أهم مافي قرار مجلس الأمن1701 بشأن ترتيب الأوضاع المقبلة في لبنان, أنه يحظر ويرفض تكوين الميليشيات العسكرية. فمثل هذه التشكيلات لو انفتح الباب أمامها في المنطقة. فانها ستصبح في حالة فوضي هدامة.
علي أنه من الضروري أن يتوافق مع هذا, اطلاق, أو إعادة احياء, أو بعث عمليات الاصلاح السياسي. فهذا الاصلاح يجب أن يكون هو الذراع الآخري للحظر, والذي يوفر البديل المضمون للقيام بأنشطة سياسية سلمية لتعديل, أو تغيير, أو إعادة رسم أي مجتمع..
(1)
حدث ماتم توقعه من أول لحظة, فالقرار يعكس القوة النسبية لطرفي الصراع علي الأرض ليس فقط القوة العسكرية, بل أيضا الوزن السياسي والدولي.
فالقوات الاسرائيلية ستبقي في جنوب لبنان حتي تبدأ قوات الجيش اللبناني تدعمها القوات الدولية التابعة للأمم المتحدة في الانتشار جنوب نهر الليطاني. عندها فقط, تبدأ القوات الاسرائيلية في الانسحاب, وهناك فسحة من الوقت أمام القوات الاسرائيلية لكي توسع من نطاق سيطرتها في الجنوب.
القرار أيضا, يمنع وجود أي تنظيمات مسلحة في هذه المنطقة التي ستصبح منزوعة السلاح ويعني هذا صراحة أن قوات حزب الله ممنوعة من الآن فصاعدا من الوجود في هذه المنطقة إلا بالمخالفة للقانون الدولي الذي سوف يجسده في هذه الحالة إرادة المجتمع الدولي الاجماعية القائمة في القرار, كذلك يسمح القرار للقوات الاسرائيلية باستخدام القوة عند تعرضها لأي هجوم في حين أنه يحجب هذا الحق عن عناصر الحزب.
الواضح من هذا كله, أنه لم يعد هناك تسامح مع وجود تنظيم مسلح تفوق قوته قوة جيش الدولة, ولم يقبل المجتمع الدولي أن يتساهل مع قيام زعيم هذا التنظيم باختطاف قرار الحرب وقرار السلام من الدولة, فالدولة حتي ولو كانت هي الدولة اللبنانية, التي حلا للبعض أن ينظر اليها علي أنها دولة صغيرة, وضعيفة, ومن حق الجميع أن يتدخلوا في شئونها الداخلية, أصبح الآن من حقها ان تقول لقد انتهي هذا الوضع. وأنه من الآن فصاعدا لن يكون هناك حزب أقوي من الدولة.
(2)
كان أخطر ما يمثله نموذج حزب الله هو أنه يبعث رسالة مفادها, أن الميليشيات والتنظيمات المسلحة السرية الخارجة علي الدولة هي الحل؟! واذن فكل حزب سياسي, أو جماعة, لاتعجبها السياسة المتبعة في دولتها فما عليها الا أن تسعي إلي تكوين ميليشيات. وتشتري السلاح سواء من المهربين, أو تحصل عليه من هذه الدولة الشريرة أو تلك التي تجد في هذا الحزب أو ذاك مايحقق لها مآربها أو جزءا منها وبذلك تنصرف الأحزاب السياسية عن واجبها الأساسي وهو العمل علي انضاج الحياة السياسية, وتطويرها في جو من الحرية والقانون وترسيخ تقاليد تبادل الحجج, والنقاش, والعمل علي توعية الرأي العام بأهمية قضية معينة, ويصبح الهدف هو تعبئة السلاح وتصفية الخصوم والمخالفين في الرأي.
وبدلا من التنافس علي الفوز بأصوات الناس, يصبح الهدف هو التنافس علي اسكات الأصوات, ويصبح صاحب أقوي ميليشيا مسلحة هو صاحب أعلي صوت وهو الذي يفرض القانون الذي يريده ومثل هذا الأمر, لو كان قد سمح له بأن ينتشر في هذه المنطقة لكان يعني بداية نهاية عصر الدولة والدخول في فوضي لا أول لها ولا آخر. فوضي هدامة, لاتبقي ولاتذر يكفي أننا في مصر, ومنذ أيام قليلة, وجدنا السيد المرشد العام لجماعة الاخوان المسلمين المحظورة, يكشف علنا عن انه مستعد لارسال10 آلاف متطوع الي لبنان للقتال الي جانب حزب الله, ولو كان مجلس الأمن قد سمح لنموذج حزب الله بأن يسود لكنا قد فوجئنا بفضيلته يعلن ذات صباح أنه مستعد لارسال100 ألف إلي حيث لاندري.
هذا ليس كلاما فكاهيا فطالما ان السلاح أصبح هو وسيلة التعبير عن الرأي فان علي الجميع ان يتوقعوا أي شئ وكل شئ.
(3)
أهم مايميز المجتمع الحديث, هو الحريات السياسية غير المحدودة, التي تفتح أمام جميع القوي والتيارات الاجتماعية حق التعبير عن نفسها بمختلف الأدوات السلمية. بدءا من التجمع والتظاهر والاعتصام وانتهاء بالقاء الخطب والكلمات فضلا عن نزاهة الانتخابات وتداول السلطة عن طريقها, وليس هناك من أي قيد أو حظر, الحظر الوحيد هو اللجوء الي السلاح أو تنظيم ميليشيات مسلحة ونحن في مصر في حاجة ماسة لكي تستمر عملية الاصلاح السياسي وان ننطلق فيها بأقصي ما نستطيع بمعني أن هذا الطريق يغلق نهائيا طريق تكوين الميليشيات ولنتذكر ان مجرد وجود الديمقراطية السياسية في حد ذاته ليس مانعا ضد ظهور الميليشيات ولكن النضج السياسي للمجتمع يضمن علي الأقل علاج أي أخطاء تظهر بأخف الأضرار.
لنتذكر أنه ظهر تنظيم الألوية الحمراء في إيطاليا. صحيح أن الدولة تصدت له بقوة وصرامة وفقا للقانون, ولكن الصحيح أيضا أن الحريات السياسية المتوفرة حالت دون تكرار ظهور مثل هذا التنظيم منذ أواخر السبعينيات كذلك شهدت المانيا الغربية تنظيم بادر ماينهوف ولكن حسم الدولة في التصدي له امنيا بقوة, مع توفير بديل سياسي حال دون عودته للحياة او ظهور تشكيلات مماثلة بل علينا ان نتذكر ان الحريات السياسية الموجودة مكنت شابا متحمسا( يمكن للبعض ان يصفه بالتطرف السياسي هو يوشكا فيشر) من ان يصبح بعد ذلك نائبا للمستشار ووزيرا للخارجية, ونفس الشئ ينطبق علي جاك سترو وزير خارجية بريطانيا السابق الذي كان ماركسيا متشددا.
هكذا, فالحظر أو المنع أو اجراءات الأمن وحدها لاتكفي, فلابد من توفير بدائل سياسية لكي يتم تجفيف نشوء أو تكون هذه الميليشيات من جذورها, ولاشك ان الاصلاح السياسي هو قارب النجاة الجوهري والأساسي في مصر والعالم العربي كله.
صحيفة " الاهرام" المصرية
الإصلاح السياسي يمنع الميليشيات - حازم عبدالرحمن
