الهيئة نت | متابعات
تناول التقرير الصادر عن لجنة التحقيق ـ بشأن حرب العراق ـ برئاسة السير (جون تشيلكوت)؛ خلفية قرار مشاركة بريطانيا في الحرب، ومدى استعداد قوّاتها على نحو مناسب لذلك، وكيف دار الصراع، وماهية الخطط في أعقاب الحرب، لاسيما وأنها مدة تفاقم خلالها العنف الطائفي في البلاد.
وحدد (تشيلكوت) ما خلص إليه تقريره من نتائج بشأن ضلوع بريطانيا في حرب العراق عام 2003 وكذلك الدروس المستفادة منها، إذ غطّى التقرير مدة عقد من الزمن تقريبًا لقرارات الحكومة البريطانية السياسية بين عامي 2001 و 2009، وقد احتوت نقاط التقرير الرئيسة على جملة أمور منها؛ أن بريطانيا اختارت المشاركة في غزو العراق قبل استنفاد كل الخيارات السلمية، ولم يكن العمل العسكري في ذلك الوقت ملاذًا أخيرًا.
ويقول التقرير في هذا السياق؛ إنه ربما كان العمل العسكري ضروريًا في وقت لاحق، لكنه في شهر آذار/مارس 2003؛ لم يكن هناك أي تهديد وشيك من نظام (صدام حسين)، وكان من الممكن تهيئة استراتيجية احتواء والاستمرار بها لبعض الوقت، مؤكدًا أن الغالبية في مجلس الأمن كانت تدعم استمرار الأمم المتحدة في أعمال التفتيش والمراقبة.
وعن حيثيات الحرب آنذاك يؤكد التقرير أن الأحكام المتعلقة بوجود تهديدات ـ والتي تمثلها أسلحة الدمار الشامل العراقية ـ قُدّمت بدرجة يشوبها تأكيد غير مبرر، لافتًا إلى أن المعلومات الاستخباراتية لم تقدم بما يقطع الشك باليقين أن النظام العراقي استمر في إنتاج أسلحة كيمائية وبيولوجية، وأن السياسة بشأن العراق اعتمدت على أساس معلومات استخباراتية مغلوطة وغير دقيقة، وهو ما جعل الملابسات التي اتخذ فيها قرار بشرعية العمليات العسكرية البريطانية؛ غير مرضية.
ويكشف تقرير لجنة التحقيق عن حقائق حصلت قبل بداية الغزو في الـ20 من شهر آذار/مارس 2003 ، مبينًا أنه حتى الـ 13 من الشهر نفسه ـ أي قبل الحرب بأسبوع ـ لم يكن المحامي العام في ذلك الوقت (لورد غولد سميث) قد نصح بوجود أساس شرعي أمني للعمليات العسكرية، وباستثناء الرد على خطابه العاشر المؤرخ في 14 آذار/مارس؛ لا يوجد أي تسجيل رسمي لهذا القرار، مؤكدًا أن الخلفية الدقيقة لاتخاذ قرار المشاركة في الحرب ما زالت غير واضحة.
ويمضي التقرير إلى القول؛ بأن الخطوات البريطانية قوّضت سلطة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الذي يحدد ميثاقها مسؤولية الحفاظ على السلام والأمن ضمن أعمال مجلس الأمن، ورغم أن الحكومة البريطانية تدعي بأنها تتحرك نيابة عن المجتمع الدولي لتعزيز سلطة مجلس الأمن؛ إلا أنها كانت تعلم أنه لا يوجد دعم كبير لخطواتها، فضلاً عن أنه لم يثبت استجواب اللورد (غولد سميث) بشأن نصيحته في مجلس الوزراء، إلى جانب عدم وجود أي تسجيل بشأن مناقشات مهمة تتعلق بقضايا الشرعية.
وعن جاهزية القوّات البريطانية لخوض الحرب كشف التقرير أن الوقت كان قصيرًا لتجهيز ثلاثة ألوية عسكرية على نحو مناسب لنشرها في العراق، كما أن حجم المخاطر لم يحدد بشكل مناسب ولم يكشف عنها للوزراء، ما أسفر عن نقص المعدات، مضيفًا أنه في المدة بين 2003 و 2009، واجهت القوات البريطانية في العراق ثغرات في بعض مجالات القدرة الرئيسية، من بينها المركبات المدرعة والاستطلاع والمعلومات الاستخباراتية ودعم الطائرات المروحية، وكذلك لم يكن واضحًا بما يكفي من هو المسؤول في أي إدارة داخل نطاق وزارة الدفاع، عن تحديد تلك الثغرات وتوضيحها، وترى لجنة التحقيق أنه كان ينبغي عدم التسامح بشأن التأخير في توفير مركبات الدوريات والتقاعس عن تلبية احتياجات القوات البريطانية فيما يتعلق بمعدات الاستطلاع والاستخبارات والمروحيات.
وقد وثق تقرير لجنة (تشيلكوت) إبداء رئيس الوزراء البريطاني في ذلك الوقت (توني بلير) استعداده للوقوف مع (جورج دبليو بوش) الرئيس الأمريكي آنذاك لأن يكون معه "مهما كان"، وذلك في خطاب ألقاه في الـ 28 من شهر تموز/يوليو 2002؛ أي قبل نحو ثمانية أشهر من وقوع الحرب؛ لكنه أشار في الخطاب إلى أن التحالف الأمريكي للعمليات العسكرية يحتاج إلى: تقدم في عملية السلام في الشرق الأوسط، وسلطة الأمم المتحدة، وتغيير الرأي العام في بريطانيا وأوروبا وبين زعماء الدول العربية، حسبما جاء في التقرير الذي يرى أن الحكومة البريطانية استهانت بعواقب الغزو على الرغم من التحذيرات الصريحة، كما أن الخطط والاستعدادات لـ"عراق ما بعد صدام حسين" كانت غير كافية تمامًا.
ونتيجة لذلك؛ فشلت الحكومة البريطانية في تحقيق الأهداف التي كانت وضعتها لنفسها في العراق؛ إذ قتل في الصراع أكثر من (200) بريطاني، وتكبد الشعب العراقي خسائر فادحة، حتى أن عدد العراقيين الذي قتلوا بسبب الصراع قد وصل إلى (150) ألفًا على الأقل، وربما يزيد العدد على ذلك، فضلاً عن نزوح ما يزيد على مليون شخص، وذلك بحلول شهر تموز/يوليو سنة 2009؛ وفقًا لوثائق التقرير وبياناته.
وإزاء ذلك؛ يحدد التقرير دروسًا يُستفاد منها؛ إذ خلص إلى أن بلير بالغ في تقدير حجم قدرته للتأثير على القرارات الأمريكية في العراق، كما أن علاقة بريطانيا مع الولايات المتحدة لا تتطلب دعمًا غير مشروط، وقال في هذا السياق؛ إنه من المهم إجراء مناقشات على مستوى الوزراء تشجع على النقاش الصريح والواعي وبطريقة تتسم بالتحدي، بغية ضمان تهيئة الأسلحة المدنية والعسكرية للحكومة على نحو مناسب، مشددًا على وجوب أن يكون في المستقبل حساب جميع أوجه التدخل ومناقشتها بصرامة. كما لابد من تطبيق القرارات تطبيقا تامًا.
وعلى صعيد ذي صلة؛ تحدث توني بلير لأكثر من ساعة على خلفية إعلان التقرير، وبدا يحاول الدفاع عن قراراته لكنه اضطر إلى الاعتراف بجملة من الحقائق من بينها أن المعلومات الاستخبارية كانت خاطئة، معبرًا عن أسفه لذلك ودعا إلى أن يتوقف الجميع عن القول بأنه كان يكذب في ذلك الوقت، معتبرًا أنه اتخذ قرارًا صائبًا على حد تعبيره.
واعترف بلير أيضًا بأن التخطيط لحرب العراق كان ينبغي أن يكون مختلفًا، وأضاف بأنه يتحمل كامل المسؤولية" عن قرارته التي قادت بريطانيا للدخول في الحرب على العراق في 2003؛ قائلاً: "أعبر عن الأسى والأسف والاعتذار أكثر مما تتخيلون".، وعاد مجددًا إلى القول بأنه لم يجر تضليل الحكومة والبرلمان، ولم تكن هناك التزامات سرية بالحرب، مدعيًا أن المعلومات الاستخبارية لم تزور وأن قرار الحرب اتخذ بصدق وإخلاص، على حد وصفه.
ويرى بلير أن التاريخ سينظر نظرة مختلفة الى حرب العراق، مدعيًا أن الأخير والشرق الأوسط عامة سيستقران، لكن زعيم حزب الديمقراطيين الليبراليين السابق السير (مينزيس كامبل) أكد في تعليقه على تصريحات بلير؛ أن تقرير لجنة (تشيلكوت) يظهر أن قدرة بلير على اتخاذ القرار كانت ضعيفة، وأشار إلى أنه كان هناك خطأ في الحكم وقاد الى فراغ في العراق ملأته حرب أهلية، حيث قتل (179) جنديًا بريطانيًا.
وأثارت تصريحات بلير وخطابه الترقيعي في أعقب إعلان اللجنة تقريرها؛ موجة من ردود الأفعال في أوساط الصحفيين والكتاب البريطانيين، فقد قال الكاتب البريطاني (ماثيو سوييت)؛ "إن خطاب بلير تبريري. يلقيه وكأنه في جنازة"، فيما أوضح الصحفي ( ساني هاندال) قائلاً: إن "ملخص كلمة بلير: لم أفعل أي شيء خطأ، وأنتم لا تفهمون ما فعلته لكي أنقذكم"، وقد عقّب زعيم حزب العمال (جيرمي كوربين) في تعليقه على تقرير تشيلكوت بالقول:"نحن نعلم أن البرلمان تعرض للتضليل في مرحلة ما قبل الحرب، وعليه أن يقرر كيف يريد أن يتعامل مع هذا الأمر بعد مضي 13 عامًا" مضيفًا: "على الذين كشفهم تقرير تشيلكوت أن يواجهوا نتائج أعمالهم، أيا كانت".
وفي معرض الرد على بلير وخطابه غير المنضبط؛ قال (هانز بليكس) من فريق مفتشي الأمم المتحدة على أسلحة الدمار الشامل في العراق: "قلنا لبلير لم نجد ثمة أسلحة دمار شامل"، وأضاف: "أجرينا حوالي (700) عملية تفتيش في (500) موقع قبل اندلاع الحرب، ولم نجد اثرًا لأسلحة الدمار الشامل، وأخبرنا بلير ومجلس الأمن الدولي بذلك"، وأكد أنه تحدث إلى بلير عبر الهاتف في يوم 20 شباط/فبراير سنة 2003 وجرى إخباره بأن فريق التفتيش غير مقتنعين بالتقارير الاستخبارية التي تقول بوجود أسلحة دمار شامل في العراق، لكن بلير أجاب بأنه مقتنع بالتقارير الاستخبارية التي تلقاها، والتي ثبت لاحقًا خطؤها.
وكانت لجنة تحقيق تشيلكوت التي تم تشكيلها في سنة 2009 بتكليف من حكومة (غوردن براون) قد أكدت في وقت سابق من يوم الأربعاء؛ أن قرار غزو واحتلال العراق في 2003 لم يكن صائبًا، وأثار ‘لان التقرير رودو فعل واسعة بريطانيا فقد شهدت لندن مظاهرات واسعة طالب بتقديم بلير للمحاكمة، وسط إصرار من قبل المتظاهرين على مواصلة الضغط على الدوائر السياسية لمحاكمة الأشخاص المسؤولين عن الدمار الذي لحق بالعراق والخسائر التي تكبدتها بريطانيا.
الهيئة نت
ج
