يؤكد الرئيس الأمريكي جورج بوش يومًا بعد يوم أنه يستخدم الحرب ضد الإرهاب التي يرفع لواءها حاليًا، كذريعة لإخفاء نواياه الحقيقية في إذلال العرب والمسلمين، وكسر شوكتهم وتحويلهم إلى خدم لمشاريع الهيمنة الأمريكية الصهيونية.
فوصفُه للمحاولة المزعومة بتفجير طائرات مدنية بريطانية في طريقها إلى الولايات المتحدة التي جرى الكشفُ عنها بشكل مريب يوم الخميس الماضي بأنها جزء من الحرب مع الفاشيين الإسلاميين يعكس مدى كراهيته وحقده على الديانة الإسلامية وأتباعها من منطلق عنصري ديني أصولي متطرف، وهو وصفٌ لم يستخدمه أيُّ مسؤول غربي منذ الحروب الصليبية وحتى هذه اللحظة.
فالرئيس بوش عندما أعلن أنه يخوض حربًا صليبية ضد الإرهابيين في أفغانستان انتقامًا لضحايا أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) كان يعي ما يقول تمامًا، ولم تكن زلة لسان عابرة مثلما حاول بعضُ مساعديه أن يوحوا لأجهزة الإعلام؛ للحيلولة دون إثارة الشارعَين العربي والإسلامي ضد الولايات المتحدة في بداية حروبها في المنطقة.
الإدارة الأمريكية دمَّرت أفغانستان واستخدمت أنواعًا من القنابل ذات قدرات تدميرية عالية جدًّا، وفعلت الشيء نفسَه في العراق، ولم يقل أي كاتب أو مسؤول عربي أو مسلم إن هذه الحروب تشنُّها الفاشية المسيحية ضدنا.
من المؤسف أنه لا توجد قوانين تدين كلَّ من يثير الكراهية ضد المسلمين، مثلما هو الحال مع اليهود؛ لأنهم باتوا "حيطة واطية" لا يوجد من يدافع عنهم؛ بسبب خنوع أنظمتهم للإرهاب الأمريكي إيثارًا للسلامة، وطمعًا في البقاء في كراسي الحكم.
الرئيس جورج بوش وحليفه توني بلير، وكل أركان إدارتهما الحالية هم الذين يجسِّدون أبشع أنواع الفاشية الحقيقية، وهم مجرمو حرب بزُّوا (سبقوا) الجميع من أمثالهم بالمجازر البشرية التي يرتكبونها حاليًا في العراق، ويساندون ما هو أفظع منها في لبنان.
الفاشي هو الذي يُرسل القنابل الذكية من وزن طن إلى الدولة العبرية لاستخدامها في قتل أطفال لبنان في قانا والشياح وبنت جبيل والضاحية الجنوبية وغيرها.
الفاشية الأمريكية هي التي قتلت مائتي ألف عراقي حتى الآن، وأعطبت أكثر من نصف مليون، وحوَّلت بلدًا مستقرًّا إلى فوضى دموية، ومرتع لحرب أهلية طائفية تزهق أرواح أكثر من ألفي شخص شهريًّا.
العالم أصبح أكثر خطرًا وأقل أمنًا واستقرارًا بفضل هذه الفاشية الأمريكية وحروبها الظالمة وغير الأخلاقية التي تخوضها ضد المسلمين فقط تحت حجج وذرائع كاذبة مفضوحة.
ندين التطرف الإسلامي بكل أشكاله، مثلما ندين بأقوى الكلمات والعبارات كل عمليات قتل المدنيين؛ باعتبارها إرهابًا، ولكننا ندين بكلماتٍ وعباراتٍ أكثر قوةً إرهابَ الدولة الذي تمارسه الحكومة الأمريكية زعيمة العالم الحر، والحكومة الصهيونية التي تدَّعي أنها الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، ونرى وجهها البشع الدموي في صور الأطفال الرضع الذين تُنتَشل جثثُهم الطاهرةُ البريئة من تحت ركام البيوت المدمرة في لبنان والعراق وفلسطين.
إن حديث الرئيس بوش عن الفاشية الإسلامية ومساندته للعدوان الصهيوني لتدمير لبنان أقدم دولة ديمقراطية، وأحد أبرز المراكز الحضارية في المنطقة، وممارسات قواته الدموية في العراق، وانتهاكات جنوده لحقوق الإنسان واغتصاب المحصنات العراقيات، كلها تصب في خدمة التطرف، وتعزيز منظماته، وتوسيع دائرة الإرهاب، وتعريض أرواح الأبرياء للخطر.
إننا نشك في كل ما قيل حول هذه العملية الإرهابية التي جرى الكشف عنها بطريقة مريبة يوم الخميس من قِبَل وزير الداخلية البريطاني، ونجد لزامًا علينا طرح العديد من علامات الاستفهام حولها وحول توقيتها.
فإذا كانت هذه العملية تهدف إلى ارتكاب مجزرة جماعية، وتستدعي رفع الاستعدادات الأمنية وحالة الطوارئ إلى أعلى مستوياتها في كل من بريطانيا والولايات المتحدة، فكيف يصرُّ توني بلير- رئيس وزراء بريطانيا- على المضيّ قدمًا في خطط إجازته في جزر الكاريبي، ويستمر الرئيس بوش مستمتعًا بإجازته ولا يقطعها لمواجهة هذا الإرهاب الذي قيل إنه أكثر خطورةً من إرهاب الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)؟!
وإذا كانت أجهزة الأمن البريطانية تتابع المتورطين في هذه المؤامرة الإرهابية منذ شهر كانون الأول (ديسمبر) الماضي، فلماذا قررت الكشف عنها قبل يومين فقط، وفي وقت يقف فيه الرأي العام البريطاني بأغلبية ساحقة ضد سياسة بلير- بوش في دعم العدوان الصهيوني على لبنان ومعارضة صدور أي قرار عن مجلس الأمن بوقف فوري لإطلاق النار؟!
نَطرح هذه الأسئلة لأننا نعرف جيدًا أن مَن "فبرك" مسألة أسلحة الدمار الشامل والمعامل البيولوجية والكيميائية العراقية المتحركة، لتبرير الحرب، وقتل مئات الآلاف من المدنيين، يستطيع أن يفبرك مسألة اختطاف طائرات ومحاولة تفجيرها بسوائل كيميائية أو غيرها.
وحتى إذا كانت هذه المؤامرة الإرهابية صحيحةً فعلاً فإن المسؤول عنها في الأساس هو الرئيس بوش وحليفه بلير وسياساتهما الصليبية الفاشية الاستفزازية التي نراها في أبشع صورها في بلادنا العربية والإسلامية.
محور الشرّ الفاشي الذي يدمِّر العالم، ويصعِّد التطرف، ويخدم الإرهاب، هو الذي يقوده الرئيس بوش، ويضم توني بلير وإيهود أولمرت، والفرق بينه وبين تنظيم القاعدة أن التنظيم الأصولي المتطرف لا يدَّعي الديمقراطية ولا زعامةَ العالم الحرّ، ولا يقول إنه يمثل القيم الغربية في العدالة والمساواة وحقوق الإنسان.
--------------
الكاتب هو رئيس تحرير جريدة (القدس العربي)
نقلاً عن الجريدة بعددها الصادر السبت 12/8/2006.
إخوان أونلاين
الفاشية الإسلامية أم البوشية؟.. عبد الباري عطوان
