لعل ابرز حقائق الحرب على لبنان وأكثرها خطورة ان الولايات المتحدة الأمريكية تقف وراءها، وأن “إسرائيل” تشنها بالوكالة عنها وإن كانت لها مصلحة وازنة فيها.
أمريكا خططت لهذه الحرب في سياق مخططها الرامي إلى إقامة “الشرق الأوسط الكبير” الذي أطلقت عليه أخيراً وزيرة خارجيتها كوندوليزا رايس مصطلح “الشرق الأوسط الجديد”.
أمريكا حرّضت “إسرائيل” على شن هذه الحرب، واختارت لها التوقيت المناسب، وأعطتها ضوءاً اخضر واستعجلت إشعالها، وحالت دون صدور قرار في مجلس الأمن لوقف النار، وحثّت “إسرائيل” على تكثيف هجماتها، البرية والجوية والبحرية، لتحقيق نتائج سريعة وملموسة في مدة وجيزة، وأجازت لها ضرب البنية التحتية للبنان للضغط على حكومته وشعبه، وغطّت مجازر “إسرائيل” الوحشية ضد المدنيين من أطفال ونساء وشيوخ.
أكثر من ذلك: أمريكا، بلسان رئيسها جورج بوش، برّرت الحرب بأنها فصل من فصول الحرب الشاملة على الإرهاب. بل بالغ بوش في تبرير الحرب بوصفها جزءاً من الحرب ضد “الإسلام الراديكالي”. لهذا السبب اعتبر الرئيس الأمريكي “إسرائيل”، في حومة هذه الحرب، انها تمارس “حق الدفاع عن النفس”، ولم يجامل لبنان والعرب، شأن بعض المسؤولين الأوروبيين القائلين إن “إسرائيل” أفرطت في استعمال القوة ضد لبنان، وان الضرر الذي أصابه بسبب هذا الإفراط غير متناسب مع “الخطأ” الذي “ارتكبته” المقاومة اللبنانية باحتجاز جنديين “إسرائيليين” في 12/07/2006. بالعكس، بوش ساند “إسرائيل” علانيةً في سياسة الإفراط هذه بمنحها مجموعة من القنابل الذكية الموجهة بالليزر التي تزن الواحدة منها طنين من المتفجرات غير الذكية.
أخيرا وليس آخراً، أمريكا تقف وراء مشروع القرار الذي صاغته فرنسا ليصار الى إقراره في مجلس الأمن، وهو مترع بمكافآت متعددة ل “إسرائيل” ليس أقلها تحميل لبنان والمقاومة مسؤولية التسبب باندلاع الحرب وبالخسائر البشرية والمادية التي نجمت عنها، وبالدعوة الى وقف العمليات العدائية (وليس وقف النار) من دون إلزام “إسرائيل” بالانسحاب من الرقعة الحدودية الضيقة التي توجد فيها قواتها، وبالعمل على إنشاء قوة دولية ضاربة بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة بغية تجريد حزب الله من السلاح، وبتجاهل مطلب لبنان الداعي لإزاحة “إسرائيل” من منطقة شبعا اللبنانية ووضعها تحت وصاية الأمم المتحدة إلى حين الفراغ من عملية ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا.
باختصار، الولايات المتحدة هي من خطط للحرب وأوعز ل “إسرائيل” بإشعالها وتوسيع رقعتها، وإلحاق اكبر أضرار ممكنة بلبنان، بشراً وشجراً وحجراً، والحؤول دون وقفها والحرص على مكافأة “إسرائيل” في سياقها، ومحاولة منحها نصراً عسكرياً وسياسياً أمام جمهورها لم تتمكن قط من إحرازه في الميدان رغم مرور نحو شهرٍ على إشعالها.
أمريكا، إذاً، هي العدو الرئيسي، فهل أدرك العرب هذه الحقيقة أم انهم ما زالوا يخدعون أنفسهم بأن “إسرائيل” هي العدو الرئيسي وان أمريكا إنما تمارس في المنطقة سياسةً أملتها عليها “إسرائيل”؟
إن الجواب عن هذا السؤال المفتاحي أمر بالغ الدلالة والأهمية لسببين: الأول، ضرورة ان يعرف العرب من هو العدو الرئيسي والحقيقي والفاعل، والثاني، ضرورة ان يكون العدو الحقيقي هو محور الجهد العربي المضاد في الصراع، فلا يبقى بمأمن من عدائهم المشروع، ولا يستمر في استثمار مواردهم الطبيعية، وفي طليعتها النفط، وفي التنعّم بخيراتهم بدعوى انه صديق وحليف.
الحرب تنطلق علينا من أمريكا بواسطة “إسرائيل”، فلا أقل من ان ندرك مصدر الشر ونردّ عليه، أصلاً وفصلاً.
لا سبيل بعد اليوم إلى ان نغشّ أنفسنا بالقول إن أمريكا صديق وحليف، وان مصلحتنا هي في التعامل معها من اجل تخفيف دعمها ل “إسرائيل”، أو حتى يا للسخافة! لتحمي بعضنا من “إسرائيل”. أمريكا عدو، لا يخفي صفته ودوره في الضغط علينا، بكل الوسائل المتاحة، من أجل استتباعنا، أو تحييد بعضنا في صراعه مع بعضنا الآخر، أو محاربتنا سياسيا وعسكريا بالوكالة عبر “إسرائيل” كما يحدث في لبنان، أو بالنيابة بواسطة فئات حاكمة ترتضي ان تلعب هذا الدور، أو بالأصالة مباشرةً كما يحدث في العراق.
أمريكا لا تخفي حربها علينا بالأشكال الثلاثة المار ذكرها. بل هي تعلن بلسان رئيسها في خطبة “حال الاتحاد” أواخر شهر يناير/ كانون الثاني الماضي، وفي منتجعه الصيفي في ولاية تكساس مطلع الشهر الجاري، انها تخوض الحرب ضد “الإسلام الراديكالي”، أي ضد المسلمين المعادين لأمريكا، وهل بقي مسلم واحد في عالمنا العربي والإسلامي لا يكره أمريكا أو لا يرغب في محاربتها؟
أمريكا في حرب على الإسلام والمسلمين في كل مكان، فلا سبيل إلى إنكار هذه الحقيقة الساطعة، أو تجاهلها، أو الدوران حولها.
عندما يعلن جورج بوش انه “رئيس حرب” وانه في حرب على الإسلام كما يراه ويفهمه، أي على الإسلام والمسلمين المعادين لأمريكا، فلا يبقى في وسع أحد إلا أن يختار واحداً من موقفين: الاستسلام لها أو النهوض إلى مقاومتها.
للاستسلام أشكال متعددة لا جدوى من تعدادها إذ تعبّر عن نفسها بمختلف أوجه حياتنا السياسية المعاصرة. أما مقاومتها فلها أوجه عدّة أبرزها ثلاثة: رفض سياستها وعدم المشاركة في مناهج تنفيذها، ومقاطعتها سياسيا واقتصاديا، والانخراط الى محاربتها ميدانيا وعسكريا بكل الوسائل المتاحة.
الحرب على أمريكا في أوجهها الثلاثة المار ذكرها ليست أمراً فوق العقل. انه أمر معقول وممكن ومجرّب ومثمر وله سوابق ناجحة. الكوريون والفيتناميون والكوبيون والصوماليون واللبنانيون نعم، اللبنانيون في الحرب الصهيونية عليه العام 1982 حاربوا الأمريكيين وتغلبوا عليهم أو اكرهوهم على مغادرة بلادهم. والأفغان والعراقيون يحاربونهم الآن وسوف يكرهونهم على مغادرة بلادهم عاجلاً أو آجلاً.
يجب اغتنام الفرصة التي أتاحها لنا كل من “إسرائيل” مباشرةً، وأمريكا مداورةً، بشنهما الحرب على لبنان. فلنهبّ إلى الدفاع عن أنفسنا
وسط هذا الجو العدائي الكاسح ضد أمريكا و”إسرائيل” في القارة العربية والعالم الإسلامي، ولنحاربهما كلٌ بقدر ما يستطيع ويطيق، أقلّه برفض المشاركة في تنفيذ أغراض سياساتهما المعادية لحقوقنا ومصالحنا، بل لمجرد وجودنا الإنساني.
إن عدم اعتماد هذا الخيار بأيٍّ من أوجهه الثلاثة يضع عمليا معظم الأنظمة العربية في صدام مع شعوبها، بل ربما يؤدي، في بعض الأقطار كلبنان مثلا، الى حرب أهلية، خصوصا إذا ما تجرأت الحكومة اللبنانية على تنفيذ قرار لمجلس الأمن لا توافق عليه المقاومة ولا الأكثرية الساحقة من الشعب اللبناني التي باتت في موقع العداء الصريح والمتفجر ضد أمريكا وصنيعتها “إسرائيل”.
( اعقلوا وتوكلوا يا أولي الألباب)
الدار العراقية
الحرب من أمريكا وعليها .... د. عصام نعمان
