لا أدري أي وصف أُطلقه على كلتا المدينتين اللتين اجتمع فيهما من خصال الخير ما تفرح به نفوس المؤمنين، وتقر به أعين الموحدين، فالمدينتان تمتازان بكثرة المساجد، وطلاب العلم الشرعي، وبوجود مجتمع محافظ، و يُدرك هذه الحقيقة جيدا من زارهما أو عاش فيهما.
وشاء الله عز وجل أن يتوافق حال المدينتين في السراء والضراء، فكما كانتا محل انطلاق للعلماء والفقهاء والدعاة في السراء، فهما مكان للمرابطين والصابرين في الضراء، وكما ابتُليت الفلوجة بظلمة سفكوا دماءها، واستباحوا حرماتها، فكذلك هو حال حلب، فقد تسلط عليها ظلمة أحرقوا الأخضر واليابس فيها.
وحينما أضع أمام عيني الحالة المأساوية التي وصلت إليها كلتا المدينتين؛ فإن أناملي لا تسعفني على وصف ذلك الحال، بل أقف حائرا في وصف ما يحدث هناك، وودت في كثير من الأحيان أن أُخرج بعض العبرات علها تخفف لوعة ما يدور في فكري وأشجاني، فمن ينظر إلى تلك المناظر المؤلمة في الفلوجة وحلب من قتل وتخريب؛ فإنه لا يستطيع أن يقف أمامها صامتا؛ ولو قُدر للجمادات أن تبوح بحالها لملأت الأرض بكاءا من هول ما يحدث هناك.
ومع كل ما حدث ويحدث في فلوجة العلماء وحلب الشهباء من إراقة للدماء وقتل للأبرياء، نجد العالَم المنافق يقف صامتا إزاء ما حدث ويحدث من مجازر وأهوال، ولو كان هناك وصف أدق وأعمق من وصف النفاق نُطلقه على عالَمنا لأطلقناه، فهو اليوم لا يضع الجرائم في ميزان واحد، بل يميز بين هذه وتلك، حتى أصبحت دماؤنا في نظره ماءً، ودماء الغرب ومن لف لفه دماء.
قامت قيامة العالم على دماء فرنسا وإيطاليا ودول غربية أخرى، مع أننا لا نقر استهداف المدنيين ولا نجيزه، بينما لم نر أي اهتمام منه للجرائم التي تحدث في الفلوجة وحلب وتعز وأخواتهن من بقية بلدان المنطقة.
ومع أننا جربنا كذب المجتمع العالمي بكل منظماته من خلال ما جرى ويجري في الساحة الإسلامية من احتلالات وانتهاكات لحقوق الإنسان؛ فإننا ما عدنا نهتم بما يقرره أو يُصدره من إدانات أو استنكارات، لكن عتبنا على حكومات المجتمع العربي والإسلامي، والتي لم نر منها أي تحرك إزاء ما يحدث في الفلوجة وحلب من مجازر يعجز اللسان عن وصفها، أي قلوب يحملها هؤلاء، هل خُتم عليها، أم أصبحت في عداد الموتى، مدن تحترق وتباد وتستغيث ولكن ليس لها من حكامنا سامع! يالهول هذه المصيبة!.
إن سكوت عالمنا الاسلامي عن هذه الجرائم هو الذي دفع بروسيا وإيران إلى إبادة هذه المدن وغيرها، محاولين من خلال ذلك فرض هيمنتهم ونفوذهم على العالم الإسلامي، ولا أعلم إلى اي وقت سيبقى صمت مجتمعنا عن كل ما يفعل بالفلوجة وحلب وتعز ومدن أخرى.
ولا نستغرب أن المعاناة التي تمر بها الفلوجة وحلب وأخواتهما هي ضريبة لما أنتجته من علماء وفقهاء وأدباء، فحان الوقت الآن لكي ينتقم أعداء الإسلام منهما، ويُغيروا فطرتهما وطبيعتهما.
لكن ورغم هذه المأساة، وكثرة الجراحات، رغم أنين اليتامى، وصيحات الثكالى، رغم ما نراه من مجازر تقشعر لها الأبدان، ويبكي لهولها كل إنسان؛ فإن الله عز وجل مطلع على الأحوال، وبيده قلوب الخلق، يقلبها كيف يشاء، فلا نيأس فالله عز وجل سينصر عباده، وسيجعل بعد عسر يسرا.
وإن كان اهل الفلوجة وحلب واخواتهما يتألمون؛ فإن أعداءهم يتألمون، ولكن ما يميز أهل الحق أنهم يرجون من الله مالا يرجوه أهل الباطل.
ستبقى الفلوجة وحلب تسطران تاريخا مجيدا وبطولات خالدة، وستبقى المجازر التي ارتكبها أعداء الله ضدهم في عقولنا، ولن ننسى المواقف الهزيلة التي وقفها المجتمع العالمي مع هذه المدن الباسلة.
فاصبري يافلوجة الأحرار واصبري يا حلب الأبرار، فالنصر صبر ساعة، ولن يخذلكم الله ما دمتم على الحق سائرين، وستبقى دماؤكم عطرا يفوح في ديار المؤمنين يستنشقه المجاهدون والمرابطون، ورمزا للسائرين في طريق الحرية والكرامة.
مقال خاص بموقع الهيئة نت
