويكون استخدامها وفقاً لمبدأ الأولويات فيتم البدء بالضروريات فالحاجيات ثم الكماليات، ولا يتم اللجوء إلى الاقتراض إلا بعد استخدام كافة الموارد المتاحة، ولا يتم الاقتراض إلا للضرورات وفي أضيق الحدود.


4- اختيار مجموعة الدعم والإمداد:


لقد تم اختيار مجموعة الدعم والإمداد من كافة عناصر المجتمع فتم اختيار أبي بكر الكبير في المقام والسن للرفقة، والشاب عبد الله بن أبي بكر لجمع المعلومات للنبي وصاحبه ليكونا على دراية بمجريات الأحداث، بالإضافة إلى دور المرأة في حمل المؤن والأطعمة الذي قامت به أسماء بنت أبي بكر، كما استعمل عامر بن فهيرة مولى أبي بكر في إخفاء آثار الأقدام بجعل الغنم ترعى في نطاقها.


 5- اتباع الطريق غير التقليدية:


كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يعرف أن قريشاً ستجد في طلبه شمالاً باتجاه المدينة لأنها الطريق المعتاد فاتجه جنوباً إلى غار ثور عن طريق اليمن.


 6- بث روح الأمل والثقة في الله في أحلك الظروف:


رغم خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - من مكة مطارداً من أهلها لا يأمن على حياته ولا حياة صاحبه نراه يبشر سراقة بن مالك الذي كان يطارده بسقوط عرش كسرى وأنه سيلبس سواري كسرى، وعندما قال له أبو بكر وهما في الغار: " يا رسول الله لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا"، قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - مثبتاً الإيمان والثقة بالله في نفسه: (( يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما)).


7- نشر روح الإخاء والتكافل:


عندما قدم الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة وجدها تختلف من الناحية الاقتصادية عن مكة، فبينما تعيش مكة في بحبوحة من العيش وأهلها يعملون بالتجارة، كانت يثرب تعيش أوضاعاً صعبة حيث الاعتماد على الزراعة كمورد أساسي، والتجارة متواضعة في ظل سيطرة اليهود بأموالهم على مقومات الحياة، والشحناء بين أهل يثرب استنزفت دماءهم وقطعت أوصالهم، واليهود يؤججون الصراعات والحروب بين الأوس والخزرج، وهذا ما جعل أهل يثرب يأملوا بالإسلام خيراً.


إن أول ما قام به النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلاج الحالة الاجتماعية المتردية بالمدينة إنهاء النزاع بين الأوس والخزرج وجعلهم كيان واحد " الأنصار"، عندها بدأ في علاج الحالة الاقتصادية السيئة للمهاجرين عن طريق مؤاخاة كل مهاجر بأنصاري حتى أنهم توارثوا فيما بينهم، وهكذا بدأ الرسول بإنهاء النزاعات التي تستنزف الطاقات والأموال فتهيأت النفوس لاستقبال المهاجرين الذين فقدوا ديارهم وأموالهم.


وهكذا عندما يتم الأخذ بالأسباب في حدود الإمكانيات المتاحة يكمل الله النقص الناتج عن العجز الخارج عن نطاق الإرادة البشرية بقدرته كنتيجة لصدق التوكل على الله، كما أعمى المشركين عن رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه في الغار.


نأخذ مثالا آخر من القرآن الكريم ... ذي القرنين الرجل الصالح القوي الأمين صاحب الخبرات والكفاءات الذي طاف العالم وملأت سمعته الآفاق، عندما وصل به المطاف إلى قوم يعانون من الفساد ويعجزون عن مقاومته  طالبوه بأن يكون قائداً لهم وعرضوا عليه الأموال مقابل أن يقودهم ويخلصهم من المفسدين كما في قوله - تعالى -: ( قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ) الكهف 94.


فما كان من ذي القرنين إلا أن أنكر ذاته وأخبرهم أن ما به من فضل وقوة وعلم  فمن عند الله وليس من عند نفسه، ولم يطمع في أموالهم أو يستأثر بها لنفسه بل علمهم أن الأموال ليست السبيل الوحيد لتحقيق هدفهم، ووجههم إلى إن يوحدوا جهودهم ويعملوا معه جميعاً بقوة ليعينوه في بناء السد كما جاء في قوله - تعالى -: ( قَالَ مَا مَكَّنَنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ) الكهف 95.


وطلب منهم تزويده بالموارد المادية المتوفرة لديهم، والموارد البشرية اللازمة لتنفيذ المشروع ووضع لهم برنامج عمل تفصيلي لتصنيع سبيكة من الحديد والنحاس قال - تعالى -: ( آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا) الكهف 96.


وهذه تعتبر أول سبيكة عرفتها البشرية وهي ملساء لا يمكن تسلقها، وقوية لا يمكن نقبها قال - تعالى -: ( آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا فَمَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا) الكهف 97.


وبعد التوكل على الله والأخذ بالأسباب وإنجاز العمل بنجاح لم ينسب الفضل لنفسه ولم يمتن على من اختاروه بعبقريته وإنما أرجع الفضل كله لله - عز وجل - قال - تعالى -: ( قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا) الكهف 98.


عباد الله .. فلا تعطيل للأسباب، ولا اعتماد عليها من دون الله، ولا استعانة بها على المعاصي، ولا أن تكون هي في ذاتها محرمة، بل تُبذل الأسباب الشرعية مع التوكل على خالق الأسباب.لان التوكل على الله من أصل الإيمان والتوحيد: 


( وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ )سورة الطلاق:3 . 


 إنه صدق الاعتماد عليه عز وجل في جلب المنافع، ودفع المضار، هذا التوكل الذي هو صدق مع الله، وثقة بالله، إنه تفويض كامل واعتماد على الله، مع الأخذ - أيضاً- بالأسباب المباحة.


اللهم اجعلنا من المتوكلين، واجعلنا إليك منيبين، واجعلنا إليك أواهين، ولك تائبين يا رب العالمين.


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


بتصرف / محمد صادق


أضف تعليق