ما يزال الشرق الأوسط في طور إعادة إنتاج التحالفات الدولية على أرضه وعبر حروبه أو من خلال العملية الجارية لإعادة تشكيله.
ويبدو أن التحالفات التي نظر لها خلال الشهور الماضية، باعتبارها تغييرات مستجدة (أو ثورية) تقلب كل المعادلات المستقرة منذ نهاية الحرب العالمية الأولى ،تتغير هي الأخرى بسرعة ووفق أولويات غير متوقعة لتعيد إنتاج تحالفات جديدة مختلفة.
وباختصار، قد نرى روسيا ،تعود لتركيا في وقت ليس ببعيد، على حساب إيران والنظم الطائفية في العراق وسوريا، ونحن نتابع الآن روسيا وهي ترفع نفسها تدريجيا من مأزق التحالف والارتباط بهذا التحالف (الطائفي) الذي أدخلها في ورطة عداءاته على صعيد الراي العام العربي والإسلامي، بما يفتح الطريق مجددا لعلاقات غير عدائية مع تركيا، فيما قد نرى تركيا أقرب للابتعاد عن الأطلسي أو عن الولايات المتحدة وأوروبا بسبب الاندفاع الأمريكي الفرنسي - وأخيرا الألماني - في دعم القوات الكردية ، المموهة تحت عنوان سوريا الديموقراطية، وهو ما سيفتح الباب أمام تغييرات كبرى جديدة مختلفة عن التغييرات التي جرت خلال العام الماضي.
ويمكن القول بأن المنطقة تدخل الآن، مرحلة أشد خطرا وأقرب إلى أن تكون ساحة ارتطام أمواج عاتية، بسبب التغيير الملحوظ في الاستراتيجية الإيرانية من جهة، والتحضيرات الإسرائيلية الجارية لتدخلات علنية في مناطق تجري بها حروب داخلية، لحسم قضايا ترى إسرائيل ان حانت فرصة حسمها لمصلحتها استراتيجيا.
إيران تعيش اندفاعة استراتيجية بالغة الخطر في تأثيرها على العلاقات في الإقليم وعلى نمط الصراع القائم حاليا، إيران تبدو في وضع انتقال استراتيجي من تلك المرحلة التي اعتمدت فيها استراتيجية إنماء العنف وتشكيل الميلشيات وتفكيك الدول تدريجيا، إلى مرحلة الهجوم الواسع العلني بقواتها داخل الدول العربية، على خط يمتد من حلب إلى الفلوجة وربما هو ماثل أمامنا أيضا في محور صنعاء تعز باليمن.
هذا الخط الإيراني يطرح حالة ما على الجهة الأخرى من هذا الخط (الجانب الغربي)، وهنا يثار احتمال الحركة الإسرائيلية - على خلفية العلاقات مع روسيا وتصاعد الدور العسكري الأطلسي والأوروبي في المنطقة - باتجاه ما على الجانب الآخر من هذا الخط، ليطرح مصير دول ومصير مناطق من دول وعلى الأخص غزة وأراضي السلطة الفلسطينية ومناطق التماس معها، بل يمكن القول، بأن المنطقة الواقعة غرب خط حلب الفلوجة صنعاء وتعز ، ستكون منطقة الحركة الاستراتيجية المتوقعة من إسرائيل.
تلك الحالة الاستراتيجية الجديدة، ستولد طاقات واتجاهات مضادة لاشك في ذلك، فضلا عن أنها مرحلة تصيب إيران بالانعزال عن بعض حلفائها لتمارس حالة الانكفاء على مشروعها الاستراتيجي وحيدة، وهي مرحلة ستعيد طرح التحدي الإسرائيلي عربيا ولدرجة الخطر بحكم استناده لوجود قوات غربية على الأرض العربية.
وهناك على شواطىء ليبيا، تجري حالة مروعة من ارتطام الأمواج، فنحن أمام قرار باستباحة أية دولة للشواطىء الليبية بقواتها العسكرية، تحت عنوان حظر السلاح بالقوة.وغدا ستكون سواحل ليبيا في تلك الوضعية التي شهدناها حين جرى احتلال سواحل الصومال من كل من أراد في العالم تحت عنوان مكافحة القرصنة .تلك الحالة تجعل سواحل العرب على المتوسط - لا السواحل الليبية وحدها - ساحة حراك وصراع وتلاطم مصالح واحتكاكات فضلا عن أننا أمام استباحة الأرض لا البحر فقط، إذ من يحارب على السواحل سيمد دوره إلى الأرض وفق مقتضيات المطاردة الساخنة أو تجفيف منابع الإرهاب أو تعطيل وصول الهجرة غير الشرعية على الأرض قبل الوصول للبحر ..الخ.
أمواج متلاطمة عاتية لإعادة ترتيب التحالفات واحتمالات توسع الحروب باتجاه خلافات حول ترسيم الحدود ومناطق النفوذ والسيطرة.
