لقد كان شهر رمضان ميدانا يتنافس فيه المتنافسون ، ويتسابق فيه المتسابقون ، ويحسن فيه المحسنون ، تروضت فيه النفوس على الفضيلة ، وتربت فيه على الكرامة ، وترفعت عن الرذيلة ، وتعالت عن الخطيئة ، واكتسبت فيه كل هدى ورشاد ، ومسكين ذاك الذي أدرك هذا الشهر ولم يظفر من مغانمه بشيء ، ما حجبه إلا الإهمال والكسل ، والتسويف وطول ا لأمل .
الوقفة الأولى : ماذا بعد رمضان ؟ لقد كان شهر رمضان ميدانا يتنافس فيه المتنافسون ، ويتسابق فيه المتسابقون ، ويحسن فيه المحسنون ، تروضت فيه النفوس على الفضيلة ، وتربت فيه على الكرامة ، وترفعت عن الرذيلة ، وتعالت عن الخطيئة ، واكتسبت فيه كل هدى ورشاد ، ومسكين ذاك الذي أدرك هذا الشهر ولم يظفر من مغانمه بشيء ، ما حجبه إلا الإهمال والكسل ، والتسويف وطول ا لأمل . ترحل شهر الصبر والهفاه وانصرما *** واختص بالفوز في الجنات من خدما وإن الأدهى من ذلك والأمر أن يوفق بعض العباد لعمل الطاعات ، والتزود من الخيرات حتى إذا انتهى الموسم نقضوا ما أبرموا ، وعلى أعقابهم نكصوا ، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، وذلك والله خطأ فادح بكل المقاييس ، وجناية مخزية بكل المعايير لا ينفع معها ندم ولا اعتذار عند الوقوف بين يدي الواحد القهار . ليعلم أولئك أن استدامة العبد على النهج المستقيم ، والمداومة على الطاعة من أعظم البراهين على القبول قال تعالى : (( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين )) الحجر : 99 فيجب أن تستمر النفوس على نهج الهدى والرشاد كما كانت في رمضان ، فنهج الهدى لا يتحدد بزمان ، وعبادة الرب وطاعته يجب أن لا تكون قاصرة على رمضان . قال الحسن البصري - رحمه الله - : (إن الله لم يجعل لعمل المؤمن أجلا دون الموت ، ثم قرأ : (( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين )) الحجر : 99 . فإن انقضى رمضان فبين أيديكم مواسم تتكرر فالصلوات الخمس من أجل الأعمال ، وأول ما يحاسب عليها العبد ، يقف فيها العبد بين يدي ربه مخبتا متضرعا . . وكأني بك قد تاقت نفسك لتعرف سبيل النجاة في كيفية المداومة على العمل الصالح ؟ فأقول لك بلسان المشفق الناصح الأمين . ثانيا : القصد القصد في الأعمال ، ولا تحمل نفسك مالا تطيق ولذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم : "خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا" رواه البخاري ومسلم . ثالثا : عليك أن تتذكر أنه لا يحسن بمن داوم على عمل صالح أن يتركه . . فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل " رواه البخاري ومسلم . رابعا : استحضر يا رعاك الله ما كان عليه أسلافنا الأوائل : فهذا حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم تخبرنا أم المؤمنين عائشة- رضي الله عنها -أنه كان إذا نام من الليل أو مرض صلى في النهار اثنتي عشرة ركعة . رواه مسلم ، وترك صلى الله عليه وسلم اعتكاف ذات مرة فقضاه صلى الله عليه وسلم في شوال ، وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال عند صلاة الفجر : " يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة" قال : (ما عملت عملا أرجى عندي أني لم أتطهر طهورا في ساعة من ليل ولا نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي ) وأعجب من ذلك ما فعله علي بن أبي طالب -رضي الله عنه - بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم له حينما دخل عليه ذات يوم فوجده نائم مع فاطمة ، يقول علي : "فوضع رجله بيني وبين فاطمة-رضي الله عنها - فعلمنا ما نقول إذا أخذنا مضاجعنا ، فقال : "يا فاطمة إذا كنتما بمنزلتكما فسبحا الله ثلاثا وثلاثين ، واحمدا ثلاثا وثلاثين ، وكبرا أربعا وثلاثين " قال علي : والله ما تركتها بعد! ! ، فقال له رجل : كان في نفسه عليه شيء ، ولا ليلة صفين ؟ قال علي : ولا ليلة صفين " أخرجه الحاكم وصححه . الوقفة الثانية : أحكام العيد العيد هو موسم الفرح والسرور ، وأفراح المؤمنين وسرورهم في الدنيا إنما هو بمولاهم ، إذا فازوا بإكمال طاعته وحازوا ثواب أعمالهم بوثوقهم بوعده لهم عليها بفضله ومغفرته كما قال تعالى : (( قل بفضل الله ورحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون )) يونس : 58 قال بعض العارفين : ما فرح أحد بغير الله إلا لغفلته عن الله ، فالغافل يفرح بلهوه وهواه ، والعاقل يفرح بمولاه . أخي المسلم : هذه وقفات موجزة مختصرة عن أحكام العيد وآدابه : أولا: أحمد الله تعالى أن أتم عليك النعمة بصيام هذا الشهر وقيامه ، وأكثر من الدعاء بأن يتقبل الله منك الصيام والقيام ، وأن يغفر لك زللك وإجرامك ، روي عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه -أنه كان ينادي في آخر ليلة من شهر رمضان ، يا ليت شعري من هذا المقبول فنهنيه ، ومن هذا المحروم فنعزيه ، وعن ابن مسعود أنه كان يقول : من هذا المقبول فنهنيه ، ومن هذا المحروم منا فنعزيه ، أيها المقبول هنيئا لك ، أيها المردود جبر الله مصيبتك . ثانيا: الفرح بالعيد: روت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها : (دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنيان بغناء فاضطجع على الفراش وحول وجهه ، ودخل أبو بكر فانتهرني ، وقال : مزمارة الشيطان عند النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فاقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : "دعهما" فلما غفل غمزتهما فخرجتا) رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية لمسلم : " تغنيان بدف " وقد استنبط بعض أهل العلم من هذا الحديث مشروعية التوسعة على العيال في أيام العيد بأنواع ما يحصل لهم من بسط النفس ، وترويح البدن من كلف العبادة ، وأن الإعراض عن ذلك أولى ، ومنه أن إظهار السرور في ا لأعياد من شعائر الدين . ثالثا: التكبير: يشرع التكبير من غروب الشمس ليلة العيد إلى صلاة العيد ، قال تعالى : (( ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون )) البقرة :185 ويستحب للرجال رفع الصوت بالتكبير في ا لأسواق ، والدور ، والطرق ، والمساجد ، وأماكن تجمع الناس ، إظهارا لهذه الشعيرة، وأحياء لها ، واقتداء بسلف هذه الأمة ، وصفة التكبير : (الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله ، الله أكبر ، الله أكبر ولله الحمد) . ويربى النشء على هذا ويعلمون سببه . رابعا: زكاة الفطر : شرع الله تعالى عقب إكمال الصيام زكاة الفطر ، وفرضت طهرة للصائم من اللغو والرفث ، وطعمة للمساكين ، ومقدارها صاع من طعام من غالب قوت البلد كالأرز والبر والتمر عن كل مسلم ، لحديث ابن عمر قال : (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر أو صاعا من شعير ، على العبد والحر ، والذكر والأنثى ، والصغير والكبير من المسلمين ) رواه مسلم ، ويسن إخراجها عن الجنين لفعل عثمان بن عفان رضي الله عنه ، ولا يجوز تأخيرها عن صلاة العيد ، ولا يجوز إخراجها نقودا على القول الصحيح من أقوال أهل العلم ، لأن ذلك مخالف لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم ، ويجب تحري الفقراء والمساكين لدفعها إليهم . خامسا : الغسل والزينة: يستحب للرجال الاغتسال والتطيب ولبس أحسن الثياب للعيد ، لما روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر-رضي الله عنهما-قال : أخذ عمر جبة من إستبرق تباع في السوق ، فأخذها فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، ابتع هذه تجمل بها للعيد والوفود . . " الحديث ، وكان ابن عمر يلبس في العيد أحسن ثيابه . سادسا: الأكل قبل صلاة العيد: يستحب قبل أن يخرج لصلاة عيد الفطر أن يأكل تمرات وترا ، ثلاثا ، أو خمسا لما ثبت عن أنس -رضي الله عنه - قال : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات " وفي رواية : "ويأكلهن وترا" رواه البخاري . سابعا: التبكير في الخروج لصلاة العيد: يستحب التبكير لصلاة العيد لقول الله تعالى : (( فاستبقوا الخيرات )) المائدة : 48 والعيد من أعظم الخيرات وقد بوب البخاري في صحيحه باب التبكير إلى العيد ثم ذكر حديث البراء - رضي الله عنه - قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر فقال : "إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي .." الحديث قال الحافظ ابن حجر : (هو دال على أنه لا ينبغي الاشتغال في يوم العيد بشيء غير التأهب للصلاة والخروج إليها ، ومن لازمه أن لا يفعل شيء غيرها ، فاقتضى ذلك التبكير إليها) والذي رجحه المحققون من أهل العلم منهم شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - وغيره أن صلاة العيد واجبة ولا تسقط إلا بعذر ، والنساء يشهدن العيد مع المسلمين حتى الحيض ، ويعتزل الحيض المصلى . لحديث أم عطية : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرجهن في الفطر والأضحى : العواتق وذوات الخدور ، فأما الحيض فيعتزلن الصلاة ، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين " رواه البخاري ومسلم . ثامنا: المشى إلى المصلى : عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه - قال. "من السنة أن يأتي العيد ماشيا" رواه الترمذي وحسنه وقال : والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم يستحبون أن يخرج الرجل ماشيا . . ) قال ابن المنذر- رحمه الله - : (المشي إلى العيد أحسن وأقرب إلى التواضع ولا شيء على من ركب ) . تاسعا: التهنئة بالعيد: لا بأس بالتهنئة بالعيد؟ كقول : (تقبل الله منا ومنك ) لما ورد عن جبير بن نفير قال : (كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض : تقبل الله منا ومنك ) . عاشرا: مخالفة الطريق : لما روى جابر بن عبد الله - رضي الله عنه -: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم عيد خالف الطريق " قال ابن القيم -رحمه الله -: (وكان صلى الله عليه وسلم يخرج ماشيا ، وكان صلى الله عليه وسلم يخالف الطريق يوم العيد ، فيذهب من طريق ويرجع من آخر قيل ليسلم على أهل الطريقين ، وقيل لينال بركته الفريقان ، وقيل ليقضي حاجة من له حاجة منهما ، وقيل ليظهر شعائر الإسلام في سائر الفجاج والطرق ، وقيل ليغيظ المنافقين برؤيتهم عزة ا لإسلام وأهله ، وقيام شعائره ، وقيل لتكثر شهادة البقاع فإن الذاهب إلى المسجد والمصلى إحدى خطواته ترفع درجة وتحط خطيئة ، حتى يرجع إلى منزله ، وقيل وهو الأصح إنه لذلك كله ، ولغيره من الحكم التي لا يخلو فعله منها). الحادي عشر: اجتماع العيد والجمعة في يوم واحد : إذا اجتمعا في يوم واحد سقطت الجمعة عمن صلى العيد، لحديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " اجتمع في يومكم هذا عيدان ؟ فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمعون " رواه أبو داود لكن ينبغي للإمام أن يقيم الجمعة ليشهدها من شاء ، ومن لم يشهد العيد، وتجب على الصحيح من أقوال العلماء صلاة الظهر على من تخلف عن الجمعة لحضوره العيد ، والأولى أن يصلي العيد والجمعة طلبا للفضيلة ، وتحصيلا لأجريهما . الثاني عشر: مخالفات في أيام العيد : محمد بن عبد الله الهبدان |
