ألقى فضيلة الدكتور (قحطان الدوري) الأستاذ في جامعة العلوم الإسلامية؛ محاضرة عن (مفهوم الوسطية في الإسلام)، مساء يوم الاثنين، في الجلسة الخامسة من الموسم الرمضاني الثاني للقسم العلمي في هيئة علماء المسلمين.
وافتتح الدكتور الدوري محاضرته بالحديث عن المدخل إلى مفهوم الوسطية وكيف أن الأمة الإسلامية فُضّلت على غيرها من الأمم، مشيرًا إلى أن الجميع يدّعي الوسطية، لكنها في الإسلام ذات خصوصية تؤكد عليها الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة.
وأوضح المحاضر أن الوسطية مصطلح آتٍ من الوسط؛ وهو الأرفع والأفضل والأحسن في كل شيء، وقد وردت في القرآن الكريم خمس مرات، إلا أن محور المحاضرة يدور حول ما جاء في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلنَاكُمْ أمَّةً وًسًطًا)، كما تناول معانيها التي أوردها العلماء المفسرون في مختلف التفاسير القديمة والمعاصرة.، ومن جملة الدلائل على أن الوسطية تعني العدل؛ هو أن تتمة الآية الكريمة : {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاس}؛ فلا يكون شهيدًا ـ أي: شاهدًا ـ إلا من كان عدلاً.
ثم تناول الدكتور (قحطان الدوري) جملة من الأحاديث النبوية الكريمة التي تؤكد على وسطية هذه الأمة وشهادتها على بقية الأمم، ومن ذلك الأحاديث التي تتحدث عن يوم القيامة ومنها قوله عليه الصلاة والسلام: (يُجاء بنوح يوم القيامة، فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم، يا رب، فتسأل أمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير، فيقول: من شهودك؟ فيقول: محمد وأمته، فيجاء بكم، فتشهدون)، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمَّةً وَسَطًا}، وغير ذلك من الأحاديث.
ثم مضى المحاضر إلى تعريف الوسطية من مدلول لغوي، مستشهدًا بإقوال أهل الاختصاص ومستنبطًا من مختلف كتبهم ومعاجمهم، مبينًا أنهم فسروا الوسط بالعدل، كما استشهد بأبيات شعرية لشعراء من الجاهلية وصدر الإسلام وغيرهم، تؤيد الفهم بأن الوسط هو العدل.
وفيما يتعلق بصلب الموضوع؛ بين الدكتور الدوري أنه لما طغى الإفراط والتفريط؛ صار الوسط هو الخير والعدل والخيار الذي عليه الحق، ومنه، قوله تعالى: {قَالَ أوْسَطُهُمْ}؛ أي: أخيرهم وأعدلهم. وكذلك ما جاء في الأثر: (خير الأمور أوسطها): أي: خيارها.
وبمقابل معنى الوسطية؛ يأتي موضوع الغلو؛ وهو مجاوزة الحد الشرعي، واستشهد المحاضر لذلك بالحديث المشهور عن الثلاثة الذي أن أراد أحدهم أن يصوم ولا يفطر، وأراد الآخر أن يقوم الليل ولا ينام، وهمّ الثالث بالإعراض عن الزواج؛ وهو ما نهرهم بشأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعن معنى التطرف والغلو في الدين، تحدث الأستاذ الدوري عن أن الأمة الإسلامية مأمورة بأن تدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ثم عرّج على أسباب الغلو ودوافعه، وفي مقدمتها الجهل ـ الذي هو مضاد للعلم ـ واتباع الشهوات.
ومضى فضيلة الدكتور (قحطان الدوري) إلى القول؛ بأن عدم معرفة استنباط الأحكام والتعارض والترجيح؛ هي أسباب أخرى للغلو، مبينًا أن أكثر المغالين لا يعرفون علوم العربية والفقه والتفسير والحديث، ولذلك ظهرت آراؤهم متناسبة مع أهوائهم، بعيدة عن الحق، مضيفًا أن سوء الفهم دفع المغالين إلى تحكيم عقولهم وقدموها على النصوص ظنًا منهم أنهم أهل العلم وغيرهم جهلاء، محذرًا من أن هذا السلوك هو أصل الجهل من المتطرفين الذين يتعصبون لأراء علمائهم فقط ويتبعون منهج التقليد الأعمى.. لافتًا الانتباه إلى أن التقليد الصحيح هو باتباع الشريعة، فقد كان السلف الصالح رضي الله عنهم متبعين لا مبتدعين.
ثم تحدث الدكتور المحاضر عن نماذج من أهل الغلو والتطرف وكيف أنهم اعتدوا على العقائد فقالوا بالحلول والتناسخ والبداء والتأويل ونزعات الانحلال والابتداع، فمنهم من استحل المحارم والخمور وغيرها.. وبلغت نزعاتهم العدائية للحق أنهم يوصون بعضهم بإدامة التشكيك في القرآن الكريم وانطلت تلك الأمور على كثير من الجهلاء، لكن العلماء هاجموهم وبينوا الحق.
وفي نهاية موضوع المحاضرة؛ تحدث الدكتور الدوري عن سبل معالجة المشكلة؛ وأهاب بالكليات والمعاهد الإسلامية التي تدرس علوم الإسلام أن تأخذ دورها في ذلك؛ لأن العلم هو السبيل الوحيد لمعالجة الغلو، إذ يكون الدارس مدافعًا عن الحق بعيدًا عن التطرف، ولذلك فإن العلماء هم صمام أمان الأمة من هؤلاء المغالين، وقد وقفوا أمام أفكارهم الهدّامة.
وبعد أن أجاب المحاضر عن عدد من الأسئلة والاستفسارات ذات العلاقة بالموضوع وغيره؛ ألقى فضيلة الأمين العام للهيئة الدكتور (مثنى الضاري) كلمة شكر وعرفان للضيف الكريم على تلبيته دعوة الهيئة وإتحافه الحاضرين بهذه المحاضرة القيّمة، متحدثًا عن مناقب الشيخ الدوري ومآثره العلمية، مبينًا أنه من أكثر الأساتذة في جامعة بغداد عناية بالشكل الخارجي للمضمون، وكان كثيرًا ما يوصي بالتقييد بالمنهج العلمي، وقد ظهر هذا بوضوح من خلال محاضراته وكتبه ومناقشاته لكثير من الرسائل الجامعية.
وقبل اختتام الكلمة؛ نوّه فضيلة الأمين العام بأن المحاضرة التي ألقيت هذه الليلة كانت علمية متقنة ورصينة؛ مستعرضًا منهجيتها، التي جاءت بثلاثة مراحل؛ هي منهج الاستقراء التام؛ بسبر الأقوال ثم التقسيم، ما جعل الفكرة تصل سريعًا للأذهان، ثم استقرأ الأقوال لجميع المذاهب، في دلالة على أن المنهج العلمي يأخذ بجميع الأقوال ويناقشها بغض النظر عن توجهاتها، ثم خرج من هذه المحاضرة بخلاصة، على خلاف الكثير من المحاضرات والدروس التي تخلو من الخلاصة، فكانت الاستفادة من موضوع الوسطية ثم الانتقال إلى المعالجة، مذكرًا بأن التاريخ لم يشهد على أن أحدًا اكتمل علمه؛ تشدد، وهذه هي ثمرة المحاضرة.
الهيئة نت
ج
