اكتمل الشهر وما زال القمر العربي هلالاً أحمر في سماء مستباحة، وتموز الأقسى بين الشهور لهيباً وذكرى، ينكأ الجراح كلها، حيث تقاويم الثورات تحولت إلى روزنامة مطوبة للعزاء.
اكتمل الشهر الأول لحرب لم يمت فيها العرب وحدهم لأول مرة، والآفاق مشرعة على المزيد من القصف، ومطاردة المدنيين في حقولهم ومدارسهم ومساجدهم، فمن لاذوا بأحد المساجد من اللبنانيين الأبرياء قصفوا أيضاً، لأن المصاحف لا تقع خارج الهدف العبري منذ قتل مائتا فلسطيني في مسجد دهيمش باللد وهم ساجدون.
شهر الأزل هذا، ندبة مقيمة ما أقام صهيون في هذا الكوكب، فأيامه ولياليه بل دقائقه وثوانيه أحصيناها نحن العاطلين عن الحياة وعن الحرب وعن الحب وعن كل شيء بالأطفال والنساء والعجائز، وبعد الآن.. على كل من احتفلوا قروناً وعقوداً بذكرى الثورات بدءاً من باريس حتى بغداد أن يغيروا طقوسهم، فتموز الآن شهر الدم العربي المهدور، وشهر الفتى الجنوبي الذي بقر الخنزير الوحشي بطنه، فاندلع الأخضر في ربيع مبكر.
ولا أظن أن بكاء رئيس وزراء لبنان أمام ضيوفه العرب حزناً فقط، فهو عتاب مفعم بالأسى والخذلان لأبناء العمومة وذوي القربى الذين قالوا للبنان: اذهب أنت وربك فقاتلا.. ثم تقاعدوا ولم يقعدوا فقط، لأن المطلوب من العربي الطيب وحسن السمعة والمقبول في أكاديمية الشرق الأوسط المسلوخ هو أن يكون بلا لسان وبلا ذراعين، مجرد سلحفاة مقلوبة على ظهرها، ينام بيتها عليها ولا تنام هي فيه.
هو شهر الأزل في زمن تحولت فيه ملكات النحل إلى يعاسيب تلسع من يعلفها بالسكر المطحون في موسم الموت المقرر على كل شجرة لها حفيف عربي، وكل حجر يذكر الغزاة بالجراح الغائرة في جباههم يوم شجها في انتفاضات الصغار الذين باعهم الكبار وحاولوا أن يفطموهم قبل الأوان عن ذلك الحليب الأصيل الذي يشحنهم بمناعة ممنوعة.
إن من يعيش ويحتضر ويموت ويدفن ذويه بيديه في أزمنة الحرب الهمجية ليس كمن يحصي القتلى على الشاشات لأن من تحرق النار أصابعه لن يفهمه على الاطلاق ذلك الذي يفرك يديه ويتدفأ عن بعد.
لهذا ما من اعتذار يكفي، وما من انحناءة عرفان تليق بهؤلاء حتى لو لامس الجبين القدم.
إن شهر الأزل هذا لم يزف التاريخ إلى الجغرافيا العانس في فضاء عربي مفتوح للغربان فقط.. لكنه سيبقى محفوفاً حتى الأبد بأحد عشر شهراً من تقاويمنا الرتيبة، حيث اليوم الواحد المتكرر، والظهيرات والقيلولات الطويلة المتثائبة.
ما من اعتذار يكفي، وما من ندم يحرر الضمير من أشباح استوطنته والذاكرة من كل هذا الدخان المشبع برائحة الفحم البشري.
فلا أقل من أن يطلق عرب الصيف السيبيريّ على تموز شهر الأزل
الدار العراقية
شهر الأزل ......خيري منصور
