تحت وابل الرصاص الذي امتد منذ عام 2003، وإلى اليوم يقع المدنيون ضحية للانتهاكات الفادحة لحقوق الإنسان، على نطاق واسع في المدن العراقية التي شهدت أنواعا عدة من الانتهاكات، منها: جرائم طائفية وأخرى انتقامية ومنها حصار المدن وتجويع الأهالي ومنها التهجير والقتل. واستمرت الحكومات المتعاقبة منذ الاحتلال في ارتكاب انتهاكات صريحة لحقوق الإنسان كـ: الاعتقال التعسفي، وإعدام السجناء، والتهجير القسري والقتل على الهوية.
وفي ظل التوتر السائد في العراق، ونتيجة سيطرة الميليشيات المرتبطة بالأحزاب السياسية التي تدين بالولاء إلى إيران على مفاصل الأجهزة الأمنية وقوات الجيش؛ فإن الأعمال الانتقامية، والإفلات من العقاب، وعدم المساءلة القانونية لها، والصمت الدولي تجاه هذه الانتهاكات مستمرة، وقد ساهمت هذه العوامل في ازدياد أعداد المهجرين بشكل يومي حتى بلغت ذروتها في هذا العام، وبلغت حوالي ثلاثة ملايين وستمائة ألف مهجّر في داخل البلد ينتمون لأربع محافظات هي: (الأنبار – صلاح الدين – ديالى – نينوى)، فضلا عن مناطق حزام بغداد التي تعاني الويلات جراء سياسية المنطقة الخضراء تجاههم: قتلا وتهجيرا وتجريفا لمزارعهم، وشهد العامان 2015-2016 نزاعات مسلحة ومعارك عديدة؛ الأمر الذي أسفر عن وقوع الكثير من الخسائر في الأرواح غالبيتها من المدنيين العزل، وارتكبت انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان من جانب ميليشيات (الحشد الشعبي) والقوات الحكومية.
وبالعودة تحديدا لمحافظة صلاح الدين فإنها تقع وسط العراق وتضم الأقضية التالية: (سامراء - تكريت - بلد - بيجي - الشرقاط -الدور - طوز خورماتو)، وقد شهدت المحافظة العديد من العمليات العسكرية والأعمال الطائفية في أغلب مناطق المحافظة منذ حزيران 6/2014. وتسببت هذه العمليات بمأساة إنسانية لأهالي المدن المنكوبة، حيث قدرت أعداد النازحين من محافظة صلاح الدين بما يقارب 250 ألف نسمة شملت مناطق: (يثرب، والضلوعية، وعزيز بلد، والإسحاقي، وأطراف سامراء، والدور وأطرافها، وتكريت وأطرافها، وبيجي، والصينية، وما بين هذه المناطق من تجمعات سكانية وقرى).
وقد نزح أغلب المهجرين إلى مناطق كركوك وأربيل والسليمانية ودهوك، وقسم منهم فضَّل النزوح إلى بغداد، وقسم آخر فضَّل النزوح شمالا إلى مناطق الشرقاط والموصل، وهؤلاء حاولوا الرجوع إلى بغداد عن طريق الخط الصحراوي إلى الرزازة؛ فاعتُقل كثير من الرجال وبقيت النساء بلا معيل، وهناك عائلات لم يُسمح لها بالدخول إلى بغداد من قبل الأجهزة الأمنية والميليشيات الطائفية. وقد اعترف مجلس محافظة صلاح الدين، بنزوح أكثر من (3800) عائلة من المحور الغربي بالمحافظة، بسبب المعارك الدائرة فيها، والقصف العشوائي الانتقامي الذي تنفذه القوات الحكومية على هذه المناطق.
وبعد دخول ميليشيات الحشد الشعبي إلى مناطق يثرب والضلوعية وعزيز بلد؛ رفض الحشد عودة النازحين إلى مناطقهم وطلبوا (فصولاً عشائرية) بمبالغ مالية خيالية، ولحد الآن لم يُسمح لهم بالعودة، على الرغم مما سميَّ وثيقة الصلح (الجائرة) بين المحافظ وآخرين وقادة ميليشيا الحشد.
وفي مناطق الدور وتكريت سُمح للعائلات بالرجوع إلى هذه المناطق، ولكن بشروط واستثناءات لبعض العائلات والأشخاص، ووضعت قوائم بأسماء الممنوعين من الرجوع إلى تلك المناطق، تقدر بعشرات الآلاف معظمهم من المشاركين في الاعتصامات الشعبية في المحافظات المنتفضة، على الرغم من أنهم مارسوا حقًا يُعد من الحقوق الشخصية والمدنية المكفولة في القانون الدولي.
وبلغت نسبة العائلات العائدة إلى مدينة تكريت بحسب تقديرات أهالي المحافظة 50%؛ حيث عادت مجموعة من العائلات من مدينة بيجي ومنطقة بلد، وسكنوا وسط تكريت؛ بسبب كون مدينة بيجي مدينة منكوبة وغير صالحة للسكن حاليًا، وذلك بسبب الدمار الهائل في البنى التحتية والبيوت السكنية فيها الذي قامت به غارات التحالف الدولي والقوات الحكومية والميليشيات.
وقد تعرضت العائلات عند عودتها إلى مدينة تكريت إلى الابتزاز من قبل الميليشيات والقوات الحكومية، فضلاً عن تعرض شباب هذه المدن إلى الخطف والقتل؛ حيث بلغ عدد المغدورين في إحدى قوائم الرصد، أكثر من 20 شابا، مما جعل أغلب العائلات تفضّل البقاء في مناطق النزوح، على الرغم من معاناتهم فيها من ضيق العيش، ونقص الغذاء والدواء الحاد. وغالب هؤلاء النازحين يسكنون في مخيمات أو هياكل أو بيوت الطين، بلا رواتب ولا أي دخل مالي، ومنذ سنتين يعيشون على المساعدات التي لا تكاد تسد رمقهم، وكثير منهم موجودون في بغداد وكركوك ونادرًا ما تتهيأ لهم فرص عمل، وتمر عليهم أيام كثيرة لا يجدون فيها أي فرصة للعمل.
وشهدت محافظة صلاح الدين بعد سيطرة القوات الحكومية وميليشيات الحشد الشعبي على مدنها؛ عمليات سلب ونهب، ونسف المئات من المنازل، وإحراق آلاف الدونمات من البساتين وتجريف المزارع، ولاسيما في المناطق القريبة من قضاء بلد ومناطق يثرب وعزيز بلد والإسحاقي والمعتصم.
ويتوزع المهجرون بين مخيمات (كركوك، أربيل)، والقسم الأكبر منهم استأجر دورا سكنية على الرغم من ارتفاع الأسعار، ويعزو سكان أهالي محافظة صلاح الدين سبب عدم عودتهم إلى مدنهم إلى سيطرة ميليشيات (الحشد الشعبي) على الوضع الأمني والعام، ويصفونهم بأنهم مدعومون من قبل الحكومة، وغير مسيطر عليهم في ظل غياب القانون.
ويأتي وضعهم المأساوي هذا نتيجة سياسة الحكومة تجاههم، فحالهم يرثى له، فالكثير منهم يشكو أمراضا مزمنة، وقسم آخر يعيل من يعاني من الإعاقة ولا مورد لهم، وهناك كثير من الأطفال تركوا الدراسة والتجأوا إلى العمل، ناهيك عن تفشي الأمراض والأوبئة في مخيمات النزوح.
ويأتي مسلسل التهجير هذا ضمن حلقات الاستهداف المستمر لأبناء المحافظات، التي خرجت ضد سياسة الحكومة الظالمة والأساليب الطائفية والتهميش وسياسة العقاب الجماعي، وتستغل الميليشيات الموجودة في محافظة صلاح الدين الأوضاع في مدينة الفلوجة والحرب الدائرة هناك؛ لتنفيذ مخططاتهم الطائفية بحق أبناء محافظة صلاح الدين في ظل غياب الإعلام وانشغال المجتمع الدولي بالحرب ضد (الإرهاب)، وهذا ما يوفر غطاءا واسعا لتنفيذ جرائمهم في حق أبناء المحافظة.
وبلغت نسبة المختطفين والمعتقلين من أبناء محافظة صلاح الدين أكثر من (1000) شخصا، منهم (249) مدنيا من قضاء الدور، بحسب مصادر رسمية من مجلس المحافظة حيث صرح (جميع هؤلاء الأشخاص اقتيدوا من قبل الحشد الشعبي بمختلف فصائله من مناطق كان يسيطر عليها تنظيم الدولة ولا يعرف عنهم وعن مصيرهم شيء لحد الآن).
قسم حقوق الإنسان
2016/6/19



