كثيراً ما يطلق الناس على شهر رمضان اسم (شهر الخيرات) وهو اسم عظيم المبنى، غزير المعنى؛ لأنه يعبر تمام التعبير عن عظيم الخيرات التي ينشرها الله ـ تعالى ـ على عباده في هذا الشهر الكريم، فقدوم شهر رمضان يمثل نقطة تحول سنوية للمؤمن، ينقله فيها نقلة نوعية، تختلف شكلاً ومضموناً، صورة وجوهراً، عما كان عليه في عامه الماضي.
ويلاحظ ذلك في الرسم البياني الخطيchart) (linear للأعمال الصالحة للمؤمن، فقد يرتفع الخط البياني بارتفاع منسوب الأعمال الصالحة للمؤمن في أيام عديدة من كل عام، لكنه قد تأتيه أيام يشهد ركوداً في العمل الصالح، فيسير الخط البياني بشكل مستقيم، إذا استمر على نفس أعماله الصالحة دون زيادة، وقد تمر عليه أيام يسير فيها خط البيان بانتكاس نحو الأسفل؛ بسبب هجره للعمل الصالح، أو استبداله بعملٍ سيء، لكن الخط البياني للأعمال الصالحة يشهد صعوداً مذهلاً وملفتاً للنظر، قد يصل إلى الذروة.
وهذا التغيير النوعي يحدث للمؤمن في شهر رمضان المبارك، نتيجة للهمة العالية التي يتمتع بها المؤمن في هذا الشهر الكريم، والتي لم تتحرك لذاتها، بل تحركت بسبب الخيرات العظيمة التي جعلها الله أجراً للعاملين لها في هذا الشهر العظيم، فالمؤمن يدرك تمام الإدراك أن الصلاة في شهر رمضان، تختلف من حيث الأجر عن الصلاة في غير رمضان، وكذا الصوم، والصدقة، وقراءة القرآن، وكل وجوه البر والعمل الصالح، كما يدرك المؤمن أن ثمة متغيرات غاية في الإيجابية تحدث حوله، لا يراها لكنه يشعر بأثرها.
وهذه التغيّرات التي تقع في شهر رمضان المبارك هي فتح أبواب الجنّة، وغلق أبواب النار، وتصفيد الشياطين؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قَدْ جَاءَكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ، افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَه، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّة، وَيُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيم، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِين، فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْر، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا قَدْ حُرِمَ" [رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح]، وفي الوقت ذاته تكون التصفية والتنقية من الذنوب والآثام على أشد ما يكون الصفاء والنقاء، وفي ذلك يقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في صيام شهر رمضان: " مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ " [رواه البخاري ومسلم]، وقال عليه الصلاة والسلام في قيام شهر رمضان: " مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِه ِ" [رواه البخاري ومسلم]، فالمؤمن حتما بين هاتين التنقيتين من الذنوب، إما أن ينقيه الصوم، وإما أن ينقيه القيام، أو يُنقى بهما معاً، وتلك أعظم التنقية وأوفاها.
فرمضان فرصةٌ ماسية، وتجارةٌ رابحة، وخيراتٌ موفورة، عرضت للناس، وهكذا كنزٌ يعرض لابدّ أن يستبق إليه من يعرف قيمة هذا الكنز، وهو سباق إلى تلك الخيرات لا لأنها ستنفد وتنقطع بالأسبق إليها، وليست هي رُتَباً في المقدَّمة، تُحكَر لمن يصل إليها أولاً، إنما هي موازين تثقل بكثرة عملها، فالذي يكون له الرتبة الأعلى، والدرجة الأسمى، هو من ثَقُل ميزانه بحصاد الخيرات في رمضان، فها هو شهر رمضان، وها هي العشر الأواخر منه، وتلك هي الخيرات مكنونة فيه، فأين المتسابقون إليها؟.
