كان لي وطن أحب منه سلامته وصفاء سريرته وطيبة أهله الكرام ، أحب سخطه ورضاه ، وحلمه وغضبه ، أحب صيفه القائض وشمسه الملتهبة، التي تعبر عن حبها للأرض وللناس بشعاع عشقها الحار والذي كان يلهب الأجساد ليفيض منها عرق الإنتماء وسخونة اللقاء ، أحب شتائه البارد حينما يحبسنا في البيوت كحال العاشق الولهان لا يريد لمحبوبه أن يغادره حتى لو كان سجّانا على باب حريته .
لقد فرق القدر بيني وبينه فتعلقت حبالي بحبه وأرضه حتى صار ماؤه هو الماء وغيره سائل عديم اللون والطعم والرائحة ، وهواه هو الهواء وغيره ضرورة للبقاء والعيش ، وهو بعد فراقي بات ثائرا مجلجلا يخاف موج البحر من هيجانه وتنحني عاتيات الريح من أحزانه .
صار وطننا بعدنا ثكلاء حائرة ، إذا هاج بها الشوق قطعت ثيابها ، وإذا داهمها سكون الرضا لبست السواد على فراق الأبناء .
لقد أفرغ الفراق يا وطني كل لذة في هذه الحياة ، فلا النسيم العليل يعوض حرّك اللاسع ، ولا سكون ليل الغربة يصلح بديلا عن صخب ليلك العرم .
إنه الوطن ، أمّ ولدت وأرضعت وأب ربى وانحنى لأجل غيره ، فكيف بحاله إذا فارق أبنائه وأبدلهم مكرها بالغريب الحاقد .
كان يأمل منا أن نكون عصاه إذا جار عليه الزمن ، وسنده إذا ادلهمت به صروف المحن ، فكيف به وقد غادرناه لعيش وحيدا مع غرباءلا يعرفهم ، وأعداء يحيكون له في كل ساعة مؤامره .
لقد أتعبني فراقك وأتعبك فراقي ، ومثلي كثير ولكن مثلك قليل يا وطني .
فهل لنا في صحائف الغيب لقاء مقدر ، أم أنه الفراق الذي ليس منه المفر :
وليست حياة المرء إلا أمانيا إذا هي ضاعت فالحياة على الأثر
عيني ترنو إلى اللقاء ، ويدي ترتفع بالدعاء ، أن يكون الموعد قريب ، فتعود الروح إلى الجسد ، وتكتحل العين بلقاء الوطن ، أحياء فنعيش في كنفه ، أو أموات فيضمنا ترابه الدافئ .
مقال خاص بموقع الهيئة نت
