هيئة علماء المسلمين في العراق

شرخ أوسط جديد - د. معمر الفار
شرخ أوسط جديد - د. معمر الفار شرخ أوسط جديد -  د. معمر الفار

شرخ أوسط جديد - د. معمر الفار

ما أبعد أبراهام لينكولن عن السياسة الراهنة للولايات المتحدة، على الأقل، في قوله الشهير «رغبتي في ألا أكون عبداً تساوي رغبتي في ألا أكون سيداً، ذلك هو تصوري للديمقراطية، أما ما عدا ذلك فليس له أية علاقة بالديمقراطية». ذلك ما يقوله الأجداد عادة ويكذّبه الأحفاد. اختفاء الاتحاد السوفييتي، جعل الولايات المتحدة الأميركية تنفرد كقوة عظمى وحيدة تروج لمقولة «نهاية التأريخ».
استطاع المحافظون الجدد في الولايات المتحدة بفاعلية صياغة نظام عالمي جديد يتمحور حولها، كقطب رئيسي ومحرك. وانصبت جهودها لبناء تكتلات جديدة تعطي العولمة مفهوماً خاصاً من خلال توظيفها لخدمة عقيدة عسكرية هجومية متعجرفة.
فعلى شخير شرطيها في القرية الصغيرة المسكونة بالخوف المعشش في شوارعها وحاراتها وتحت الأرض، مما يجري أو يحاك سراً وعلانية، فتطايرت حمم شخيره إلى الشعب اللبناني، فأصبح يقتل البشر ويحرق الشجر ويدمر الحجر، وبمشيئة آلة العدوان الصهيونية، وعلى هواه. كل ذلك باسم القضاء على المقاومة المشروعة وعلى مرأى المجتمع الدولي، ومسمعه الذي يغط في نوم مصطنع ومفبرك.
استدار إلى الجهة الأخرى فكانت المقاومة الصامدة، وما زالت ذريعته الجنود المأسورين ومقاومة حزب الله. ومع ذلك لم يتوقف زحف القتل والتدمير والحرق والسلب وزرع العملاء بين أبناء الوطن الواحد، امتدت أيديهم لتدمير ونسف سيمفونيات الرحابنة وأغاني فيروز ومارسيل بكل ما فيها من ثورة وفرح وقيم وحرية وفضيلة.
إنهم الإرهاب المنظم بعينه. لكن من يقوى من سكان القرية على البوح بذلك، حتى في أحلامه. الصغيرة!!
صحيفة أميركية أعلنت عن تنسيق إسرائيلي أميركي في مرحلة ما قبل الحرب على لبنان لتفتيته وشرخه. هذا الإرهاب البشع والنازية الرهيبة التي تعلن عن نفسها في ارتكاب مجازر جماعية تثقل الضمائر وتهز المشاعر الإنسانية.
إن إسرائيل دمرت لبنان المستقل والذي هو عضو في الأمم المتحدة، وأزالت مدناً وقرى يسكنها بشر لهم عقول وقلوب، لهم آمال وأحلام ومشاعر وحريات، ونكثت عهوداً ومواثيق وانتهكت بوقاحة القوانين والأعراف الدولية، ولم تحترم أياً من قرارات مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة. وما زالت مستمرة في عدوانها الآثم وممارساتها البشعة ضد الشعب اللبناني، وهي تلقى دعماً مادياً وعسكرياً ومعنوياً لا حدود له من قبل الولايات المتحدة الأميركية وتحظى بحماية من أي شكل من أشكال الشجب أو الإدانة لأعمالها في مجلس الأمن وكذلك من أية عقوبات، مما يشجعها على الاستمرار في الغطرسة وارتكاب المزيد من المجازر وقيادة الإرهاب المنظم ضد الشعبين اللبناني والفلسطيني وقواهم الوطنية والتحررية. ذلك الإرهاب الذي تنفذه على شكل تهديد وغزو واجتياح.
إن الإخفاق الإسرائيلي الذريع على أيدي المقاومة اللبنانية، سبب رئيسي في تصاعد وتيرة التهديدات التي أطلقها أولمرت لحركة المقاومة الفلسطينية حماس ولحزب الله بحجة الإرهاب.
ما يخشاه العالم اليوم، هو أن يطول حلم بوش وأولمرت ومن معهما، ليصلوا إلى قناعة تامة، بأن حزب الله وحماس هم الذين تعمدوا تخريب النظام الكوني وثقب طبقة الأوزون، بعد انسحابهم من معاهدة كيوتو. ويملكون مفاتيح الطبيعة وسخروها وفق ما يريدون. فحركوا زلزال كاترينا، ودمروا صاروخ كولومبيا، وحقنوا الطيور بمرض الأنفلونزا، وجنون البقر. واغتالوا القادة السياسيين في لبنان.
هذه التهم المفبركة والجاهزة والموجهة والتي تتشابه مع وجبات الأكل السريعة الأميركية، تناسب الجميع، وتصلح لكل الأزمنة والأمكنة. كل هذه الذرائع والحجج أوجدها المحافظون الجدد لتبرير صناعة «الشرخ الأوسط الكبير» ليناسب المصالح الصهيوأميركية والهيمنة على ثرواته وخيراته وإذلال الشعبين اللبناني والفلسطيني وضرب القوى الوطنية الرافضة للاحتلال بكل أشكاله على الساحة العربية وتشويه المقاومة المشروعة في العالم وتسميتها بالإرهاب.
أي أن الشرق الأوسط الكبير، يلغي التاريخ، ويريد خلق «شرخ أوسط جديد»، وتصفية كل مفردات الدول العربية، وأهمها الهوية واستبدالها بالجغرافيا.
المحافظون الجدد ليسوا معنيين ببناء مجتمع ديمقراطي في البلاد العربية، بل هم يحاولون تجزئة الأجندة الديمقراطية نفسها. وتحويلها من قضية عامة إلى أجندات صغيرة لشرذمتها وشرخها.
شرق، أو، شرخ أوسط جديد مجرد أكاذيب، أو، على الأقل، مجرد أمطار صيفية وعناقيد غاضبة على القرى الطاهرة، والتي لا يعتمد فلاحوها على فاعليتها في الري.


صحيفة "البيان" الاماراتية

أضف تعليق