هيئة علماء المسلمين في العراق

الدم العراقي ارخص من البنزين: د. فاضل بدراني
الدم العراقي ارخص من البنزين: د. فاضل بدراني الدم العراقي ارخص من البنزين: د. فاضل بدراني

الدم العراقي ارخص من البنزين: د. فاضل بدراني

ترددت كثيرا في تناول مثل هذا الموضوع لانني ارفض اصلا اية مقارنة بالدم العراقي الطاهر من مبدا انساني بحت،واحتراما وتقديسا لأدامية الانسان ايا كانت جنسيته فكيف بالامر عندما يتعلق بدم العراقي الطاهر، فالنفس البشرية التي خلقها الله حرم قتلها وايذائها ولكن ما نراه ونتلمسه بشكل يومي هو عكس ما نقوله وندعو له، فالدماء الطاهرة تختلط مع فطورنا منذ الصباح. مشهد القتل يتراءى امامنا باستمرار وكأن ارض الرافدين غرست فيها ثقافة القتل والعنف منذ القدم، وكأننا نتجاهل او نتناسى عن عمد حقيقة اصل ثقافة البلد العريقة في الفنون الادبية والعلوم الصرفة والابتكارات العلمية الاخرى، عشرات واحيانا مئات يقتلون ومجرد ان تمر الساعات الاول والايام والاسابيع حتى تبقى ذكراهم في قلوب المحبين لهم دون سواهم، بينما حقوقهم على الوطن سرعان ما تضمحل، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بالحال ماهو ثمن هذه الدماء التي سالت في شوارع بغداد والفلوجة والبصرة والنجف ونينوى وديالى وغيرها؟؟ الدماء الزكية التي سالت اما بنيران الاحتلال او بسلاح جهات طائفية افتنها الاحتلال وادواته التامرية ليكون العنف عراقيا /عراقيا وبكل أسف نقول بالحالتين / عراقيا / بمعنى اخر قتال عراقي في اطار العنف الطائفي وهي من مؤشرات الحرب الاهلية التي يريدها الاحتلال واعداء العراق وباتت على الابواب.

كلمات سقتها بمقدمة قد تحمل مشاعر العتب والحزن والاسى معبرة عن مكنونات قلبي الحزين على الحبيب والمفتون بحب العراق وشعبه العريق ولكن، ولكن أخاطبك ايها القاريء الكريم ملتمسا المعذرة فان اليوم العشر من اب / اغسطس مرت الذكرى الاولى على استشهاد شقيقي عبد القادر حيث غادرنا والتحق بسرب الشهداء الابرار الى عليين ان شاء الله، واسمح لي ان اقول عنه كلمة، شهيد، لانه مات مظلوما وهو شاب ابن ال 31 ربيعا تاركا وراءه ثلاث اطفال كالفراشات التي فقدت روض الورد وذبلت فلا يعوض الطفل الا أبويه بعد الله، لذلك اتساءل ما المعيار الذي يجعلنا نقول عنه وعن غيره بالقتيل ؟؟،وسائل الاعلام ومنها الفضائيات والصحف عودتنا ان نصف ضحايا ملحمة العراق بـ / القتلى / ولكن أي ضحية في أي منطقة اخرى تسميه بـ / الشهيد/ فحتى هذه التسمية التي بالحقيقة لا تقدم ولا تؤخر سوى معنويا من ناحية اكرام الموتى المظلومين لم ينصفنا بها الاخرون وسجلت من قبل المراقبين في العراق وخارجه انحياز الاعلام للاحتلال الظالم على حساب العراقي المظلوم.

استشهد عبد القادر وهو ليس الوحيد الذي سال دمه لاكثر من مائة متر حتى وصل المستشفى قبل ان يلفظ انفاسه الاخيرة ويودعنا بكلمات ما اقساها عذابا على قلبي وعيوني التي تفيض منها الدموع كلما تذكرتها/ سلامي على اولادي / حتى ختم حياته والحمد لله بكلمات الايمان رافعا اصبعه وهو يؤدي الشهادة لمرات عدة لتكون مسك الختام لحياة مليئة بالعذاب بين تعلم حرف الالف وكلمات الدار والدور والنظريات وتاريخ العراق والعرب والكيمياء وروتين الوظيفة وهموم مهنة البحث عن المتاعب التي طالما احبها وعشقها منذ الصغر حتى انخرط بها، وينتابني شعور كلما أمر من المكان الذي حصل فيه الحادث الجلل كأني ارى دم شقيقي عبد القادر واشم رائحته،وحين اتذكره يتدفق من تاثير رصاصة امريكية، عشوائية، اخترقت جسده في كل زمان ومكان، فارق الحياة وهو عراقي اصيل يحب بلده ودرس واجتهد وتعلم واصبح في خضم المسؤولية لا يحب سوى العراق ارضا وسماءا، وكما يعرف الجميع ان القتل العشوائي الامريكي اصبح حالة مألوفة ربما خسرنا ثلث شهداء العراق بهذه الطريقة، والبعض يقول ان الموت العشوائي قد يكون- عزرائيل- قابض الارواح.

على اية حال في كل مرة تجلس العائلة على مائدة الاكل ارى عبد القادر جالس بيننا فهو في الوجدان والمشاعر ولمجرد استعادة ذلك اليوم الذي دفن فيه اقول ان خناجر تدخل قلبي واتحسس قلبي ينزف دما والم يعصره ليس له وصف يذكر سوى من فارقه عزيز فانه يتلمس ذلك العذاب.

في ظل هذا الشعور الانساني وخلجات القلب الغريبة بحزنها اقول ان عزائي وعزاء عائلتي هو الرحمة لفقيدنا الغالي والحبيب،ومن ثم نعده فداء للوطن ولاهله الاخيار الذين أحبوا العراق ورفضوا الذل والانصياع للاستكبار الغربي المتوحش.

كم هو عزيز على قلبي فان دمه الزكية التي ابت وابت ان تصل الى أي مكان فيه لوثه وشدخ لسمعة الوطن الغالي هدية من عائلتي لاسم العراق وعساها ان ترسم خارطة الوطن كلماتها الحمراء فيها تحذير لمن يريد اجراء تغيير في جغرافيته.

من منا يريد لاخيه او ابيه او ابنه او أي عزيز له الموت او الفراق الابدي،واقسم بدم اخي الراحل ابي أنس انه بقدر ما هو عزيز وحبيب وغالي فان فقدانه أهون علي بكثير من خسارة الوطن.

احيانا نطلق الكلام شفاهة ولكن في تطبيقاته الموضوعية يكون صعبا علينا التنفيذ، نقول اننا في العراق اخوة عراقية واحدة الا اننا لم نقف ولو لمرة واحدة بوجه من يريد ان يشتت وحدتنا الوطنية ويقتل على الهوية ولكي اكون قريبا في كلامي من الواقع اقول ان البنزين الذي وصل سعره اليوم 40 الف دينارعراقي لكل 20 لتر في بلد البترول، فلم يسجل دم العراقي منذ ثلاث سنوات سوى سعر لتر بنزين عند الاحتلال واعوانه، لكننا نتظاهر وباحساس الانسان العراقي الحقيقي امام مصيبتنا ونقول ان دم العراقي هو الاثمن بالحياة ولا يوازيه ثمن في الدنيا سوى اسم العراق.


د. فاضل بدراني

أضف تعليق