أصدر قسم الفتوى في هيئة علماء المسلمين توجيهًا شرعيًا للصائمين يتعلق بالأحكام الخاصة بزكاة الفطر، للعام الجاري 1437هـ، وفيما يأتي تفصيله:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فهذا توجيهات فقهية متعلقة بزكاة الفطر وما يجب على الصائمين معرفته والعمل به بشأنها.
أولاً: تسميتها: (زكاة الفطر)، وتُسمّى أيضًا (زكاة الفطرة)، وتُسمّى (زكاة الأبدان)، و(زكاة الرؤوس).
ثانيًا: حكمها: هي واجبة بإجماع العلماء، وقال بفرضيتها جمهور الفقهاء، لذلك جاء في صحيح البخاري: (باب فرض صدقة الفطر، ورأى أبو العالية، وعطاء، وابن سيرين: صدقة الفطر فريضة).
ثالثًا: أدلة مشروعية صدقة الفطر، أو زكاة الفطر: والأدلة كثيرة على وجوب أو فريضة صدقة الفطر، منها ما يأتي:
1) حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما؛ قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان؛ صاعًا من تمرِ، أو صاعًا من شعير؛ على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير؛ من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة) رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن، أي: قبل خروج الناس إلى صلاة العيد.
2) حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، إذ قال:( كُنّا نُخرِجُ صدقة الفطر صاعًا من طعام، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من أقِط، أو صاعًا من زبيب) رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن.
3) روى ابن خزيمة من طريق كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جده؛ (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئِل عن آيةِ {قَدْ أفلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى}، فقال: نزلت في زكاة الفطر).
4) الإجماع: قال ابن المنذر: (أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن زكاة الفطر فرض).
وفي ضوء هذه الأدلّة؛ فقد توارث المسلمون العمل بوجوبها والاهتمام بفرضيتها منذ عصر النبي محمد صلى الله عليه وسلم وإلى يومنا هذا.
رابعًا: على من تجب صدقة الفطر؟
تجب زكاة الفطر على كل مسلم ومسلمة؛ حُرِّ أو عَبْد، ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، صائم أو مفطر، غني أو فقير؛ وذلك للأحاديث والأدلة المتقدم ذكرها, وقال الأمير الصنعاني ما حاصله: وفي الأحاديث دليل على وجوبها على العبيد والأحرار، الذكور والإناث، الصغيرِ منهم والكبيرِ، والغنيِ والفقير، وقد أخرج البيهقي من حديث عبد الله بين أبي ثعلبة مرفوعًا: ( أدّوا صاعًا من قمح عن كل إنسان ذكرًا كان أو أنثى, صغيرًا أو كبيرًا، غنيًا أو فقيرًا أو مملوكًا؛ أما الغني فيُزكّيه الله، وأما الفقير فيرُدّ الله عليه أكثر مما أعطى.
وأغلب أهل العلم؛ على أن هذا الوجوب إنما يشمل من يملك قوت يوم العيد وليلته، وعند أبي حنيفة والجعفرية إنما تجب على من ملك نصاب الزكاة.. والقول الأول هو الراجح؛ لأن عمل المسلمين به متوارَث من جيل الصحابة رضي الله عنهم إلى يومنا هذا.
خامسًا: حكمة تشريع صدقة الفطر: والحكمة الشرعية في وجوب هذا الصدقة في نهاية رمضان؛ تتمثل في أمور، منها:
1) طُهرة للصائم؛ إذ قد يقع الصائم في شهر رمضان ببعض المخالفات التي تخدش كمال الصوم؛ من لغو، ورَفَث، وصَخَب، وسَبَاب، ونظر مُحرّم؛ فشرع الله عز وجل هذه الصدقة لكي تصلح له ذلك الخلل الذي حصل فيه، ليكون صيامًا تام الأجر، ولكي يَفرح به فرحًا تامًّا يوم القيامة.
2) تعميم الفرحة في يوم العيد لكل المسلمين والناس، حتى لا يبقى أحد يوم العيد محتاجًا إلى القوت والطعام، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أغنوهم عن المسألة في هذا اليوم)، وفي رواية: (أغنوهم عن طواف هذا اليوم) رواه البيهقي والدارقطني، أي: إغناء الفقير يوم العيد عن المسألة.
وجاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر؛ طهرةً للصائم من اللغو، والرفث، وطعمة للمساكين) رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم، والحديث حسن كما قال النووي.
3) تعد صدقة الفطر زكاة عن الأبدان والنفوس وقربة لله عز وجل عن نفس المسلم، أو زكاة لبدنه، وبعبارة أخرى؛ تعبر عن شكر العبد لله عز وجل على نعمة الحياة والصحة التي أنعم الله عز وجل بها على عبده المسلم، لذلك شرعت على الكل بمن فيهم الصغير، والعبد، والصائم، والمفطر سواء أكان مفطرًا بسبب شرعي أم غير شرعي.
سادسًا: وقتها: الوقت الذي يصح فيه إخراج صدقة الفطر؛ هو إخراجها قبل يوم عيد الفطر بيوم أو يومين أو ثلاثة؛ إذ جاء في صحيح البخاري: (وكانوا يُعطون قبل الفطر بيوم أو يومين)، وقد روى أبو داود وابن ماجه من رواية ابن عباس رضي الله عنهما، قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر؛ طهرة للصائم من اللغو، والرفث، وطعمة للمساكين؛ فمن أدّاها قبل الصلاة؛ فهي زكاة مقبولة، ومن أدّاها بعد الصلاة؛ فهي صدقة من الصدقات).. قبل الصلاة: أي قبل صلاة العيد.
سابعًا: مقدارها: هي صاع باتفاق المسلمين، والصاع يساوي (2,5 كيلوغرام) تقريبًا، وهذا المقدار يؤدى من الحنطة، أو التمر، أو الزبيب، أو الرز، أو الطحين، أو الشعير.
ويجوز إخراج قيمة ذلك نقدًا؛ وهذا مذهب الحسن البصري، وعطاء، وعمر بن عبد العزيز، وسفيان الثوري، وأبي حنيفة وأصحابه، والجعفرية، وهو مذهبٌ مَرويٌ عن عمر بن الخطاب ومُعاذ بن جبل رضي الله عنهما؛ في أخذهما العروض بدل الحبوب في الزكاة.
وهذا المذهب فيه يُسْرٌ على الناس في زماننا، ومن تَيسّر عليه إخراج الصاع مما ذُكِر أعلاه فهو أرجح دليلاً، والله أعلم.
والمبلغ الذي يُدفع بدلاُ عنها في هذا العام نقدًا؛ ما لا يقل عن:
- (2000) دينار، لمن كان فقير الحال.
- (3000) دينار، لمن كان متوسط الحال.
- (4000) دينار، لمن كان ميسور الحال.
ومن زاد على ذلك فهو خير، وعلى الأغنياء أن يدفعوا أكثر من هذا المبلغ.
ثامنًا: مصرفها: تُصرف صدقة الفطر في مصارف الزكاة نفسها؛ كالفقراء، والمساكين وفي سبيل الله ـ الجهاد ـ، والأرامل والأيتام من أهل العوز والحاجة.
وعلى الفقراء أن يؤدوا هذه الصدقة من الذي يأتيهم من الأغنياء، وأن يُعطي بعضهم بعضًا فالفقير يعوّضه الله أكثر مما يعطي، وقد تقدّم القول: (وأما الفقير فيرد الله عليه أكثر مما أعطى).
تاسعاً: في فدية الصيام: من أفطر شهر رمضان بسبب مرض مزمن، أو كان لا يستطيع الصيام بسبب عِلّة مزمنة أو كبر سن؛ كالشيخ الفاني والعجوز؛ فإنه يَدفع عن كل يوم طعام مسكين أو قيمة ذلك، والمبلغ البديل في الوقت الحاضر هو:
- (2000) دينار لمن كان فقير الحال.
- (2500) دينار لمن كان متوسط الحال.
- (3000) دينار لمن كان ميسور الحال.
وذلك لقول الله تعالى: ( مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ......) [المائدة: 89 ].
نسأل الله تعالى أن يتقبّل صيام وقيام المسلمين جميعًا، وأن يجعلنا من عتقاء شهر رمضان الكريم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
والحمد لله رب العالمين
قسم الفتوى في هيئة علماء المسلمين في العراق
18 رمضان 1437هـ
23 حزيران 2016م



