هيئة علماء المسلمين في العراق

كلمة الحق وحق الكلمة د. حسن سعيد
كلمة الحق وحق الكلمة د. حسن سعيد كلمة الحق وحق الكلمة د. حسن سعيد

كلمة الحق وحق الكلمة د. حسن سعيد

تتعالى الأصوات وترتفع في خضم معترك هذه الحياة، ويرتبط كل منها بوضع وجداني يعيشه أصحاب هذه الأصوات المرتفعة المتعالية؛ لأنّ كل صوت منها يعبّر عن الحاجة التي يريد صاحب الصوت تحقيقها، لكنها جميعاً لا تخرج في سياقها العام عن أحد وصفين: إما إنها حقّ وإما إنها باطل، ولكل من الحق والباطل أتباع وأعداء، فأتباع الحق هم المنصفون الأخيار، وأعداؤه هم المبطلون الأشرار، وأتباع الباطل هم الأذلاء الصاغرون، وأعداؤه هم الأعزة المكرمون. 


والحق حين ينتشر في الأرض، ويستوي على سوقه وأصوله، يعم العالم كلُّ معالم الخير والسلام، والود والوئام، ويوم تنتشر سُحُب الباطل السوداء، وتغشى الناس بظلامها، يعيش الناس في هرج ومرج، وتتلاشى كل معالم البهجة والسعادة تحت وطأة الباطل وظلامه؛ لكن الذي ينبغي علمه هو أنّ الحق والباطل لا يقعان بفرض الواقع كما يتصور البعض من الناس، وإنما يقعان نتيجة لواقع حال الناس أنفسهم، وبعبارة أخرى يقال: إن الحق والباطل هما صناعة الناس أنفسهم، فالباطل ليس أمراً محتماً لا يستطيع الناس تغييره أو إزالته، بل هو حالة ناشئة عن ضعف صوت الحق أمام الباطل؛ نتيجة لتقصير الناس في المطالبة بحقوقهم، فالحق يتحقق بين الناس، وينتشر نوره، يوم تعلو أصوات الناس المطالبين بحقوقهم المسلوبة من قبل الظلمة والمتجبرين، وتحتمل لأجل استرداد حقوقها ألوان الاضطهاد والقمع والظلم، وبصوت الحق المدوي سيرتدع أولئك الظلمة عن ظلمهم وغيّهم، وستعود الحقوق إلى أصحابها، ويبقى أهل الحق على أهل الباطل ظاهرين؛ ويوم تخفت أصوات الحق هذه ستعلو أمامها أصوات الباطل المؤيدة لسياط الظلمة والمتكبرين، وسيزدادون عتوّاً وتكبراً وظلماً للعباد، وإفساداً في البلاد؛ لأن الباطل إنما يستمد قوته من ضعف صوت الحق، والذي ينشأ بسبب فتور الناس أو تهاونهم عن المطالبة بحقهم. 


ومن هنا تظهر مكانة كلمة الحق وآثارها العظيمة في المحافظة على الحقوق، واستعادة ما سُلب منها، فهي كالسد المنيع الذي تتحطم دونه أمواج الباطل مهما علت، فهذه الكلمة المدوية تهز أركان الظلمة، وتحجزهم عن التمادي في سلب حقوق الناس، كما أنها في نفس الوقت تعيد إلى الناس ما أُخذ من حقوقهم ظلماً وعدواناً، فبقاء معالم الخير في هذه الحياة، والعيش الهانئ فيها، كل ذلك مرهون ببقاء كلمة الحق في الأرض، وانتشارها في أرجائها.


فهذه كلمة الحق التي تحفظ للناس العيش بعزة وكرامة، وتصون حقوقهم، وتزيد منعتهم، فلا يجرؤ أهل الباطل على الاقتراب من حصونهم المنيعة التي قوي بنيانها، وصلبت جدرانها، بكلمة الحق التي اتخذوها شعاراً لهم في هذه الحياة.


لقد كان الرسول (صلى الله عليه وسلم) يربّي الصحابة الكرام على إقامة الحق في ربوع الأرض، وعلى المحافظة على بقاء صوت الحق عالياً قائماً، وأن لا تأخذهم في سبيل ذلك لومة لائم، وقد كان (عليه الصلاة والسلام) يجعل هذا المنهج وصية غالية يوصي بها صحابته الكرام رضوان الله عليهم جميعاً، وقد ذكر ذلك الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري بقوله رضي الله عنه: " أَوْصَانِي خَلِيلِي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بِخِصَالٍ مِنَ الْخَيْرِ: أَوْصَانِي بِأَنْ لَا أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقِي، وَأَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونِي، وَأَوْصَانِي بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَأَوْصَانِي أَنْ أَصِلَ رَحِمِي وَإِنْ أَدْبَرَتْ، وَأَوْصَانِي أَنْ لَا أَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَأَوْصَانِي أَنْ أَقُولَ الْحَقَّ وَإِنْ كَانَ مُرّاً، وَأَوْصَانِي أَنْ أُكْثِرَ مِنْ قَوْلِ لَا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَإِنَّهَا كنز من كنوز الجنة " [رواه ابن حِبّان بسند صحيح].


وكلمة الحق لها حقان: حق من الناس، وحق من الله تعالى؛ أما حقها من الناس فهو الثبات عليها، والتضحية في سبيلها؛ لأنها إن غابت عن حياتهم، أو ضعف صوتها، انقلبت حياتهم إلى أسوء صورها، وأصبحوا أذلة صاغرين بأيدي الظلمة، يعبثون بحياتهم، ويسلبون حقوقهم، ويقتلون معالم الكرامة فيهم، فهذه الكلمة كما أنها تصون الناس، وتحفظ لهم حقوقهم وكرامتهم، عليهم أن يحفظوها ويصونها، وحفظها وصيانتها يكونان بالثبات عليها. 


أما حق كلمة الحق من الله تعالى، فالرضوان العظيم، والنعيم المقيم لأصحابها وحملتها والساعين بها، فقد سُئِل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن أفضل الجهاد فقال: " كلمة حق عند إمام جائر" [رواه أحمد في مسنده بسند صحيح]، وأعظم الجهاد يترتب عليه أعظم الجزاء من الله سبحانه؛ لأنّ صوت الحق أمام سوط الحاكم الجائر هو إعلان وبيان لأعلى مناسيب الإيمان التي وصل إليها الصادح بالحق.


فهذه كلمة الحق، وهذا حق الكلمة، فمن أوفى بالكلمة وحقها، نال من الله ـ عز وجل ـ أعظم الجزاء في الدنيا والآخرة، بعيش عزيز وكريم في الدنيا، ومنقلب عظيم في نعيم مقيم في الآخرة، ومن ضيع الكلمة وحقها، فقد أضاع مفاتيح أبواب السعادة في الدنيا والآخرة.


 


 مقال خاص بالقسم العلمي في الهيئة


للاطلاع عليه وعلى صفحة القسم العلمي يرجى زيارة الرابط التالي:


صفحة القسم العلمي على صفحة الفيس بوك


أضف تعليق