هيئة علماء المسلمين في العراق

حدود العولمة... أم ترسيم حدود أمريكا؟ - محمد البصيرى العكرمى
حدود العولمة... أم ترسيم حدود أمريكا؟ - محمد البصيرى العكرمى حدود العولمة... أم ترسيم حدود أمريكا؟  - محمد البصيرى العكرمى

حدود العولمة... أم ترسيم حدود أمريكا؟ - محمد البصيرى العكرمى

فى لقاء لعله كان الأول والأخير، وجمع بين رئيس تنزانيا السابق جوليوس نيريري، والرئيس الأمريكى السابق هو الآخر، رونالد ريغن، ولعل ذلك كان فى بداية الثمانينات من القرن الماضي- قال صاحب البيت الأبيض لصاحب دار السلام، بنبرة تنطوى على قدر كبير من التباهي: إذا كنا حازمين وعمليين، فلابد أن ننجح.. فهكذا علمنا أسلافنا . فما كان من نيريرى إلا أن رد عليه ساخرا: حقا، وأسلافنا نحن أيضا علمونا ذلك، ولكنهم رغم هذا، هلكوا جوعا .
وقبل ريغن بسبعة عقود، قال تيودور روزفلت يصف سياسته: حافظ على ابتسامتك ملء وجهك، واحمل هراوة غليظة وراء ظهرك .
والذى يجمع بين ما تفضل به ريغن على ضيفه الإفريقى من درس بليغ وبغاية الإيجاز، وما باح به سلفه روزفلت الأول من توجيه سديد لمن ألقى السمع وهو شهيد، أن الأول لم يبين لنا أو يذكر شيئا عما ينبغى أن يكون فيه الحزم والعمل الجاد الضامنان للنجاح أسوة بالأسلاف؛ أما الثاني، فلم يقل شيئا عمن يجب الابتسام فى وجوههم وإخفاء الهراوة الغليظة عنهم.. أو ليست الابتسامة فى وجه أخيك صدقة؟ بلي.. هذا صحيح تماما. ولكن ماذا عن الهراوة الخفية عن الأنظار..؟ وأين الحد الفاصل بين الظاهر والباطن، بين المتحرك والساكن؟
المشكلة أو المعضلة بتعبير أصح، هى أن أمريكا، ونقصد هنا الولايات المتحدة التى عاصمتها واشنطن دي.سي، لم ترسم حدودها بعد، بل هى تصر على أنها لا تتقيد ولا تخضع لأى حدود، ونعنى هنا المفهوم الشرعى والجزائى للفظ، كمصطلح فقهى -قانوني- يقصد به جملة القيود والعقوبات التى تسلط على المذنبين والمخالفين لأحكام السلوك القويم المتواضع عليه بين البشر، أو ما نزلت به الشرائع السماوية من الأوامر والنواهي، كالوصايا العشر فى صحف إبراهيم وموسى عليهما السلام.
على أن مفهوم الحدود فى الحيز الجغرافى ظل مفهوما مفتوحا للتوسع والتمدد بالنسبة للفاتحين الأوائل لأمريكا الشمالية. وقد اتخذ أشكالا عدة وحفت به أحداث وتطورات وملابسات شتي، من بينها التنافس المحموم بين أولئك الغزاة ، الذين ظلت موجات زحفهم تكبر وتتوسع دون هوادة من الشمال إلى الجنوب، ثم من الشرق إلى الغرب حيث بلغ التوسع مداه بالوصول إلى شواطئ المحيط الهادي.. ولابد هنا من الإشارة إلى تراث الوسترن الذى يزخر بكل أنواع السلب وأشكال الإبادة والعبث بالغابات، وكذلك سعار التنقيب عن خام الذهب والفضة وكل ما خف حمله وغلا ثمنه..
أما بالنسبة للحدود مع سكان البلاد الأصليين، فإنها ظلت مفتوحة هى الأخري، ولكن على حرب إبادة ضد الهنود الحمر والاستيلاء على أراضيهم، ومن بقى منهم على قيد الحياة، وهم قلة- وجدوا أنفسهم محشورين ومحاصرين فى محميات ، شأنهم شأن الحيوانات المهددة بالانقراض. ثم إن الحدود بين الفاتحين البيض أنفسهم شهدت صراعا محموما من أجل اقتسام ثروات الهنود المنهوبة والاستحواذ على الذهب فى المواقع التى يظن العثور عليه فيها واستخراجه منها... واستمرت مغامرات الغرب الأقصى FarWest تمثل فعلا متسيبا فى مجال مفتوح لا يعرف حدودا، ويضفى على هذه الملحمة العنصرية طابع الجبروت والعظمة حيث البقاء للأقوي، وليس الأصلح- فى حرب ضروس دارت رحاها بين الجميع وضد الجميع.
وهكذا تفشت وسادت ظاهرة العنف الدموى بلا حدود ، والذى كان يباركه رياء دينى من الطهورية المسيحية التبريرية، بما أسهم إلى حد بعيد - فى تكريس العنف كسمة بارزة فى التاريخ الأمريكى منذ بداياته الأولي، وظل على الدوام يتعزز بالاعتقاد فى فكرة الشعب المختار ، وهى الفكرة التى استندت إليها شرعية الجريمة الكبري، جريمة استئصال سكان البلاد الأصليين وانتزاع أراضيهم وسلب ثرواتهم... وهذا إنما كان بهدى من النموذج التوراتى الذى كان بطله يشوع حيث أوكل رب الجنود لشعبه المختار شعب إسرائيل مهمة إبادة أهل البلاد الكنعانيين والاستيلاء على أراضيهم، تنفيذا لوعد يهوا -Jehovah" إله بنى إسرائيل الخاص بهم.. وهو الاعتقاد الذى ولدت منه فكرة اليهود كشعب مختار وهم الأعلون، فى مقابل الأغيار أو الجويم ، وهم فى أسفل السافلين، بل وفى درجة البهائم ولو اتخذوا أشكال وصور الآدميين... فالرب هو الذى ميز بين خلقه وحدد الدرجات، فرفع من رفع ووضع من وضع... ومن ثم، فإن استئصال الأغيار الوضيعين كان مهمة مقدسة لا محيد عنها ولا حدود لها.
وفضلا عن النفاق الدينى وما ألبس من بدع وخرافات توراتية ، فإن إعلان استقلال الولايات المتحدة -4 يوليو-تموز 1776-، والذى يستهل بهذه الفقرة الرائعة: يولد كل الناس متساوين، وقد وهبهم الخالق حقوقا غير قابلة للتنازل عنها: حق الحياة وحق الحرية وحق السعى من أجل السعادة ، هذا الإعلان يظل فى حقيقة الأمر مثالا صارخا للنفاق، ولاسيما فيما يتعلق بمفهوم الحرية، وهى التى استوجبت الاحتفاظ بالعبيد السود فى وضع الرقيق المحرومين من كل حقوقهم كبشر على مدى قرن كامل، بعد صدور إعلان الاستقلال و الحرية ، بما احتاج إلى حرب أهلية طاحنة استمرت خمس سنوات وانتهت فى 1865، ولكن تحرير العبيد ذاك، ظل مجرد شعار أجوف، واستمرت التفرقة العنصرية على أشدها، وإن غلفت فى أغلب الأحيان بمظاهر زائفة وألوان خادعة تنطوى على رياء مفضوح وجد له صيغة عجيبة غريبة من نوع متساوون ولكن كل على حدة ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك.
أما عن الهنود، فإن نفس الإعلان وصفهم بالمتوحشين الذين لا يعرفون الرحمة والمولعين بإشعال نار الحروب وارتكاب المجازر بذريعة الدفاع المشروع عن النفس: وقد ذكر سيمون بوليفار الزعيم التحررى فى أمريكا اللاتينية فى القرن التاسع عشر- يبدو أنه كان على الولايات المتحدة أن تقوم بتعذيب وإذلال القارة باسم الحرية .
وهكذا استمرت السياسة الأمريكية منذ ذلك الحين، تسير بثبات على هذا النهج بدافع من الخطيئة الأولى التى ارتكبت بحق الهنود الحمر والعبيد السود.
بيد أن التعبير الأبلغ عن نزعة اللاحدود التى تغلغلت واستوطنت فى أعماق أولئك الفاتحين للعالم الجديد الذى اسمه أمريكا، وهو ما أسماه وودرو ويلسون واجبنا الخاص تجاه الشعوب المستعمرة، أى أن نعيد إليها النظام والسيادة، وندربها على احترام القانون ونعودها على التقيد به ... ثم يمضى ويلسون فى شرح الدور الذى يجب أن تضطلع به القوة الأمريكية فى هذا المشروع الاستراتيجى الذى يشمل العالم بأسره -العولمة...- انطلاقا من مبدأ أن التجارة ليس لها حدود قومية، ولأن الصناعى يريد امتلاك العالم من أجل الأسواق، فإن علم بلاده لابد أن يتبعه حيثما ذهب.. وعلى الأبواب المغلقة للأمم والشعوب الأخرى أن تخلع، وعلى حكومة الولايات المتحدة أن تحمى امتيازات أصحاب رؤوس الأموال، حتى ولو أدى ذلك إلى انتهاك سيادة الأمم الأخرى المتمردة ، يجب إنشاء المستعمرات أو الحصول عليها، بحيث لا نهمل أو نتغاضى عن أصغر زاوية فى العالم ... هذا بالحرف ما تفوه وباح به الرئيس الأمريكى الذى اشتهر بنقاطه الأربعة عشر فى نهاية الحرب العالمية الأولي، ولاسيما ما يتعلق منها بحرية الشعوب فى تقرير مصيرها ... وهو الرئيس ذاته الذى بدأ ولايته بغزو المكسيك وجزيرة إسبانيولا -هايتى والدومينيكان-، وقتل جنوده ونهبوا سكان تلك البلاد وفرضوا عليهم حالة شبيهة بالرق، كما قوضوا النظام السياسي، وساعدوا المستثمرين الأمريكيين على وضع أيديهم على ثروات البلاد وسلب خيراتها بأبشع أساليب النهب و الاستغلال.
وحتى الحرب العالمية الأولي، اقتصرت أعمال السلب والنهب على حدود القارة الأمريكية، وكان الحرص كل الحرص هو تقويض المساعى الأوروبية الرامية إلى توسيع السيطرة على بلدان العالم الجديد، اقتصاديا وعسكريا... وهكذا كان طرد بريطانيا وفرنسا وإسبانيا من أمريكا الشمالية وانتزاع ممتلكاتها فى القارة. وقال الرئيس مونرو فى رسالة بعث بها إلى الكونغرس فى 2 ديسمبر-كانون الأول 1823، إن المبدأ الأساسى لهذه السياسة هو إقصاء الهنود والزنوج وأوروبا ، ثم لخص هذا المبدأ فى عبارة واضحة وجافة: للأوروبيين القارة القديمة وللأمريكيين القارة الجديدة ...وعملا بهذا المبدأ، انتهز مونرو حادث تفجير سفينة حربية فى ميناء هافانا لشن حرب ضد إسبانيا، انتهت بالاستيلاء على بورتوريكو والفلبين وكوبا.
ولولا تعرض المصالح الاقتصادية الأمريكية للخطر المتمثل فى نسف البواخر التجارية التى واصلت نشاطها خلال الحرب مع موانئ بريطانيا، ولولا الوعد الذى قطعه الوزير الألمانى تسيمرمان Zimmermann بتشكيل حلف مع المكسيك ضد الولايات المتحدة، تستعيد المكسيك بموجبه ممتلكاتها السابقة الضائعة، تكساس، كاليفورنيا، أريزونا، نيومكسيكو، فلوريدا الخ...لولا هذه التهديدات الجدية، لما خرجت الولايات المتحدة عن عزلتها حسب مبدأ مونرو الشهير، ولما تدخلت فى الحرب العالمية الأولي. ولابد هنا من الإشارة إلى مغزى التاريخ الذى زجت فيه أمريكا بنفسها فى الحرب، وهو 1917، أى بعد مضى سنوات ثلاث على اندلاعها.
وقد شهدت سنوات 1921-1924 اتخاذ تدابير صارمة للحد من موجات الهجرة إلى الولايات المتحدة، وأخذت تتصاعد ظاهرة إرهاب العصابات من نوع كوكلوكس كلان، والتى أشاعت الرعب فى أوساط المهاجرين الملونين وخاصة فى مناطق الجنوب، وأصبح الهم السياسى بالدرجة الأولي، هو تقويض أى نظام اجتماعى يتعارض مع التوسع الاقتصادى الأمريكى بشتى الوسائل المتاحة وغير المتاحة. أما الشيوعية والاتحاد السوفييتى الناشئ، فهما العدو الذى لابد من بذل كل الجهود لمحاصرته حتى لا تنتشر عدوى الاشتراكية الماركسية فى الآفاق. وهيمن على أوروبا الغربية رعب مماثل. وكان لابد أن يتجه الأمريكيون إلى إسناد وحماية أعتى المستبدين والطغاة باسم الدفاع عن الحرية، وهى فى الحقيقة، حرية الباب المفتوح على مصراعيه أمام الزحف والتوسع الأمريكى بلا حدود ولا حواجز تقف فى سبيله.
وفى الحرب العالمية الثانية، تهربت الولايات المتحدة من مهاجمة ألمانيا الهتلرية مباشرة. ولم يحصل ذلك إلا فى شهر يونيو 1944، والقوات النازية آنذاك باتت تعانى من الهزيمة التى تكبدتها فى بداية ذلك العام -يناير 1944-، عندما تحطم الجيش الألمانى فى ستالينغراد على الجبهة الروسية . وكانت المقاومة فى بلدان أوروبا التى احتلها النازيون، قد نجحت إلى حد كبير فى إنهاك واستنزاف القوات الألمانية، والتى كانت مشتتة على جبهات واسعة جغرافيا ولوجيستيا بين أقصى الشرق فى روسيا إلى أقصى الشمال والغرب بين النرويج وفرنسا وإيطاليا وشمال إفريقيا، فى حين كان الأسطول الحربى الألمانى بغواصاته الرهيبة يتلقى الضربات القاصمة فى البحار والمحيطات، شرقا وغربا، شمالا وجنوبا..
صحيح أن الولايات المتحدة بدأت مشاركتها فى الحرب بعد الهجوم الجوى اليابانى الصاعق على بيرل هاربر -7 ديسمبر-كانون الأول 1941-، ولكن المسالة بالنسبة إليها بدت أول الأمر بمثابة الهجوم المضاد دفاعا عن النفس وعقابا للمعتدين على جريمتهم الغادرة النكراء؛ ولعلها كانت هى المناسبة التى حركت شهوة التوسع الأمريكى الذى حدت الأزمة الاقتصادية الكبرى بداية من 1929 من غلوائه، بعد الحرب العالمية الأولي.
أما الموقف الأمريكى من ألمانيا النازية بزعامة أدولف هتلر، ومن إيطاليا الفاشية بزعامة الدوتشى موسوليني، فقد ظل لسنوات موقفا إيجابيا. ففى عام 1933 أثنى الرئيس روزفلت على موسولينى واصفا إياه بالسيد الإيطالى الذى يثير الإعجاب ، وجاء فى تقرير لوزارة الخارجية الأمريكية ما مفاده أن الحركة الفاشية أصبحت هى روح إيطاليا، التى فرضت النظام فى وسط الفوضي، والمبادئ فى وجه التجاوزات، وحلت معضلة الإفلاسات .
وحدث الشيء نفسه مع الفوهرر الألمانى هتلر. ففى 1933 أيضا، تضمن تقرير للقائم بالأعمال الأمريكى فى برلين، بعث به إلى وزارة الخارجية فى واشنطن، ما يلي: إن الأمل المعقود على ألمانيا ينبغى أن يعلق على الجناح المعتدل فى الحزب الذى يقوده هتلر... وهو الذى وجه دعوة إلى التعاون بين جميع الناس المتحضرين والعقلاء .
وبما أن قوات المحور لم تهاجم أمريكا بعد غارة بيرل هاربر اليابانية، فقد استمر الموقف الأمريكى من الفاشية والنازية على حاله دون تغيير. فهل تغيرت حدود هذه السياسة الأمريكية بعد الحرب؟ أبدا. كل ما فى الأمر أنها اتخذت شكلا جديدا. وهنا نترك للوثائق السرية التى كشف النقاب عنها، وأشارت إليها كتب عديدة مثل أكاذيب عصرنا لمؤلفه ديفيد ماك ميتشل، وكتاب انفجار لكريستون سيمبسون -وقد صدر فى 1988-.
ففى إيطاليا، لم تتردد حكومة الولايات المتحدة فى دعم الملك الإيطالى الذى تعاون مع النظام الفاشي، وحرصت على فرض ديكتاتورية الماريشال بادوغليو، وذلك على غرار ما كان فعله روزفلت من قبل عندما نصب فى 1942 الأميرال دارلان، لا الجنرال ديغول، على الجزائر. وكان الغرض هو الحيلولة دون وصول المقاومة ضد الفاشية إلى مقاليد السلطة، لاسيما وأن الشيوعيين الإيطاليين كان لهم دور فاعل بل وحاسم فى صفوف هذه المقاومة وفى صمودها.
ونقرأ فى كتاب أكاذيب عصرنا الذى أشرنا إليه آنفا، ما يلي: منذ أن تسرب التقرير المعروف باسم تقرير بايك فى 1976 إلى الكونغرس، بات واضحا مدى تدخل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA فى الحياة السياسية الإيطالية... وقد تعلق الأمر بتقديم مساعدات مالية -خمسة وستون مليون دولار- لأحزاب سياسية مرضى عنها، وإلى شركاء لها، بين 1948 وبداية السبعينات .
أما فى كتاب انفجار فنقرأ: قامت أجهزة التجسس الأمريكية، والأجهزة المعادية للمقاومة، بتجنيد مجرمى حرب نازيين كبار، مثل كلاوس باربى الذى يعتبر بدون شك، الأكثر شهرة بينهم .
وعمل النائب العام الأمريكى ماك كلوى على إطلاق سراح مجرم حرب نازي، أسوأ حتى من باربي، وكان يطلق عليه اسم فرانز 6. والذى كان يعمل تحت إمرة رينارد غيلن الذى أوكلت إليه مهمة تشكيل جيش سرى ، تحت الرعاية الأمريكية، وبالتعاون مع أعضاء قدامى فى جهاز الأمن النازى واختصاصيين آخرين فى جهاز قوات الدفاع الوطنى النازية، والذين كانوا قد قدموا العون للقوات العسكرية الميدانية التى وضعها هتلر فى بلدان أوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي، وساعدوا بعد انتهاء الحرب فى عمليات استمرت حتى أعوام الخمسينات. وكان غلين نفسه رئيسا للاستخبارات العسكرية النازية فى أوروبا الشرقية، وقد عهد إليه فيما بعد، فى الدولة الألمانية الجديدة، بمنصب مدير إدارة التجسس والتجسس المضاد، تحت مراقبة صارمة من المخابرات المركزية الأمريكية .
وأخيرا وليس آخرا، لابد للمرء أن يتساءل: أين تقف حدود أمريكا؟ وهل إن العولمة هى الترسيم النهائى لهذه الحدود؟
أسئلة تظل فى حاجة إلى نظر وتمعن عميقين. على أن الثابت والأكيد هو أن للولايات المتحدة التى عاصمتها واشنطن، مفاهيم خاصة جدا لهذه الحدود، بمضامينها المادية -الجيواستراتيجية- والفقهية بمعناها القانونى والذى شرحناه بعجالة فى بداية هذا الحديث، ولعل خير تعبير عنه هو رفض أمريكا لأحكام معاهدة كيوتو للحد من الاحتباس الحرارى فى العالم، وكذلك رفضها المستمر والعنيد لتسوية عادلة فى الشرق الأوسط، وهو ما يجعلها تصر على فرض إرادتها ورغباتها الجامحة المتعسفة على مجلس الأمن فى حالات كثيرة فى غاية الأهمية والخطورة بالنسبة للأمن والسلام فى العالم: النزاع العربى الإسرائيلي، العراق، إيران وسوريا ولبنان الآن... وأمريكا التى عاصمتها واشنطن كما قال مؤخرا بول كريج روبرتس - أصبحت رهينة بيد زمرة من المحافظين الجدد الحمقي، وعلى رأسهم المسمى جورج و.بوش، الذى وصفه روبرتس بالقميء . وهؤلاء جميعا باتوا عبيدا يخضعون لرغبات وشهوات الصهيونية، وجعلوا من الولايات المتحدة دمية تحركها إسرائيل كما تشاء، ومتى شاءت. وهذا أمر سيلحق بأمريكا اللعنة والعار الذى سوف يلازمها أبد الدهر. هكذا قال روبرتس بالحرف فى مقال له مؤخرا بعنوان من العار أن يكون المرء أمريكيا . فمتى يقام الحد على هذه الأمريكا السادرة فى غيها، الوالغة فى الجريمة حتى الثمالة، وفى سياسات هذه الزمرة من المحافظين الجدد الذين أخذتهم العزة بالإثم، فهم فى غيهم يعمهون ؟
إن جورج و.بوش وفيّ، دون شك، لسلفه تيودور روزفلت صاحب نظرية الابتسامة والهراوة. ولكن يبدو أن القميء بوش كما وصفه روبرتس، قد زاد من غلظة الهراوة، ولكن من هشاشتها أيضان وهذا ما تثبته الوقائع والأحداث فى حروب أمريكا اليوم فى أفغانستان والعراق، وفى ما تسميه الحرب على الإرهاب ، وفى حرب الوكالة التى تشنها إسرائيل ضد الفلسطينيين واللبنانيين. فرغم حجم الهراوة الأمريكية الذى ازداد كثيرا منذ عهد روزفلت الأول، فإنها ازدادت وتزداد هشاشة كل يوم. أما الابتسامة فقد أصبحت على وجه السيد جورج و.بوش تكشيرة منفرة وبغيضة لا تعبر إلا عن غباء صاحبها وريائه، وهو ما بات يزيد من عزلة تلك الولايات المتحدة التى عاصمتها واشنطن، والتى ما انفكت تفقد صورتها التى كانت تبدو جميلة لبعض الوقت فيما مضي.


كاتب ومترجم تونسي

أضف تعليق