.. وهكذا نكتبُ عن متاعب العراقيين، ولا يستجيب او يحرك ساكنا من له علاقة بمعالجة تلك المتاعب او بالتخفيف من وطأتها.
وبعدما نكتب، وتستمر المعاناة، يطلب الناس منا أن نكتب مجدداً عن المعاناة نفسها مذكرين، عسى ان تنفع الذكرى.
أنُذَكر المسؤولين بضآلة رواتب الموظفين ازاء التصاعد الناري للاسعار ولجميع ضرورات الحياة اليومية من اغذية وادوية واجور علاجية ووقود واجور نقل.. الخ؟!
لقد تندَرَ العراقيون كثيراً على الثلاثة آلآف دينار التي تمثل راتب الموظف في عهد النظام السابق، ولم تكن تكفيه سوى يوم واحد فقط. وعندما انقلبت الامور، وضربَ راتب الموظف بعد انتهاء الحرب عام (2003) ضربته في اشباع العائلة ليس بالغذاء فقط وانما بالحاجات والآثاث التي كان الموظف عاجزاً عن توفيرها سابقاً، لكن العد التنازلي لقيمة الراتب كان اسرع من الفرحة، إذ بقي هذا الراتب المحسود يراوح في مكانه بينما تحركت الاسعار واجور الخدمات بخطوات عجلى للقضاء عليه وقد لا يعود يساوي، يوماً، سوى قيمة (الثلاثة آلآف المشهورة) التي اشبعتها الناس بالتندر.
ترى.. هل يعرف المسؤولون ان البنزين يضرب الآن رقماً قياسياً في الاسعار الخيالية، والنفط اختفى (بفعل فاعل) بينما بطاقات النفط المخصصة للعوائل العراقية تباع الى الباعة الجوالين باسعار زهيدة، كما ان اسطوانة الغاز وصلت باسعارها اللاهبة الى اثنين وعشرين الف دينار؟!
ازاء ذلك، مازالت وزارة النفط تقف موقف المتفرج بارد الاعصاب من معاناتنا الساخنة مع منتجاتها التي بطشت بميزانية العائلة العراقية.
.. وهل يعرف المسؤولون ان اجور النقل صعدت هي الاخرى الى اعلى السلم الناري، وبذلك يشحذ قطاع النقل الخاص سكاكينه، ليقطع (لحمة) من جسد المواطن محدود الدخل، بينما يقف المعنيون بالموضوع كتماثيل شمع لاتسمع.. ولا ترى.. ولا تتكلم؟!
.. وهل يعرف المسؤولون ان ازمة الكهرباء التي دفعت المواطنين الى الاعتماد على المولدات الشخصية والاشتراك بالمولدات الاهلية تستنزف الشيء الكبير من دخولهم، لاسيما اذا علموا بان سعر الامبير في ظل تفاقم ازمة الكهرباء وتصاعد اسعار الوقود، وصل الى خمسة عشر الف دينار في بعض مناطق وبغداد، وسبعة عشر الف دينار في مناطق اخرى.. فماذا تبقى، اذن، من راتب الموظف؟!
وماذا عن المواطن المسحوق ؟
اضع هذه الاسئلة على طاولة اعمال وزارة المالية، ايضاً، مذكرين اياها بأنّ الراتب لم يزد منذ تسلقه سلم الرواتب المتهرئ الذي يقف في اسفله من لا يتجاوز راتبه المائة الف دينار، بينما (ينتعش) من يقف في اعلاه بالملايين التي تضمن له مجاراة التصاعد السعري الناري الذي لا يجد من يضع حدودا له..
وعندما نتحدث عن كل هذا، فاننا لابد ان نختتم الحديث بسؤال لا يفارق الذهن:
ماذا قدم (المنتخَبون) لنا؟
وبطرح هذا السؤال، سرعان ما يطرأ سؤال آخر:
- وماذا عساهم يقدمون لنا، لانقاذ (رواتبنا) التي تبدو كالنعاج امام الوحش السعري النامي بسرعة فائقة، مانعا الهواء عن تلك الرواتب التي لا تتنفس هواءً نقياً في هذا الجو الخانق، الذي لا يرحم العبد الفقير؟
كاتبة وصحفية عراقية
الدار العراقية
وذكّر.. وإن لم تنفع الذكرى! .... اسماء محمد مصطفى
