هيئة علماء المسلمين في العراق

ثورة أمريكية ضد إسرائيل! - صقر العنزي
ثورة أمريكية ضد إسرائيل! - صقر العنزي ثورة أمريكية ضد إسرائيل!  - صقر العنزي

ثورة أمريكية ضد إسرائيل! - صقر العنزي

بالأمس نظرت بريطانيا إلى اليهود بعين العطف فأهدتهم فلسطين بلدا لهم يجمع شتاتهم ويوحد فرقتهم فخرج الكيان الإسرائيلي إلى الوجود. وسارعت روسيا إلى الاعتراف به كأول دولة تعترف بإسرائيل رسميا حتى قبل أمريكا. واليوم تنظر أمريكا إلى إسرائيل بعين العطف والرحمة فتهبها الحرية المطلقة في فعل ما تشاء دون حسيب أو رقيب.
والجميع يتحدث عن السبب الجذري للحماية الأمريكية لإسرائيل وهو اللوبي اليهودي ذو النفوذ القوي والمهيمن على صنع القرار الأمريكي. هذا اللوبي له دور خطير في توجيه بوصلة السياسة الأمريكية وفق المصالح الإسرائيلية ولو على حساب سمعة أمريكا وصورتها أمام العالم, ويوفر دعما كاملا للكيان الإسرائيلي ماليا وعسكريا وسياسيا ولو على حساب العدل والأخلاق والمبادئ العليا التي تتحدث عنها السياسة الأمريكية صبح مساء.
وكلنا يتذكر المناظرة الشهيرة بين بوش الابن وكيري إبان سباق الرئاسة الأمريكية حين أحرج كيري بوش بسؤاله عن سبب شن الحرب على العراق فما كان من بوش إلا أن قال إن ذلك كان من اجل ضمان امن إسرائيل. وهذا يعني أن قوة هذا اللوبي وصلت إلى حد توريط أمريكا في حرب ضروس ضد دول أخرى من اجل مصالحه الخاصة.
قد يغضب العرب ويستاءون من هذا النفوذ القوي الذي من شأنه أن يقود المنطقة إلى أزمات متكررة فيها هضم للحقوق العربية وتمييز فاضح وتقوية للكيان الإسرائيلي, فهذا اللوبي هدفه الأول والأخير حماية مصالح إسرائيل. وفي حقيقة الأمر ليس العرب والمسلمون وحدهم من يشعر بخطر هذا اللوبي الإسرائيلي الممسك بعنان السياسة الأمريكية بل حتى الأمريكان أنفسهم بدأوا يشعرون بعظم هذا الخطر على دولتهم ومصالحهم.
في مقالة كتبها كل من (جون جي ميرشايمر) أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو, و (ستيفن أم والت) أستاذ في الشؤون الدولية في كلية جون كينيدي للدراسات الحكومية في جامعة هارفارد, ونشرتها مجلة السياسة الخارجية Foreign Policy)) في عددها 155 من النسخة العربية, وفي هذه المقالة يوضح الكاتبان أولا صعوبة مناقشة علاقة أمريكا بإسرائيل بصراحة داخل الولايات المتحدة الأمريكية, وكيف أنهما تعرضا إلى النقد الحاد واتهما بمعاداة السامية لمجرد أنهما تجرآ على فتح باب النقاش في هذا الموضوع.
يقول الكاتبان عن هذه العلاقة الحميمة (ومع أن إسرائيل باتت الآن قوة صناعية يوازي إنتاجها المحلي الإجمالي الفردي ناتج اسبانيا أو كوريا الجنوبية, فهي ما زالت تتلقى كل سنة مساعدات بقيمة ثلاثة بلايين دولار, أي 500 دولار لكل مواطن إسرائيلي وتحصل أيضا على صفقات خاصة ودعم دبلوماسي دائم ونحن نعتقد انه لا يمكن تبرير هذا السخاء بالكامل وفقا لأسس استراتيجية أو أخلاقية). ويقولان ( ونحن نعتقد أن العلاقة الخاصة مع إسرائيل تعود إلى حد كبير إلى نشاطات اللوبي الإسرائيلي وهو ائتلاف حر من الأفراد والمنظمات يعمل علنا لدفع السياسة الخارجية الأمريكية في اتجاه داعم لإسرائيل). وفي سياق البحث عن تأثير هذا اللوبي يقولان: ( وتتبعنا أيضا تأثير اللوبي على السياسات الأمريكية الأخيرة بما فيها غزو العراق في مارس 2003 فقد لعب المحافظون الجدد داخل وخارج إدارة بوش إضافة إلى قادة عدد من المنظمات البارزة المؤيدة لإسرائيل أدوارا أساسية في التحريض لشن الحرب, ونحن نعتقد أن الولايات المتحدة ما كانت لتهاجم العراق لولا جهودهم). وهذا الكلام منهما يبين مدى الهيمنة الكبرى على صنع القرار الأمريكي حتى في شن الحروب.
وهذا اللوبي لم يكتف بهذه الحرب للتخلص من كل خطر يحدق بإسرائيل بل يعترف ميرشايمر ووالت أن اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشؤون العامة – وهي أنشط منظمات اللوبي الإسرائيلي في أمريكا- والكثير من المحافظين الجدد الذين حرضوا على حرب العراق هم اليوم ابرز الدعاة إلى استعمال القوة العسكرية مع إيران. هذه المنظمة كما يذكر الكاتبان نقلا عن رئيس مجلس النواب السابق نيوت غينغريش (جماعة الضغط الأكثر فاعلية في الكوكب بأسره).ويقول عنها السيناتور الديمقراطي ايرنست هولينغز بعد انتهاء ولايته ( لا يمكن اعتماد سياسة إسرائيلية غير تلك التي تقترحها اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشؤون العامة). وهنا نسأل هل كانت الحرب على لبنان من أجندة هذه اللجنة؟
هذا الكلام يدفعنا إلى الاقتناع بأن القرار الإسرائيلي يطبخ في واشنطون وينفذ في تل أبيب, والغريب هنا هو موقف العرب المتخاذل الذي لا يزال عنده ثقة في أمريكا لإرجاع الحقوق المغتصبة للفلسطينيين أو أضحوكة رعايتها لعملية السلام المزعومة. ولا ادري كيف يكون الذئب حاميا للغنم؟
على الجانب الآخر يحاول الكاتبان تصور سياسات أمريكا في الشرق الأوسط لو كان هذا اللوبي الإسرائيلي اضعف مما هو عليه الآن. يقولان: (أولا, كانت الولايات المتحدة استغلت نفوذها لمنع إسرائيل من بناء المستوطنات في الأراضي المحتلة..... مولت الولايات المتحدة سياسة تقوض مباشرة احتمالات عقد سلام, إن معارضة التوسع الإسرائيلي تقرب سياسة الولايات المتحدة من التزامها العلني بحقوق الإنسان وحق تقرير المصير الوطني). ويقولان (وفي غياب اللوبي ستعتمد الولايات المتحدة مقاربة أكثر استقلالية تجاه عملية السلام بدلا من لعب دور محامية إسرائيل). كذلك لو كان هذا اللوبي ضعيفا لكانت احتمالات غزو العراق اقل بكثير.
كذلك يعتقد الكاتبان انه لو كان هذا اللوبي ضعيفا (لكانت السياسة الأمريكية الحالية تجاه إيران أكثر مرونة وفعالية. لقد تعلمت الولايات المتحدة أن تتعايش مع دول تملك أسلحة نووية كالصين والهند وباكستان وروسيا وحتى كوريا الشمالية. ولا تعامل إيران بشكل مختلف لأنها تهدد أمريكا بل لأنها تهدد إسرائيل, كما قال الرئيس بوش). ويذكر الكاتبان أن إيران سعت كثيرا إلى تحسين علاقتها مع أمريكا وهي من ساندت أمريكا في ملاحقتها لتنظيم القاعدة بعد أحداث 11 سبتمبر ((إيران كان لها دور كبير في إسقاط دولة طالبان والقاعدة في أفغانستان)) ولكن هذه المبادرات الإيرانية رفضت جميعها لمعارضة اللوبي الإسرائيلي لها. كذلك الكاتبان يوافقان النقاد الرأي بان العلاقات الأمريكية مع كثير من الدول العربية هي مصدر أساسي للتطرف المعادي لأمريكا لكنهما يعتقدان أن دعم إسرائيل على حساب الفلسطينيين يجعل المشكلة أسوأ بكثير. هذا الحراك الداخلي الأمريكي الجديد الذي أثاره هذان الكاتبان وجرأتهما في مناقشة هذا الموضوع الحساس للداخل الأمريكي يدفعنا إلى التفاؤل بقرب نهاية سيطرة اللوبي الإسرائيلي على صنع القرار السياسي في واشنطون, وهذا من شأنه أن يخفف من حالة التأزم الكبيرة التي يعيشها العالم جراء شن الحروب العابرة للقارات وانتهاك الحقوق بلا مبرر. خاصة أن هذا الحراك الأمريكي الداخلي ضد اللوبي اليهودي يتزامن مع الفضيحة الأخلاقية والجرم المشهود الذي تمارسه الولايات المتحدة بتأييدها إسرائيل في حربها ضد لبنان والمجازر الفظيعة التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي في قانا وصور وبقية مناطق لبنان. وهذا سيدعم بلا شك توجهات ميرشايمر ووالت ومن سار سيرهما لإقناع الشارع الأمريكي بهذا الخطر الكبير والعمل على إضعاف نفوذ اللوبي الإسرائيلي وتأثيره على السياسة الخارجية للولايات المتحدة. فهل نشهد في الأيام القادمة ثورة أمريكية ضد اللوبي الإسرائيلي في أمريكا؟


صحيفة " اليوم "السعودية

أضف تعليق