تقرير
أطفال العراق.. ضحايا الحروب والمآسي
يختلف أطفال العراق من حيث النشأة والظروف المحيطة بهم عن بقية أطفال العالم؛ فقد شهد العراق منذ عقود نزاعات وصراعات مستمرة، ومع تصاعد وتيرة العنف في العراق، بات لا ينقضي يوم دون أن نسمع عن مقتل أو استهداف طفل، وأصبح الأطفال هم الهدف في تلك الحروب البشعة، والصراعات المدمرة التي تعمل بشكل مباشر على تقويض مقومات الأمن الاجتماعي وما يرافقه من زيادة ملحوظة في المعاناة والمخاطر التي يتعرض لها الأطفال بالتسبب.
لقد أثرت النزاعات والحروب تأثيرا مباشرا على حاضر الأطفال ومستقبلهم، فاستمرار العنف يولد لديهم أفكارا هجينة وسلوكا غير منضبط، فضلا عن حرمانهم من التعليم وفرص التنشئة السليمة، وبهذا أصبح أطفال العراق بحاجة ماسة لتقديم المساعدة لهم من نواحٍ كثيرة من أجل تجنيبهم - ما أمكن - ويلات الحروب التي تصيبهم بأزمات نفسية وعاهات جسدية ترافقهم وتؤثر عليهم وعلى مستقبلهم وحياتهم على المدى الطويل.
إن أخطر الآثار على الأطفال في مناطق الصراعات المسلحة يظهر لاحقًا في جيل كامل ممن نجوا من الحرب ومن مخاطر التشرد والنزوح والضياع، وقد حملوا معهم من فظائع تعرّضوا لها ما لا يمكن وصفها، وهم أول ضحايا النزاعات والصراعات السياسية والطائفية، وما مآسي الحروب من تهجير وقتل وجهل وحرمان وإجبارهم على التجنيد للقتال واستهدافهم من قبل المجموعات المتحاربة والميليشيات الطائفية والنزاعات المتزايدة التي عرضتهم للعنف الشديد والآثار المترتبة عليه، إلا حلقات متداخلة فيما بينها منذ الاحتلال عام 2003م وإلى يومنا هذا.
إن أبرز آثار الحروب والمعارك في العراق هي إنتاج جيل كامل فاقد لطريقه، وفاقد لآفاق مستقبل يحلم به ومنزلق نحو الخوف والكراهية والظلم واليأس إلى مستويات تنذر بعواقب كارثية مستقبلا مثل: التفكك الاجتماعي والانحلال الأخلاقي والتخلف.
إن ما يقّدّر بنحو 4.7 مليون طفل عراقي - ثلث عدد الأطفال في البلاد - بحاجة إلى المساعدة العاجلة، وأن هنالك زيادة كبيرة متوقعة بأعداد الأطفال بسبب الصراع الجاري في غربي وشمالي البلاد، ويتعرض كل طفل من خمسة أطفال في العراق إلى التعذيب وخطر الموت والعنف الجنسي والتجنيد القسري والتهجير والقتل والخطف؛ علما أن كل الشرائع والقوانين السماوية والوضعية أقرّت وجوب حماية حقوق الطفل مهما كان عرقه أو طائفته.
ويحتاج ملايين الأطفال في العراق، كما أسلفنا، إلى المساعدات الإنسانية نتيجة قلة الغذاء والدواء والمكان الصالح للعيش جرّاء التشريد واللجوء إلى مخيمات النزوح، وانعدام الخدمات الصحية وتردي الأوضاع الاقتصادية في البلاد.
ويتعرض أكثر من 50 طفلا شهريا لحالة اختطاف أو اختفاء قسري من قبل الميليشيات والعصابات المسلحة مقابل إطلاق سراحهم بفدية مالية يدفعها ذووهم أو المساومة على مطلوبين لجهات حكومية أو عشائرية.
وجاء العراق في المرتبة الـ(17) عربيا، والمرتبة الـ(149) عالميًا في مؤشر حقوق الأطفال لعام 2016، الذي أصدرته منظمة حقوق الأطفال في 16 حزيران 2016، والذي شمل 163 دولة، من بينها 17 دولة عربية، ويصنّف المؤشر جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة التي صادقت على اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989، وهي 163 دولة، حيث استندت المنظمة في التقرير إلى مؤشرات كالحق في الحياة، والحق في الصحة، والحق في التعليم، والحق في الحماية، والبيئة الملائمة لحقوق الأطفال.
أطفال العراق وفرص التعليم
منذ الاحتلال أصبح التعليم مزر حيث بات ترك الدراسة، وعدم الانتظام في الساعات الدراسية والتشتت الفكري لدى الأطفال السمة الأبرز لواقع التعليم في العراق؛ بسبب الفقر المدقع وتفشي الفساد، فضلًا عن تردي التعليم وممارسة العنف في المدارس، وعدم اهتمام الحكومة في توفير بيئة نظيفة للدراسة سواء كانت على مستوى التعليم العام أو الخاص، وأصبح التعليم مجرد وسيلة لجني المال؛ مما دفع أهالي التلاميذ إلى عدم السماح لهم بالذهاب إلى مقاعد الدراسة، ناهيك عن الفساد الأخلاقي والإداري في مؤسسات التعليم العراقية الحالية.
وتعرضت العديد من المدارس في مناطق النزاعات المستمرة إلى قصف عشوائي وبلا توقف من قبل التحالف الدولي ومن قبل الميليشيات الداعمة للقوات الحكومية، وما نتج عنه من تدمير كلي أو جزئي للمدارس المستهدفة. وتحدثت المنظمة الأممية أن 20% من مدارس العراق تم إغلاقها بسبب الصراع الدائر في البلاد، وتم حرمان نحو 3.5 ملايين طفل عراقي في عمر الدراسة من الالتحاق بمدارسهم.
وفي مطلع سنة 2014م أُجبر 10% من أطفال العراق على ترك منازلهم والتوجه إلى مخيمات النزوح أو العراء، أو إلى مناطق أخرى في ظروف قاهرة تمنعهم من ممارسة هواياتهم أو استمرار تعليمهم أو العيش في ظل ظروف صحية وبيئة ملائمة.
وأشارت منظمة الأمم المتحدة اليونسيف إلى أن الأميّة في العراق بلغت أكثر من 20 %، بعد أن تم القضاء عليها نهائيا قبل الاحتلال.
وأضافت اليونيسيف في تقديرات لها أن عدد الأطفال العاملين بلغ 575 ألفا، أي ضعفي ما كان عليه سنة1990. وقالت: إن أطفالا تركوا مدارسهم، وأصبح العمل مصدرا يوفر لهم اليسير من مقومات العيش؛ حيث يعمل أطفال عراقيون في أماكن مختلفة مثل ورش السيارات والحدادة وغيرها.
وأكد تقرير للمنظمة ذاتها عن التعليم في العراق أواخر 2015م، أن 50% من طلبة المدارس الابتدائية لا يرتادون مدارسهم، و40% منهم فقط يحصلون على مياه صالحة للشرب.
وفيما يخص الأطفال الذين نزحوا إلى محافظات الشمال فقد واجهوا صعوبات شتى منذ خروجهم من محافظاتهم حيث اختلاف اللغة، و سكن النازحين في المدارس لعدم تمكنهم من سداد ايجارات البيوت أو الغرف، وانخراطهم في عمل بأوقات التدريس وزيادة أعداد الطلاب في الصف الواحد إلى حدود غير مسموح بها دوليا، واضطرار كثير من المدرسين وإدارة المدارس لإعطاء بعض الحصص لأكثر من صف في الوقت ذاته، وتقليل عدد الحصص في اليوم، فضلا عن استمرار دوام المدرسة من الصباح الباكر إلى غروب الشمس، وهذا ما يؤثر سلبا على عملية التعليم والتعلم في العراق.
أما في جنوب العراق فلم يكن التعليم أقل بؤسا ولا أقل تدنيا عمّا تشهده محافظات الوسط والشمال فسوء توزيع المدارس وقلة الامكانيات ورداءة إنشاء الهيئات التعليمية زادت من قلة التعليم، فيما نُشر على مواقع التواصل الاجتماعي، نكتشف أن المدارس في الجنوب قد تكون من غرفة أو غرفتين مبنية من الطين وسعف النخيل والبردي، وقد كلّفت الدولة كما تدعي الجهات التي قامت بإنشائها الملايين من الدنانير، وتغيير المناهج من محافظة إلى أخرى كل هذا زاد من معاناة الأطفال في مجال التعليم.
القتل والإصابة في صفوف الأطفال
خلصت دراسة حديثة إلى أن جريحا من بين كل ستة أطفال جرحى في العراق أصيب بسبب الحرب، يقابلهم واحد من بين كل 50 طفلاً مصاباً في العالم. وهذا مؤشر خطير على حياة الأطفال.
وأضافت الدراسة أن الأطفال العراقيين المصابين بسبب العنف، بما في ذلك الطلقات النارية والشظايا والمتفجرات، أكثر عرضة بعشر مرات للوفاة أو الإعاقة مقارنة بالمصابين لأسباب أخرى، مما يؤكد حجم التفجيرات وقوتها.
وكتب باحثون في دورية (سيرجري) أن أبحاثاً قليلة للغاية تناولت الإصابات بين الأطفال في مناطق الصراع، بما في ذلك بعد غزو العراق عام 2003.
وأجرى فريق الدراسة مسحاً ميدانياً في بغداد عام 2014، وتناول الإصابات بين الأطفال تحت سن 18 عاماً، وماهو مقدار الرعاية الصحية التي حصلوا عليها بين عامي 2003 و2014، فخلصوا إلى نتيجة أن ما بين 900 أسرة يصل عدد أفرادها إلى 5148 شخصاً، أن 152 طفلاً منهم مصاباً، أي 28% من كل الإصابات.
ومن بين الأطفال المصابين، وصلت نسبة المصابين بسبب الحرب بشكل مباشر إلى 15%، بما في ذلك الإصابات بسبب الطلقات النارية والشظايا والمتفجرات. وأشار الباحثون إلى أن النسبة العالمية للإصابات بسبب العنف بين الأطفال لا تزيد على 2%.
وأشارت تقارير صدرت عن منظمة اليونسيف في العراق عام 2006 إلى أن أكثر من نصف مليون طفل عراقي سيكونون بحاجة إلى علاج نفسي من الصدمة النفسية، التي تعرضوا لها خلال الحرب، فالأعداد في تزايد ما بعد هذا العام خاصة أن النزاعات أصبحت أكثر دموية ولا تفرق بين طفل أو رجل.
وفي سنة 2015 يقدر أن 2,7 مليون طفل تأثَّروا بالصِّراع؛ حيث تعرض أكثر من 700 طفل للإصابة والقتل وحتى الإعدام، وحذَّرَت منظمة الأمم المتحدة لرعاية الطفولة (يونيسيف) في وقتها من خطورة الأوضاع التي يَعيشها أطفال العراق؛ حيث يُعانون الحرمان من أبسط الحقوق التي يتمتَّع بها أقرانهم في الدول الأخرى، وذكرت المنظمة في تقرير لها أن أكثر من 360 ألف طفل يعانون من أمراض نفسية.
وفي مسلسل مستمر من جرائم الميليشيات في العراق ضد الأطفال ظهرَت فيها بشاعتهم الإنسانية حيث أكد تحقيق صحفي سويدي، قامت به الصحفيَّة السويدية (تيريس كرستينسون) وزميلها (توربيورن انديرسون) اللَّذان تخفَّيا ورَصَدا وجود سوق في وسط بغدادَ لبيع الأطفال الرضَّع والصبيان، وعرَضا فيه بالصوت والصورة مَشاهد غاية في الفزع لأطفال عراقيين يُعرضون للبيع بمبالغَ لا تزيد عن 500 دولار.
الأطفال في مخيمات النزوح
أراضٍ صحراوية، حارة صيفا وباردة شتاء، وسماء صافية تارة أو ملبدة بالغيوم تارة أخرى تتلألأ نجومها في عيون ساكنيها، هي مأوى لكثير من الأطفال في مخيمات النزوح تجمعهم خيمة أو عدة خيم في غياب جدران تحميهم حر الصيف وبرد الشتاء وتقلب المناخ، يضاف إلى معاناتهم عدم الرعاية الحكومية وقلتها من قبل المنظمات المحلية والدولية، حيث تتم مشاهدة هؤلاء الأطفال في أغلب الأحيان وهم يرتعشون بردا ويتعرقون حرا وبعضهم يموت جوعا وصعقا ومرضا، يموتون في أرض غير أرضهم التي ولدوا فيها أمام أنظار عيون آبائهم الذين لا يملكون حولا ولا قوة في إسعافهم وإنقاذهم سوى ذرف دموع الحزن والأسى عليهم.
إن أكثر من 1500 طفلاً نازحاً فارقوا هذه الدنيا بسبب ارتفاع درجات الحرارة، وإصابتهم بمرض الكوليرا، ونقص الغذاء والدواء بحسب ما أعلنته منظمات حقوقية عدة في نهاية عام 2014.
وإلى جانب ذلك كان تفشي الأمراض الجلدية والباطنية يشير إلى معدلات تثير مخاوف حقيقية حيال مصير الأطفال في مخيمات النزوح، ففي كركوك أكثر من 40 حالة مرض للطفح الجلدي وحبة بغداد وأمراض جلدية أخرى، وفي مخيمات النزوح في عامرية الفلوجة في الأنبار تم تسجيل أكثر من 100 حالة، حيث تحدث إلينا أطباء بأن انتشار مثل هذه الأمراض جاء نتيجة سوء الأحوال المعيشية وتراكم الأوساخ في البيئة التي يسكن فيها النازحون، وسوء التغذية وتردي البنية التحتية مما ساعد على ظهور هذه الأمراض.
ورجّح فريق طبي بأن هذه الإصابات نتيجة (نوعية المياه المستخدمة في الشرب، إذ يستخدم أغلب النازحين مياه آبار غير صالحة للشرب كونها تحوي على مواد تسبب إصابات معوية مع ارتفاع نسبة الملوحة فيها).
إنها بحق مأساة إنسانية، يعيشها الأطفال النازحون فهناك نقص في الحليب والأغذية الخاصة بالأطفال وكثير منهم يعيشون في مخيمات لا تتوفر فيها أبسط مقومات الحياة وآخرون ما زالوا بلا مأوى، وهذا الأمر يستلزم تدخّل منظمتي اليونسيف والصحة العالمية لإغاثتهم بصورة عاجلة، لاسيما وأن الحكومة في بغداد تقف موقف المتفرّج من هذه المعاناة.
أطفال بلا رعاية أبوية
في أحدث الإحصائيات عن أعداد الأيتام الصادرة عن لجنة العمل والشؤون الإجتماعية النيابية في شهر كانون الثاني 2016، أكدت اللجنة من خلال عضوها (فردوس ياسين) بأن (عدد الأيتام في البلاد قد وصل إلى خمسة ملايين يتيم ويتيمة، أكثر من نصفهم ليسوا مشمولين بقانون الحماية الإجتماعية، حيث يضم قانون الحماية الإجتماعية حاليا مليونا و 81 شخصا فقط، من أصل سبعة ملايين شخص من العاجزين والأرامل والمطلقات واليتامى، بسبب قلة التخصيصات المالية؛ وأن قانون الحماية الإجتماعية لم يُنصف العدد الكبير منهم إضافة إلى عدم شمولهم بالمستحقات المالية وتخصيصات موازنة سنة 2016م لشبكة الحماية والبالغة ترليونا و 350 مليار دينار).
ويبلغ عدد دور الأيتام الحكومية حالياً 22 داراً لكلا الجنسين، بحسب وزارة العمل والشؤون الإجتماعية، منها أربعة دور في بغداد و 18 داراً أخرى في بقية المحافظات.
إن مثل هذه الأعداد الهائلة من الأيتام والمعوقين والمشردين والمحتاجين من الأطفال سيتحولون إلى جيل عاجز عن أداء الخدمات، جيل يدمر طاقات البلد ولا يجد فرصة عيش تمكنه من إتمام حياته بصورة طبيعية.
وهؤلاء بحاجة إلى دعم ورعاية واهتمام ولا يمكن بأي حال من الاحوال تركهم، والقبول بأعذار واهية، يتم التوكؤ عليها من قبل الحكومات المتعاقبة على حكم العراق منذ 2003م، فالدولة مسئولة عن هؤلاء الضحايا وعن رعايتهم وتتحمل القدر الأكبر من المسؤولية عن معاناتهم.
لقد اندثرت في العراق إبان الاحتلال كافة ملامح الحياة المدنية وأصبح البلد مسرحا لأشرس الصراعات السياسية والطائفية راح ضحيتها ملايين المدنيين العزل الذين لا حول لهم ولا قوة، ومن نجا منهم يعيشون في ظروف قاهرة يحملون آهاتهم ومآسيهم وهم بأمس الحاجة إلى المساندة والمساعدة والدعم الإنساني حيث باتوا ما بين مهجّر ونازح ويتيم وأرملة ومعوق وعاجز.
قسم حقوق الإنسان
19/7/2016







