لسببين اثنين، احدهما موضوعي، واخر ذاتي، يتمنى اصدقاء الاحتلال فى العراق الهزيمة للمقاومتين الفلسطينية واللبنانية.
ولا عجب فى ذلك، فاى انجاز تحققانه هو هزيمة لفكر وتحالفات المراهنين على الدور الامريكى الحاسم فى بناء شرق اوسط جديد يطبع الوضع المختل، ويجعله منقادا بكل حواسه للهيمنة الامريكية المباشرة بالتبادل مع المخالب الاسرائيلية التى تنهش دون رحمة بارض وسماء ولحوم شعوبنا واقتصادياتها، بغلاف جديد عليه رسوم مزركشة من ديمقراطية التقطيع، والتحاصص والتقزم والاضمحلال، مع انفتاح استهلاكى يعمق التشوه القائم ويعممه لمصلحة التركيع التدريجى من اجل التحكم بالمنطقة ومصادر طاقتها.
واصدقاء هذا النهج الامريكى فى بلداننا يجاهدون لتكون امريكا هى الآمر الناهى فى العراق ولبنان وفلسطين وايران وسوريا كما فى غيرها من دول المنطقة، كى لا يصدهم احد عن اهدافهم فى ان يكونوا أذرعَ الصدارة خلف قائد دفة الشرق الجديد، امريكا ووكيلتها اسرائيل، وكى تتساوى الرؤوس. وما من احد احسن من احد. هذا ما يريدونه من وراء تجميل صورة المحتل، وايجاد الذرائع لجرائمه او التغطية عليها ليعم الخنوع كما عم على نفوسهم وارواحهم وابصارهم.
ان اصدقاء الاحتلال فى العراق يتميزون بميلهم الى القوة الخارقة التى تكنس كل التناقضات التقليدية وتغربل الصراع لتجهزه لهم مسرحا خاليا يلعبون فيه كل الادوار، وهم يتوحدون مع حلفاء امريكا فى لبنان وفلسطين وفى كل مكان فى العالم، حتى فى اسرائيل، التى لم يعد يخجلهم تملقها من وراء الحجرات.
فما دام المخرج، هو نفسه المنتج، فانه لا يريد، غير منفذين يتفهمون حاجته، ولا يهم ان كان الجمهور يستسيغ او لا يستسيغ عرضه الاجبارى هذا.
ان تعليل شدة ميلهم، الى الولايات المتحدة، وانقلاب بعضهم رأسا على عقب فى اصطفافه مع المشروع الامريكى الاسرائيلى للمنطقة باسرها، يعود الى عمق انعزالهم عن نبض واقعهم ومتطلبات تغييره، والى انحطاط وخواء قناعاتهم غير المتاصلة، كما يعود الى تغير فى مواقعهم الاجتماعية والطبقية ومن ثم السياسية، لان بعضهم كان يرفع لواء الثورية الشعبية والتغيير من الداخل، لكن انسلاخ معظم هؤلاء عن الداخل روحيا ومكانيا، وحصول تفاعلات تراكمية على نمط تفكيرهم وعلى طريقة عيشهم فى المنافي، ولمدد طويلة جعلهم يستسهلون العودة الحميدة وباى ثمن، لانهم استنفذوا كل زادهم وشحناتهم، لانهم تعودوا على العيش الجاهز، اما على حساب مخابرات بعض الدول ذات المصلحة فى استخدامهم كاسماء عراقية، او على اعانات دول اللجوء، او قسم منهم كان يحاول التشاطر مستفيدا من نكبات شعبنا اثناء حرب الخليج الثانية والثالثة فى ترتيب اوضاعه ضمن جماعات سياسية عشائرية او حزبية بمساعدات سخية من مخابرات دول الاحتلال، والانتقال الى المناطق الامنة بانتظار قدوم المحتلين.
والملفت ان اغلب عناصر هذه الجماعات لا يريد التنازل عن حقوق اللجوء التى اكتسبوها ليس لانها حقوق مكتسبة بل لانعدام ثقتهم بما يحصل اولا، وثانيا لطريقة التفكير الارتزاقية التى تشبع بها من هم على شاكلة اصحاب العملية السياسية فى العراق، فتراهم وكأنهم اجانب يعيشون بشكل مؤقت فى العراق.
اما اذا اخفقت المقاومة فى تحقيق ما عزمت عليه فى هذه المواجهة او تلك، فتجدهم يرفعون عقيرتهم تنديدا بالمقاومة والمقاومين، محاولين تأكيد صحة توجههم المتخاذل، والانهزامي، وتجدهم لا يتورعون عن وصم المقاومة بالارهاب كما يفعل اسيادهم، اما اذا كانت نتائج هذه المواجهة او تلك بين بين او تميل الى كافة المقاومين فتجدهم ينقدونها بلطف ويتفقون معها بان سياسة اسرائيل هى جوهر المشكلة، لكنهم يعتبون على المقاومة لانها انتقائية فى تنسيقها، فهى تنسق مع ايران وسوريا دون غيرها، وهى تفاجئ الجميع، واحيانا تكون مغامرة !
ينسون ويتناسون ان نجاح المقاومة وشعبيتها الكاسحة متأتية من فشل كل مشاريع التسوية غير العادلة، ومن الدعم والدفع الامريكى لاسرائيل لتشجيعها على الاستهتار بكل الاعراف والقرارات الدولية. انهم يرددون ما تقوله الانظمة العربية لتبرئة ساحتها وتواطئها، ولا يشيرون للعلة فى كل الذى يجري، حيث الاستبداد الامريكى بشعوب المنطقة وارضها وثرواتها وكرامتها وكأن الشرق الاوسط أصبح وقفا للامريكيين والصهاينة.
ويحاول بعضهم فصل الذى يجرى فى العراق من احتلال وتدنيس، عن الاوضاع فى لبنان وفلسطين وسوريا وايران، مع ان اسيادهم الامريكيين اكثر وضوحا منهم، ويربطون علنا بين كل هذه الاجزاء تحت يافطة الشرق الاوسط الكبير مرة، او الجديد ، مرة اخري.
ان السبب الموضوعى الذى يجعل اصدقاء الاحتلال فى العراق اعداء للمقاومة فى لبنان وفلسطين، يعود الى كونهم جزء من المشروع الامريكى للمنطقة كلها، وفشله هنا وهناك يجعلهم يفشلون فى العراق ايضا.
اما السبب الذاتي، فيعود الى ان الاحتلال يصارع المقاومة العراقية ويوصمها بالارهاب، وهو نفسه يوصم مقاومة حزب الله وحماس بالارهاب. وان هزم المشروع الامريكى فى لبنان او فلسطين فذلك يعنى انه قابل للانهزام فى العراق. .وهذا ما لا يريده ذاتيا اصدقاء الاحتلال فى العراق.
صحيح انهم يتحرجون ولا يستطيعون اشهار ما يريدونه علنا، اى ان كل اشكال رفض الهيمنة الامريكية الاسرائيلية على المنطقة امر يصب لمصالحهم الذاتية، فهم يفعلون كما تفعل الانظمة التى يوصمها بعضهم بالاستبداد، واللاديمراطية. اليس لذلك دلالة هامة على مغزى التلاقى بين اصدقاء الاحتلال فى العراق وبين الانظمة الخانعة التابعة بدولها القمعية مع حلف المحتلين والامريكيين والصهاينة وخدمهم من العرب؟
الحبل السرى بين قوى الخنوع والهيمنة
ان وحدة مصير شعوب المنطقة يجعلها تتصدى لكل عوامل تخلفها وتبعيتها وتشوهها، وما دام اعداء شعوب المنطقة من انظمة متسلطة وكيان صهيونى محتل ومستهتر وامبريالية متغولة كلها تتحد مع القوى الاجتماعية والطبقية المتحالفة مع المشروع الامريكى الصهيوني، وجلها من الرأسماليين الطفيليين، ونخبويين متغربين، والطائفيين ومن دعاة انعزاليى الاقليات، وسياسيا كل القوى اليمينية المتبرجزة، ومن افلس من اليسارالانتهازى المتهرئ، فان ذلك يحتم وجود اصطفاف مقابل يتصدى ويقاوم ويوازن الاختلال الاضافى الذى يريد تكريسه اعداء الحرية والاستقلال والتنمية فى مجتمعاتنا.
انه حلف تاريخى سياسى واجتماعى وطبقى له عمقه واصوله ومكانته تزداد اتساعا، انه تحالف قوى المقاومة الشعبية العربية الاسلامية، بطبقتها العاملة ومعدمى الارياف والمثقفين الوطنيين، ومن ابناء الطبقات الفتية والمتوسطة، صغار المنتجين، ومتوسطيهم، والحركات المهنية والاجتماعية كالنقابات والمنظمات النسوية الداعية للتحرر الاقتصادى والثقافي، والشباب الذين يتطلعون لتنمية مستدامة فى اقتصاد منتج تنهى ازمة البطالة المزمنة. هؤلاء جميعا هم القاعدة الاجتماعية لقوى المقاومة فى شعوبنا التى تفور من الحيف والاستغلال والتبعية.
هل لدى المشروع الامريكى الاسرائيلى للشرق الاوسط الجديد حلولا واسسا تستجيب لتطلعات هذه القوي؟ هل تمكن الاستجابة بمزيد من التبعية الاقتصادية وخصخصة القطاعات الاقتصادية، وسيطرة واستنزاف احتكارات الطاقة لثرواتنا، والانخراط دون حصانة وصيانة لشروط البنك الدولى ومنظمة التجارة العالمية، وبمزيد من التنازلات عن الحقوق التاريخية المسروقة فى المياه والارض المنتجة لصالح المستوطنين الصهاينة؟
ان ما يدعو له الامريكيون والصهاينة والانظمة السائرة بركابهم والفئات الاجتماعية الطفيلية، من شرق اوسط جديد، وديمقراطية الفقاعات، ما هى الا دعوة للهيمنة والاحتلال والاغتصاب؛ دعوة للخنوع وسلب الكرامة الانسانية، يجب مقاومتها وبكل اساليب النضال المتاحة السياسية والاقتصادية والفكرية والاجتماعية، بما فيها الكفاح المسلح كحق مشروع لانتزاع ما اغتصب
من حقوق بالقوة، وما دامت قد فشلت كل الاساليب الاخري.
حزب الله وحماس والمقاومة العراقية
القاعدة الاجتماعية والطبقية لحزب الله وحماس والمقاومة العراقية، هى قاعدة عريضة ولها ايمان ووعى كبير بقضيتها وترابطها، وعليه فهى تمثل ضمير شعوبها من اجل الحرية والاستقلال والتنمية الحقيقية.
لقد كانت بطولات وتوقيتات عمليات حزب الله الاخيرة وصموده المدهش بوجه الالة العسكرية الاسرائيلية الجبانة، التى تتقصد المدنيين انتقاما من فشلها فى كسر شوكة الحزب، عاملاً مهما لتفويت الفرصة على الامريكيين واعوانهم فى جعل الصراعات الداخلية طائفية او عرقية بديلا عن الصراع الحتمى معها ومع قواتها.
ان توحيد قوى الامة بمختلف مذاهبها واعراقها امر استراتيجى للمواجهة المفروضة على قوى التحرر فيها، وهى دقيقة فى لحظتها لانها جاءت لتحرم اسرائيل من الاستفراد بالشعب الفلسطيني، وفى شد عزم المقاومة العراقية ودفع القوى المشوشة فى العراق لحسم خياراتها والانخراط بمواجهة المحتلين بدلا من الانشغال بصراعات جانبية يريدها الاعداء حجة لتثبيت وجوده.
ان اسرائيل ليست بحاجة للتبريرات فى اى اعتداء تدبره وتسعى اليه، لكن حزب الله قد فوت الفرصة عليها، حيث تأكد انها كانت تستعد لشن هجوم شامل على لبنان لتجبره على تجريد سلاح حزب الله، وبدفع امريكى واضح، خاصة بعد فشل كل المساعى الامريكية سياسيا فى تحقيق هدف نزع سلاح حزب الله، وذلك بعد ان ذهبت كل الضغوطات والابتزازات ادراج الرياح. ولذلك فان مباغتة المقاومة اللبنانية لقوات الاحتلال كانت ضربة معلم لانتزاع المبادرة من يد اسرائيل.
لقد كان الرد الاسرائيلى ووحشيته وتدميره وشموليته ثم الاعتراف الاسرائيلى بالاهداف الحقيقية لعدوانها المتستر بعملية اسر الجنديين، لتنفيذ قرار نزع سلاح حزب الله، يشى بان اسرائيل كانت تستعد لهكذا هجوم نيابة عن امريكا وتحقيقا لمشروعهما الخائب الشرق الاوسط الجديد بطبعته الاخيرة الامريكية الاسرائيلية!
لكن صمود المقاومة اللبنانية الملحمى وتضامن كل الخيرين فى لبنان وفى العالم العربى والاسلامى بل والعالم اجمع معها، وانفضاح الدور الامريكى المنبوذ عالميا، والتذمر العالمى من الانحياز الاعمى لاسرائيل ورعونتها، جعلت من بوش ورايس محط ازدراء دولى لم يسبق له نظير واقرب الشواهد على ذلك ما حصل فى مؤتمر روما، والعزلة التى عاشتها المواقف الامريكية فيه، اضافة الى تميز الموقف الاوروبى عنه وكذا الروسى والصيني، حيث ان اغلب اعضاء مجلس الامن موقنون بان امريكا ومواقفها هى المغذى الاكبر للتوترات فى العالم والارهاب فيه، خاصة بعد سلسلة الرفض المتتالى ودون اى مبرر ولو شكلياّ للخروج عن الاجماع فى المجلس ورفض اى ادانة لاسرائيل عن جرائمها فى فلسطين ولبنان، وكذا رفضها لادانة جريمة قتل أربعة من المراقبين الدوليين فى جنوب لبنان. فهذه حامية حمى الديمقراطية فى العالم كما تدعي، هى من يستبد برأيه ويخرج عن رأى الاكثرية ويضرب بعرض الحائط كل القوانين الانسانية والاتفاقات الدولية. ومن هنا كان السيد حسن نصر الله وشعبه والمقاومين فى فلسطين والعراق محقين كل الحق فى اعتبار امريكا واسرائيل واصدقائهم فى المنطقة وراء كل الخراب الحاصل والذى سيحصل فيها، وانهم من يقف وراء حالة اليأس والاحباط التى تعمها، والتى ستكون القابلة المأذونة لمزيد من الاضطرابات والاعمال الانتقامية، والتى يسمونها زورا وبهتانا اعمال ارهاب.
بوركت سواعد المقاومة، وبورك عيد صمودها فى بنت جبيل وغزة وفى الانبار الشماء، والخزى والعار لجراوى وفروخ امريكا فى الشرق الاوسط كله، كبيره وصغيره، قديمه وجديده، والموت المحتم لعروش الامبريالية العالمية بزعامة امريكا وحليفتها الصهيونية.
ان النصر المنجز بصمود وردع المقاومة فى لبنان يجب ان يترجم سياسيا الى مفردات ميدانية ملموسة فى اى مبادرات سياسية ودبلوماسية لوقف اطلاق النار، وايجاد حل مناسب للازمة القائمة، لا يستند الى اقل من تحرير كامل الاراضى اللبنانية المحتلة وحقوقها فى مياهها، وتبادل كامل للاسري، وارغام اسرائيل على كشف خرائط الغامها فى جنوب لبنان، وترك موضوع سلاح حزب الله ونشر الجيش اللبنانى فى الجنوب للحوار الوطني، واستقدام قوات دولية تحت اشراف الامم المتحدة وعلى جانبى الحدود لحماية اتفاقية الهدنة بين اسرائيل ولبنان، دون اى تدخل فى الشؤون الداخلية للبنان ودون اى شروط مسبقة على التفاهمات اللبنانية-اللبنانية التى ستبلور شكل تكيف سلاح حزب الله مع عملية نشر الجيش فى الجنوب.
من المهم جدا تفويت الفرصة على الامريكيين وحلفائهم فى تحقيق ما عجز عنه العدوان العسكرى الاسرائيلى بالقوة بواسطة دبلوماسية الضغوط والابتزاز على الحكومة والشعب اللبناني. وهذا ما تعيه المقاومة اللبنانية وتعمل على مقاومته وتحديه. وقد اثبتت انها اهل لما تسعى له، وبهذا ستعطى دفعة نضالية جديدة لأختيها، المقاومة فى فلسطين والعراق.
وكالات
* كاتب ومحلل فى القضايا العربية.
اصدقاء الاحتلال فى العراق.. اعداء للمقاومة فى لبنان وفلسطين - جمال محمد تقى
