هيئة علماء المسلمين في العراق

رمضان نفحة ربانية ألا فتعرضوا لها .. د. حسن سعيد
رمضان نفحة ربانية ألا فتعرضوا لها .. د. حسن سعيد رمضان نفحة ربانية ألا فتعرضوا لها .. د. حسن سعيد

رمضان نفحة ربانية ألا فتعرضوا لها .. د. حسن سعيد

استبشرت القلوب، وتهللت الوجوه، لمقدم هذا الشهر العظيم، الذي يعد نفحة من نفحات الكرم الإلهي لأمة الإسلام، فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (افْعَلُوا الخَيْرَ دَهْرَكُم، وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ الله، فَإِنَّ للهِ نَفَحَاتٍ مِنْ رَحْمَتِهِ يُصِيْبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَسَلُوا اللهَ أَنْ يَسْتُرَ عَورَاتِكُم، وَأَنْ يُؤَمِّنَ رَوْعَاتِكُم) [رواه الطبراني بإسناد حسن]، وقد عدّ العلماء هذا الحديث سبباً لتهنئة وتبشير المسلمين بعضهم لبعض بمقدم هذا الشهر المبارك، يقول الإمام ابن رجب الحنبلي (رحمه الله) في تعليقه على هذا الحديث: (هذا الحديث أصل في تهنئة الناس بعضهم بعضاً بشهر رمضان، كيف لا يُبشَّر المؤمن بفتح أبواب الجنان؟! كيف لا يُبشَّر المذنب بغلق أبواب النيران؟! كيف لا يُبشَّر العاقل بوقت يُغَلُّ فيه الشيطان؟!) وهذا الذي ذكره الإمام (ابن رجب) هو بيان لقول النبي (صلى الله عليه وسلم): ( قَدْ جَاءَكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ، افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَه، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّة، وَيُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيم، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِين، فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْر، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا قَدْ حُرِمَ ) [رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح]. 


إن شهر رمضان يمثل تحولاً متجدداً ومهماً في حياة المسلمين في كل عصر، فهو محطة تصفية وتنقية وتزود بالخيرات، فهو يصفي المسلم من كدورات الذنوب، وشوائب المعاصي، التي علقت به مدة سنة انقضت من عمره، وهو غارق في الذنوب، ومستغرق في المعاصي، فلا يكاد رمضان ينقضي في أيامه، حتى يُخرج المسلم الصائم القائم إلى الحياة بعده كيوم ولدته أمه، صافي الفطرة، أبيض الصحيفة، كما أن رمضان ينقي المؤمن تنقية قلبية وبدنية، فيمسح بنفحات الله فيه كل هم وحزن أصاب قلب المسلم في سَنته الماضية، وتنعكس هذه التنقية القلبية على سائر الجسد كله، فتشذب أخلاق المسلم، وتجمل تصرفاته وأفعاله، وهذا ما يلاحظ على المسلم الصائم، الملتزم بمعاني صومه حق الالتزام، وأما التزود بالخيرات في رحاب بركة الله في هذا الشهر الكريم فهو ميدان يتنافس فيه المتنافسون، وفي هذا الميدان تتنوع مجالات الخير التي تعود بنفحات الأجور العظيمة والمغانم الكبيرة على المسلمين، ويتفاوت الساعون في هذا الميدان، على قدر المكاسب الإيمانية التي يجنونها من مجالات الخير، فالمسلم في هذا الشهر العظيم كالتاجر الحاذق، الذي تعرض عليه الأنواع العديدة من ألوان التجارة، التي تدر عليه بالربح الوفير، فهو يغنمها جميعها ولا يفوت أي مكسب تجاري منها، لكنه يجعل القسم الأكبر من جهده وخبرته على النوع الذي يعود عليه بالربح الأوفر، وهكذا ينبغي أن يكون المسلم في تعامله مع ألوان الطاعة في شهر رمضان، حيث النفحات الربانية التي تحفه من كل جانب، ففي رمضان نفحة مغفرة عامة وشاملة تكون لمن حسُن صيامه وقيامه، فقد قال النبي: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) [رواه البخاري ومسلم]، وقال أيضاً: (مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) [رواه البخاري ومسلم]، فالمسلم التاجر الذي يغنم أفضل وجوه الصيام والقيام، فيمسك عن الطعام والشراب والشهوة الحلال في نهار رمضان، ويجعل جوارحه تمسك عن معصية الله، ويمسك قلبه عن الانشغال بغير الله تعالى، فيصل بهذا إلى أعلى مراتب اغتنام نفحات الخير في هذا الشهر، ولا يفتر عن عظيم هذه النفحات في العشر الأواخر منه، وبالأخص عن أعظم نفحة ربانية فيه، وهي ليلة القدر، التي قال الله تعالى في بيان مكانتها: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [سورة القدر:3]، وقال الرسول (صلى الله عليه وسلم) في بيان عظيم نفعها: (مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) [رواه البخاري]، إن نفحات المغفرة هذه تحمل معها نفحات رحمة إلهية في رمضان، تتنزل هذه الرحمات على أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته، الذين يتلون القرآن آناء ليل رمضان وأطراف نهاره حق تلاوته، فيكون لهم شفيعاً عند الله تعالى، وفي ذلك يقول النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم): ( اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ ) [رواه مسلم].


إن مغانم المغفرة والرحمة في شهر رمضان، تجتمع لتكون مفتاح عتق للمسلم من النيران، فلا يخرج آخر يوم من رمضان، حتى يلبس المسلم الطائع لله تعالى تاج الفوز بالجنان والنجاة من النيران، إن هذا الفوز العظيم إنما يكون باغتنام النفحات الربانية، التي جعلها الله في هذا الشهر الكريم، ألا فتعرضوا لها.


للاطلاع على صفحة القسم العلمي في الفيسبوك يرجى فتح الرابط الآتي:


https://www.facebook.com/AmsiScientific/posts/1566763876951516:0


.




أضف تعليق