في الوقت الذي يستقبل المجتمع الدولي اليوم العالمي لحرية الصحافة، ما يزال العراقيون بمختلف شرائحهم ومهنهم والصحفيون والإعلاميون منهم على وجه الخصوص؛ يعيشون بين قضبان وقيود فرضت عليهم منذ سنين، بعدما أسرت بلادهم بالاحتلال الذي جلب إليهم الويلات والشر المستطير.
وفي هذا الشأن؛ أكّد مرصد الحريات الصحافية الذي يُرمز له اختصارًا (JFO)، أن العراق شهد في الـ(12) شهرًا الماضية (477) انتهاكًا طال صحفيين وإعلاميين، من بينها تسع حالات قتل، محملاً الحكومة الحالية والأحزاب المتنفذة فيها المسؤولية الكاملة عن ذلك، موضحًا في تقريره السنوي للمدة ما بين شهري آيار 2015 ونظيره الحالي؛ أن مخاطر جسيمة تتهدد الصحفيين في العراق، جرّاء انتهاكات وجرائم تتحمل مسؤوليتها القوى السياسية التي تستغل نفوذها لعرقلة العمل الإعلامي، ومجلس النوّاب الحالي الذي ينتقل من إخفاق لآخر دون القدرة على إصدار قانون لحماية حرية الصحافة، في وقت بات العراق يتصدر قائمة الإفلات من العقاب لضحايا الإعلاميين، بنسبة (100%).
وأظهر تقرير المرصد أن المخاطر التي تحيط بالصحفيين العالمين في العراق متعددة الأشكال؛ ما بين القتل والخطف والتهديد، وغلق العديد من المحطات التلفازية والمواقع الإخبارية، فضلاً عن التهديدات المباشرة وغير المباشرة والابتزاز، معلقًا على ذلك بالقول؛ إنه انتهاك واضح لحق الحصول على المعلومات، مشيرًا إلى أن منع الصحفيين من كشف ملفات الفساد ومحاربة الفاسدين يُعد تصاعدًا متزايدًا في التضييق على الحريات الصحافية.
وفيما يتعلق بلغة الأرقام التي تناولها التقرير؛ فقد أحصى مقتل أربعة صحفيين في العاصمة بغداد، ومحافظة البصرة ومحافظة ديالى التي تعاني من تنامي أنشطة الميليشيات الطائفية، إلى جانب خمسة صحفيين آخرين لقوا مصرعهم في محافظة نينوى، وذلك خلال المدة المذكورة آنفًا ذاتها، والتي شهدت أيضًا (477) انتهاكًا بينها (87) حالة احتجاز أو اعتقال، و(98) حالة منع وتضييق، و(32) حالة اعتداء بالضرب، وأربع هجمات مسلحة، و(243) ملاحقة قضائية وأربع حالات إغلاق ومصادرة، وذلك في مناطق مختلفة من البلاد.
ومضى المرصد الحقوقي إلى القول؛ بأن المؤشرات التي يتضمنها تقريره السنوي، تدل على زيادة مضطردة في الاستهداف النوعي والمباشر للصحافيين من قبل أطراف النزاع كافة في العراق، وأن حالات القتل أظهرت شكلاً واضحًا لنوايا سياسية بازدراء العمل الصحافي، والتخطيط الواسع لعمليات تخويف الصحافيين، بهدف تشويه التغطية الإعلامية.
وفي السياق نفسه؛ يؤكد مرصد الحريات الصحفية؛ أن البيئة المحيطة بعمل الصحافيين العراقيين تكشف حجم المصاعب الجدية التي تواجههم في إنجاز التغطيات الاستقصائية والمحايدة، وتأتي مع رفع الزعامات السياسية سقف القيود المفروضة على مصادر المعلومات، باستغلال نفوذهم الأمني والسياسي في إبعاد المراسلين بالقوة عن مواقع النشاط الإعلامي الميداني.
كما اعتبر المرصد في ثنايا تقريره؛ أن العمل الصحفي الميداني وحمل الكاميرا بات أمرًا معقدًا للغاية، وذلك لأن السلطات الحكومية تحصر أمر السماح لحركة الصحافيين وتجوالهم بالقيادات العسكرية والأمنية في جميع المدن العراقية، مضيفًا بأن هذا الأمر في شمال العراق يتم بحسب مزاج الحزب السياسي المسيطر على محافظة أو منطقة ما.
وعن تفاقم معاناة الصحفيين في العراق يقول التقرير؛ إنهم يتعرضون في أغلب الأحيان، للمنع من التصوير والتغطية الإعلامية ما لم يحصلوا على موافقات أمنية مسبقة تكون إجراءاتها معقدة وكيفية في أغلب الأحيان، في وقت تواصل السلطات الحكومية تقنين المعلومات عمّا يجري في الميدان، وتحاول حجب المعلومات عن الرأي العام بشأن الأوضاع في الجزء الغربي والشمالي من البلاد، مؤكدًا أن هذا التصرف يُشكل انتهاكًا لحق الحصول على المعلومات.
ويمضي التقرير إلى القول؛ إنه على غرار السنوات الماضية عمدت السلطات العسكرية الحكومية إلى التحكم بحركة الصحفيين والفرق الإعلامية، مشيرًا إلى أنه في الغالب تتعمد تلك القوات تهديد مراسلي وكالات الأنباء والقنوات الفضائية والصحف بالاعتقال بسبب السياسات التحريرية لتلك المؤسسات.
وفي إطار الموضوع ذاته؛ رصد التقرير سلوك الأحزاب والجهات الحكومية تجاه الصحفيين؛ مبينًا أنها كانت تمتلك فائضًا ماليًا يُتيح لها السعي إلى شراء بعض الذمم في بعض المنابر الإعلامية، لكن الأزمة المالية جعلت تلك الجهات تميل إلى التهديدات المباشرة والضغط للحيلولة دون تلقي انتقادات بسبب فسادها أو الاشتباه بتورطها بملفات فساد.
الجدير بالذكر؛ أن الإحصاءات التي أجراها مرصد الحريات الصحفية منذ سنة 2003، أظهرت مقتل (294) صحفيًا عراقيًا وأجنبيًا من العاملين في المجال الإعلامي، بضمنهم (166) صحفيًا و(73) فنيًا لقوا مصرعهم أثناء عملهم.
إلى ذلك؛ ما تزال ما تسمى "هيئة الإعلام والاتصالات" تتعامل بشكل سيء مع القنوات الفضائية المحلية والأجنبية، إذ عمدت في الآونة الأخيرة إلى غلق مكاتب فضائيتي (البغدادية) و(الجزيرة) في بغداد، بدعوى "عدم الالتزام بالمهنية" على حد قول السلطات الحكومية، لكن مرصد الحريات الصحفية يتهم هذه الهيئة بالضغط المستمر على وسائل الإعلام بما تسميه "أجور الطيف الترددي" الذي تطالب من خلاله المؤسساتِ الإعلامية بدفع غرامات مترتبة عليها منذ عام 2003، حيث تصل تلك المبالغ إلى مليون دولار تقريبًا على المؤسسة الواحدة، في ملف جديد للفساد الذي لم تسلم منه أي مؤسسة حكومية.
وبصدد مواقع الانترنيت الإخبارية، يذكر تقرير المرصد أن مؤسسات وأجهزة رسمية عسكرية وأمنية تسعى بشكل دؤوب للسيطرة على المعلومات والحد من حرية الصحافة، وتخطط لفرض قيود على تدفق المعلومات والهيمنة على شبكة الإنترنت بالتعاون مع وزارة الاتصالات الحالية، لافتًا إلى أن الأخيرة تحجب حاليًا أكثر من (22) موقعا إخباريًا، منها مواقع "البغدادية" و"البغدادية نيوز"، و"العربية نت"، و"الجزيرة نت"، فضلاً عن مواقع إخبارية أخرى محلية وأجنبية.
وعلى الرغم من أن المعلومات التي أوردها التقرير ليست جديدة، والأرقام التي تناولها ربما تكون أقل من الحقيقة لاسيما وأن الوضع في العراق آخذ بالتفاقم يومًا بعد آخر، فهو ما زال يتصدر قائمة الدول السلبية ويتذيل نظيرتها الإيجابية؛ فإن الكشف عن هذه الحقائق يضيف شهادات موثقة أخرى إلى سجل الممارسات الشاذة والانتهاكات السافرة التي دأبت عليها حكومات الاحتلال المتعاقبة وطالت كافة شرائح المجتمع العراقي.
الهيئة نت
ج
