هيئة علماء المسلمين في العراق

...قذائف الهاون والرصاص الطائش يمنعان البغداديين من نوم السطوح هروبا من حر الصيف
...قذائف الهاون والرصاص الطائش يمنعان البغداديين من نوم السطوح هروبا من حر الصيف ...قذائف الهاون والرصاص الطائش يمنعان البغداديين من نوم السطوح هروبا من حر الصيف

...قذائف الهاون والرصاص الطائش يمنعان البغداديين من نوم السطوح هروبا من حر الصيف

لا ليل في بغداد والصبح يكشف تفاصيل موت سابق بعد كل مساء. لا يجد العراقيون والبغداديون بشكل خاص مساحة للهروب من حر الصيف سوي النوم علي سطوح المنازل، ذلك التقليد الذي يعشقه العراقيون من عقود من الزمن علي الرغم من تطور التكنولوجيا، ومنذ عقود يستمتع البغداديون بنسائم دجلة علي سطوح منازلهم، لكن هذا الاستمتاع اصبح حاجة لديهم منذ أن تواصل انقطاع التيار الكهربائي بعد الاحتلال الامريكي وتخريب خطوط امداد الكهرباء بسبب العمليات المسلحة والذي يحول بيوتهم الي مجامر وافران في حر الصيف القائظ.

وهروبا من الحر يلجأ البغداديون الي السطوح ليجدوا فيها فرصة للنوم لبضع ساعات، لكن هذه الفرصة أصبحت امنية خاصة بعد ان بدأت قذائف الهاون بسبب العنف الطائفي تتساقط علي الأحياء السكنية ليلا، يتبعها الرصاص الطائش الذي يستمطر بين ساعة وساعة كلما سمع الناس صوت السيارات أو شاهدوا اضويتها خوفا من هجمات يقوم بها مسلحون مجهولون.

ولم يجد العراقيون بين الخوف والهروب من الحر فرصة سوي السهر ليلا في منازلهم الحارة، وهو يتلوون ألما، فبعد وقت الغروب او قبله بقليل حيث يبدأ منع التجوال مع غروب الشمس وأذان المغرب، يلجأ الناس الي بيوتهم، فيما ينتظرون مجيء التيار الكهربائي لمدة ساعة لا اكثر، اذ ربما يأتي او لا يأتي كما هي العادة دوما، وحين لا يتمكن الكثير من اللجوء الي السطوح للنوم بسبب الخوف من الرصاص الطائش او قذائف الهاون التي اودت بحياة كثيرين، فان بعضهم يلجأ الي تشغيل مولدات الكهرباء المنزلية، التي تستنزف جيوبهم بسبب ارتفاع اسعار البنزين، الذي يصعب الحصول عليه الا بعد ساعات من الوقوف في طوابير المحطات، حيث تعمد بعض العائلات الي الافادة لبضع ساعات من تشغيل المولدات التي لا يمكن تشغيلها طيلة الليل حيث تكلف ساعات التشغيل أحيانا ايراد يوم كامل لعمال القطاع الخاص، او تستنزف رواتب الموظفين في الاسبوع الاول من الشهر مع اضطرار الناس لشراء البنزين من السوق السوداء.

ولأن نوم السطوح هو المنقذ الوحيد، فقد تحول هذا المنقذ الذي كان بمتناول يد الفقير او الغني الي امنية ثمنها الحياة، فربما تكون شظية قذيفة او رصاصات طائشة كافية لأن تحول نومة السطح الي مأتم، حيث لا يتمكن الناس حتي من انقاذ من يصيبهم الرصاص او الشظايا بسبب منع التجوال ليلا وعدم قدرة الناس علي ايصال المصابين الي المستشفيات.

ويتحدث العراقيون عن مئات الروايات عن مثل هذه الحالات التي ذهب ضحيتها العشرات نتيجة صعوبة ايصال المصابين الي المستشفيات القريبة، لكن الامر الاكثر صعوبة هو وصول سيارات الاسعاف الي أماكن الحوادث، حيث يمتنع سائقو سيارات الاسعاف من الخروج بعد منع التجوال لانقاذ حياة المرضي او المصابين، بل ان الاستعانة بهواتف الطوارئ لسيارات الشرطة لا تجد من يجيب النداء، وتمتنع هي الاخري عن ضمان ايصال سيارات الاسعاف، خوفا من اعتبارها سيارات تابعة لميليشيات معينة بعد ان راجت لدي الكثير من العراقيين فكرة ان سيارات الشرطة لايمكن ان تدخل بعض المناطق، حيث تواجه وابلا من الرصاص بمجرد دخولها.

الموت الليلي في بغداد الذي يستره الليل البهيم لا يعرفه الكثيرون، ولكنه اصبح حالة يومية، فليل بغداد لم يعد يشبه الليالي في كل الارض، يحيطه الخوف والموت، وهو ليس اكثر من انين يسكبه الناس بين جدران بيوتهم ضيقا من حر الصيف، او خوفا من المجهول، فلا ليل في بغداد بل شلال من الخوف منذ ان يبدأ حظر التجوال حتي شروق الشمس التي تكشف عن تفاصيل ليلة سابقة فيها شيء من الموت او الالم الذي لا نهاية له.

بغداد ـ القدس العربي ـ من هاني عاشور

أضف تعليق