هيئة علماء المسلمين في العراق

التقوى ها هنا .. د. حسن سعيد
التقوى ها هنا .. د. حسن سعيد التقوى ها هنا .. د. حسن سعيد

التقوى ها هنا .. د. حسن سعيد

عظيمة هي تلك الكلمة التي غدت منهجاً من مناهج تزكية الأنفس، وإصلاح القلوب، وتنقية الأعمال، إنها كلمة (التقوى)، التي عني بها القرآن عناية بالغة، وعدّها (خير الزاد) الذي يتزود به المؤمنون في حياتهم الدنيا لحياتهم الأخرى، إنها عنوان في غاية النصح والإرشاد، فالمسلم بحاجة ماسة إلى زادٍ في كلّ عملٍ يعمله في الدنيا، وإنّ خير هـذا الزاد هو تقوى الله تعالى.


 وهذه الكلمة البالغة لها أشكال متنوعة، فالمسلم بحاجة إليها في كل وجوه حياته، فهو بحاجة إليها أتم الحاجة في علاقته مع الله سبحانه، وهو بحاجة إليها في تهذيب نفسه، وتشذيب أخلاقه، وهو بحاجة إليها في حلّه وترحاله، وفي سرّه وعلانه، وفي سلمه وحربه، وإنه بحاجة إليها مع أهله وذويه في برّه وإحسانه، وهكذا ليس هناك أي جانب من جوانب حياته إلا ويحتاج فيه لخير الزاد هذا.


إن هذا البيان هو المدخل للكلام على عبادة (التقوى)، التي قال في حقها الله تعالى: (( وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى )) [سورة البقرة: من الآية197]، ولا شك أن الإفادة القصوى من خير الزاد لا تتم، بل إنها لا تثمر، ما لم يدرك المسلم معنى هذه الكلمة، ويعلم مركزها، ويتقن التعامل معها؛ لأن الجهل بواحد من هذه الضرورات سيفقد المسلم جانباً عظيماً من خيرية هذا الزاد، الذي هو بأمس الحاجة إليه.


فهنا سؤالان في غاية الأهمية، مفادهما: ما معنى التقوى؟ وأين يكمن مركزها ومصدرها؟


إن إدراك معنى هذه الكلمة، وتحديد مركزها ومصدرها لا يتطلب عناء ومشقة، بشرط أن تقام المفاهيم فيهما مقامها الصحيح، أما معنى التقوى فقد قيل فيها أقوالٌ عديدة، يجمعها الأقوال الآتية:


إن معناها: أن يجعل العبد بينه وبين ما يخشاه من غضب ربّه وسخطه وعقابه؛ تقيةً من ذلك، وهي فعلُ طاعته واجتناب معصيته [جامع العلوم والحكم، لابن رجب الحنبلي: ص158]، ومعناها الدقيق: أن يتخذ الإنسان ما يقيه من عذاب الله، والذي يقي من عذاب الله: فعل أوامره، واجتناب نواهيه، وفي هذا المعنى قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: ليس تقوى الله بصيام النهار ولا بقيام الليل، والتخليط فيما بين ذلك، ولكن تقوى الله: ترك ما حرّم الله، وأداء ما افترض الله، فمن رُزِقَ بعد ذلك خيراً فهو خيرٌ إلى خير[الدر المنثور، للسيوطي:1/63].


وقال طَلْقُ بن حبيب: التقوى أن تعمل بطاعة الله، رجاء رحمة الله، على نور من الله؛ والتقوى أن تترك معصية الله، مخافة عذاب الله، على نور من الله [تفسير ابن كثير: 1/244].


وقد جاء الأمر الإلهي بتقوى الله حق التقوى، وذلك بقوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ )) [سورة آل عمران: من الآية 102]، قال ابن مسعود رضي الله عنه في بيان معنى حقّ تُقاته: أن يُطَاعَ فلا يُعْصَى, ويُشْكَرَ فلا يُكْفَر، ويُذْكَرَ فلا يُنْسى [تفسير الماوردي: 1/413].


هذا هو معنى التقوى، وأما محلّها فهو في قلب الإنسان، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: « التَّقْوَى هَا هُنَا، وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ » [رواه مسلم بالرقم:(6633)]، وسبب إشارة النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ إلى صدره هو ما بيّنه (صلى الله عليه وسلم) في الحديث الذي قال فيه: « إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ » [رواه مسلم بالرقم:( 2564)]، فالتقوى تكمن في القلب، والقلب مصدرها وموجه الجوارح بحسبها، فالبيان النبوي يوضح اقتران الأعمال بالقلوب اقتراناً على سبيل التبعية والخضوع، والأعمال هنا هي ما يصدر عن الجوارح، وتشمل جميع تصرفات الجسد، وارتباط ذلك كله بالتقوى التي هي عمل قلبي.


ويخطئ كثيرٌ من الناس حينما يفهم أن معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: « التَّقْوَى هَا هُنَا » أن محلها القلب، وأن الجوارح لا دخل للتقوى فيها، فهذا فهم مَنْ أصرَّ على ارتكاب المعاصي، وراح يسوّغ لنفسه أسباباً لارتكابها، فزاد إثماً على إثم.


فمعنى: « التَّقْوَى هَا هُنَا »، أن التقوى في القلب، فإذا اتقى القلب اتقت الجوارح، وإذا انهمك في معصية الله انهمكت الجوارح، وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم: « أَلاَ وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ، صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ ، فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ الْقَلْبُ » [رواه مسلم بالرقم: (4101)]، فإذا كان في قلب الإنسان تقوى لله عزّ وجلّ، وخوفٌ منه، وخشيةٌ له، استقامت أعماله الظاهرة؛ لأن الأعمال الظاهرة منقادة للقلب.


مقال خاص بموقع    الهيئة نت    


 


أضف تعليق