في تاريخ أمتنا أحداث كان لها الأثر الكبير في ريادة أمة الإسلام وظهورها على باقي الأمم، وهي أحداث كان فيها من الأبعاد الشيء الكثير، فمنها فيها البعد الإيماني، ومنها ذات البعد التاريخي، والبعد السياسي، والبعد العسكري... إلى غير ذلك من الأبعاد السامية التي مهدت الطريق للأمة أن تكون في صدارة الأمم وطليعة الحضارات، فكان تحويل القبلة للمسلمين من بيت المقدس إلى البيت الحرام حدثاً بالغ الأهمية في تاريخ أمتنا، والذي وقع في السنة الثانية للهجرة، فبعد تميّز المجتمع المسلم في المدينة المنورة عن غيره من مجتمعات الجاهلية آنذاك بمختلف صوره زاده الله تميّزاً بانفراده بقبلة خاصة به، فنزل وحي السماء على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بأمر الله تعالى المتضمن صرف المسلمين عن القبلة التي كان يشاركهم فيها اليهود وهي بيت المقدس، إلى قبلة الإسلام خاصة وهي الكعبة المشرفة.
لقد كان اليهود يتخذون توجه المسلمين إلى قبلتهم سبباً وذريعة للاستكبار عن الدخول في الإسلام، إذ أطلقوا ألسنتهم في المدينة بالقول: إن اتجاه النبي (صلى الله عليه وسلم) ومن معه إلى قبلتهم في الصلاة دليل على أن دينهم - أي دين اليهود - هو الدين الأولى بالاتباع، وقبلتهم هي الأصل في التوجه والقصد، فأولى بالنبي ومن معه أن يفيئوا إلى دينهم لا أن يدعوهم إلى الدخول في الإسلام، وفي الوقت ذاته كان أمراً شاقاً على المسلمين من العرب، الذين ألفوا في الجاهلية تعظيم حرمة البيت الحرام بالتوجه إليه قبلة لهم، وزاد في المشقة ما كانوا يسمعونه من اليهود من التبجح بهذا الأمر، وسخريتهم به، فأخبر الله - تعالى - بما سيقوله اليهود عند تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة من إثارة الشكوك والإنكار قبل ورود الأمر بالتحويل، وذلك بقوله تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [سورة البقرة: الآية 142].
إن حدث تحويل القبلة كان له أبعاد عظيمة المعاني، انعكست بإيجابية تامة على واقع الأمة منذ ذلك الحين، وإلى الآن وحتى قيام الساعة، وعند إنعام النظر في هذا الحدث تظهر تلك الأبعاد العظيمة، والتي اختلفت في أشكالها لكنها اشتركت في مضامينها، فمن هذه الأبعاد ما هو إيماني، ومنها تاريخي، ومنها سياسي، ومنها عسكري، فالبعد الإيماني لهذا الحدث يكمن في ربط قلوب المؤمنين بهذا الدين من جهة، وبربط القلوب المؤمنة بعضها ببعض من جهة أخرى، فحينما نزل الأمر الإلهي بتحويل القبلة إلى الكعبة، تساءل المؤمنون عن مصير عبادة إخوانهم الذين ماتوا وقد صلوا نحو بيت المقدس، فأخبره الله - تعالى - أن صلاتهم مقبولة، وذلك بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [سورة البقرة: الآية 143]، وأما البعد التاريخي فذاك هو ربط العالم بالإرث النبوي لإبراهيم (عليه السلام) الذي بنى الكعبة وأقام قواعدها في تلك البقعة الطاهرة، وأما البعد السياسي فهو جعل جزيرة العرب محوراً للأحداث، فقد توجهت أنظار العالم كله نحو تلك الأرض المباركة، بوصفها مركزاً قيادياً مهماً، وأما البعد العسكري، فقد كان هذا الحدث ممهداً لفتح مكة.
وإلى جانب هذه الأبعاد العظيمة تستشرف دروسٌ وعبرٌ مستفادة من هذا الحدث، ومن هذه الدروس: إثبات نبوة نبيّنا محمّد (صلى الله عليه وسلم) ورسالته، الذي يتلقى الأمر الإلهي بوحي من رب العزة سبحانه، فهكذا انتقال تعبدي لا يكون إلا بوحي من الله - جل وعز - إلى رسوله الأمين (صلى الله عليه وسلم)، ومن هذه الدروس: التسليم المطلق والانقياد الكامل لله تعالى، ولرسوله (صلى الله عليه وسلم)، فأصل الإسلام التسليم، وخلاصة الإيمان الانقياد، وأساس المحبة الطاعة، لذا كان عنوان صدق المسلم وقوة إيمانه هو فعل ما أمره الله - تعالى - به، والاستجابة لحكمه، والامتثال لأمره في جميع الأحوال.
ومن الدروس الواضحة والمهمة في هذا الحدث هو مخالفة أهل الكتاب، فقد كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يريد التوجه إلى الكعبة قبلة للمسلمين، حرصاً منه أن يكون الإسلام متميّزاً عن الديانات السابقة، الذين حرّفوا وبدّلوا وغيّروا في شرع الله وتعاليم الرسل، ولهذا كان ينهى عن تقليدهم والتشبه بهم، بل يأمر بمخالفتهم ويُحذّر من الوقوع فيما وقعوا فيه من الزلل والتحريف والانحراف، فكان من مقتضى هذا الحرص أن يخالفهم في قبلتهم، ويتوجه بشكل دائم إلى قبلة أبي الأنبياء إبراهيم (عليه السلام).
ومن دروس تحويل القبلة أنه عرفهم بطبيعة أهل الكتاب في عدم الرضا عن أمة الإسلام مهما كان موقف الأمة إيجابياً معهم؛ لأنهم لا يرضون لأمة الإسلام التميّز والتقدّم، بل يريدون أن تكون أمة الإسلام في مؤخرة الركب، هذا إن لم يكن يريدون إخراجها من الركب أصلاً.
واليوم تمسّ حاجة الأمة إلى قراءة معاصرة لحدث تحويل القبلة، وإلى التأمل في أبعاده ودروسه وعبره، ليرى أبناء الإسلام الواقع الذي وصلت إليه الأمة بعد فقدها للمقومات القيادية في الأرض، وذلك بالواقع السلبي الذي يعيشه أبناؤها بعيداً عن تلك الأبعاد والدروس والعبر، فالبعد عن الله - تعالى - وعدم طاعة الله وطاعة رسوله، وعدم الشعور بهموم الأمة وهموم أبنائها، والرضا بتسلط الكافرين على بلدان المسلمين، والسكوت عن انتهاك حرمات الدين، وحرق وتمزيق كتاب الرحمن، والإساءة إلى النبي العدنان، والظلم والتنكيل والتعذيب والقتل والاغتصاب لأحرار وحرائر الأوطان، وذوبان الهوية وموعان الشخصية، كل هذه أحوال طرأت على أمتنا، يوم بعُد أبناؤها عن منهج الله وهدي رسوله (صلى الله عليه وسلم)، لذا غدت القراءة الفاحصة في واقع الأمة، والبحث بين أحداثها ضرورة قصوى، لتغيير الواقع الراهن، فذكرى تحويل القبلة تستدعي أبناء الإسلام لتفعيل معاني التحويل من وجوه السلب إلى وجوه الإيجاب، كي يحدث التحول في هذا العالم، فتعود مراكز القوة والقيادة لأمة الإسلام.
مقال خاص بالقسم العلمي
للاطلاع عليه وعلى صفحة القسم العلمي يرجى التفضل بزياة الرابط ادناه
صفحة القسم العلمي للهيئة على الفيس بوك
