هيئة علماء المسلمين في العراق

مشروع الفوضى الإقليمية ....عاطف الغمرى
مشروع الفوضى الإقليمية ....عاطف الغمرى مشروع الفوضى الإقليمية ....عاطف الغمرى

مشروع الفوضى الإقليمية ....عاطف الغمرى

جددت حرب “إسرائيل” على لبنان، الحديث عن سياسة الفوضى البناءة أو التدمير البناء. وكان البعض في الشهور الأخيرة يتصور أن هذا التعبير مجرد كلمة جاءت عرضا على لسان مسؤول أمريكي، وانتهى أمرها.
 
والحقيقة أنها مصطلح كانت قد جرت صياغته في أبحاث لمفكري حركة المحافظين الجدد التي تدير السياسة الخارجية في حكومة بوش مثله مثل مصطلحات أخرى سلكت الطريق نفسه، في مناقشات وأوراق عمل معاهد ومراكز المحافظين الجدد، إلى أن تحولت إلى مبادئ رسمية في الاستراتيجية الأمريكية، ودخلت مجال التطبيق في السياسة الخارجية، مثل: ضرورات حرب العراق وتغيير الأنظمة، والحرب الاستباقية والعدو المحتمل وغيرها.
 
ومصطلح التدمير البناء ينسب أصلاً إلى مايكل ليدن، أحد أبرز الخبراء والمفكرين السياسيين بمعهد “أمريكان انتربرايز”، وهو المؤسسة التي تجمع في عضويتها قيادات حركة المحافظين الجدد، وهي منطلق نشاطهم، ومنبرهم الذي تعلن منه آراؤهم وتوجهاتهم السياسية.
 
وقد وصفت دراسات أمريكية عديدة ليدن بأنه من أهم المفكرين الذين لعبوا دوراً في صياغة استراتيجية الأمن القومي الجديدة لحكومة بوش والمعلنة في 20 سبتمبر/ أيلول 2002. وأن أفكاره تمثل مصدراً مهماً للشخصيات الرئيسية في حكومة بوش المنتمين للمحافظين الجدد، وعلى رأسهم ديك تشيني، ودونالد رامسفيلد، وبول وولفويتز.
 
وأفكار ليدن كانت موضع دراسات محللين أمريكيين، أثناء رصدهم الاتجاه منذ حرب العراق، نحو خلخلة الشرق الأوسط، بما يخلق حالة من الفوضى، التي يعاد من خلالها ومن قلب الأنقاض بناء أوضاع المنطقة من جديد.
 
وكان ليدن قد كلف في عام 2003 أن يقود فريقاً من خبراء معهد “أمريكان انتربرايز”، لإعداد تفاصيل مشروع تغيير الشرق الأوسط مدته عشر سنوات، ويشمل اصلاحاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، يبدأ بالعراق بعد غزوه. وهو النواة التي استند إليها فيما بعد مشروع الشرق الأوسط الكبير.
 
والمعروف أن معهد “أمريكان انتربرايز” هو المكان المفضل للرئيس بوش منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول ،2001 للتحدث من على منبره وإعلان سياساته المستقبلية خاصة تجاه الشرق الأوسط.
 
وضمن أفكار ليدن ومعتقداته التي يعد من أهم دعاتها فكرة التدمير من خلال الحرب، والحرب الشاملة في الشرق الأوسط، ويقول عنها في كتاباته: إن الحرب الشاملة لا تدمر القوة العسكرية للعدو فحسب، بل أيضاً تدفع مجتمع العدو إلى أقصى نقطة يكون عندها مستعداً لقبول تغيير كامل في توجهاته الثقافية.
 
  ويشرح في كتاباته كيف أنه يؤمن بالعنف خدمة لانتشار الديمقراطية بما يحقق مصالح أمريكا.
 
  وقد وصف الكاتب جون لوجلاند أفكار ليدن التي وردت في كتابه بعنوان “سادة الإرهاب”، بأنها تحمل موافقة على سياسة الفوضى.
 
  وعن نظرية التدمير البناء أو الفوضى البناءة، كتب ليدن يقول: التدمير البناء هو من أخص صفاتنا. سواء داخل مجتمعنا أو في العالم الخارجي. فنحن نمزق النظام القديم كل يوم، من التجارة إلى العلوم، والأدب، والفنون، والمعمار، والسينما، إلى السياسة والقانون. وأن أعداءنا قد كرهوا منا هذه الريح الخلاقة، التي تهدد تقاليدهم أياً كانت، وتشعرهم بالخزي لعدم قدرتهم على مجاراتنا. وحين يشاهدون أمريكا تفكك المجتمعات التقليدية، فإنهم يخافوننا، لأنهم لا يرغبون في تفكيك مجتمعاتهم. ولا يمكنهم الشعور بالأمن طالما أننا متأهبون من أجل وجودنا، وهو ما يهدد شرعيتهم. ولهذا لابد أن يهاجمونا من أجل البقاء، مثلما يجب علينا أن ندمرهم من أجل دفع مهمتنا التاريخية للأمام.
 
  ومع أن المعروف أن بول وولفويتز كان القوة المحركة وراء مشروع حرب العراق، منذ قيامه عام 1992 بتكليف من ديك تشيني بوضع خطة استراتيجية عنوانها دليل التخطيط الدفاعي، التي تضمنت أول برنامج محدد للحرب على العراق، ضمن استراتيجية شاملة للهيمنة الأمريكية على العالم، فإن هناك كتابات أمريكية ترى أن أفكار ليدن دعمت الاتجاه نحو تدمير نظام حكم صدام حسين، كما اتفقت مصادر قريبة من وزارة الخارجية الأمريكية على خطأ ما قيل من أن وزارة الدفاع وضعت خطة غزو العراق، لكنها لم تضع خطة لما سيتم بعد الحرب. وقالت هذه المصادر الحقيقية إن كولن باول وزير الخارجية وقتئذ قد زود وزارة الدفاع بخطط كاملة أعدتها وزارته لإدارة العراق عقب الغزو، لكن البنتاجون تجاهل تماماً هذه الخطط.
 
  وكانت النتيجة إغراق العراق في حالة من الفوضى المقصودة، أملاً في بناء عراق جديد يختلف تماماً عما كان سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وأمنياً - لأن خطة الحرب لم تنفذ الهدف المعلن وهو تغيير النظام، بل طبقت خطة هدم النظام، وهي حالة معروفة في حسابات أي استراتيجية، بأنها لا بد أن تخلق فراغاً سياسياً وأمنياً، تكون الفوضى هي الأسرع لملئه.
 
  لكن زمام الموقف في العراق أفلت من يد واضعي هذه الخطة بشكل تجاوز كل توقعاتهم، خاصة نتيجة ظهور المقاومة التي أفسدت على القوة العسكرية الأمريكية مهمتها.
 
  إن الفوضى البناءة أو التدمير البناء، كانت نظرية لها أساس ووجود منذ كان الهدف الأصلي لحرب العراق حسبما قرر عسكريون أمريكيون نقلت عنهم الصحف الأمريكية في وقتها آراءهم ومعلوماتهم، في مارس/ آذار عام ،2003 هو إعادة رسم خريطة الأوضاع الإقليمية في الشرق الأوسط، بما يتفق مع أهداف السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وبما يهييء ل “إسرائيل” وضعاً محورياً ومركزياً مهيمناً في هذه الخريطة، وكان التدمير من خلال الحرب إحدى وسائلها.
 
  ولم يكن ما شهدناه في لبنان من تدمير كامل للمجتمع والدولة بالشيء المستغرب، لمن يتابع ويقرأ البرامج والخطط السياسية لفريق المحافظين الجدد. فهم وهم بالتحديد الذين وضعوا لليكود، وقت كانوا في المعارضة، السياسات التي ينقلبون بها على عملية السلام، وطرحهم لما سموه السلام مقابل السلام بديلاً عن مبدأ الأرض مقابل السلام، ودعمهم لكل خطوات العودة للمشروع الصهيوني.
 
  إن ما تفعله “إسرائيل” اليوم ليس فقط سياسات تنطلق من ظروف واحتياجات “إسرائيلية” محضة، فهذا جانب، لكنها وفي المقام الأول جزء أصيل من برنامج سياسي تفصيلي لتيار المحافظين الجدد، وضع ونشر وعلى مدى عشر سنوات منذ أول التسعينات في الولايات المتحدة، متضمناً ما كانت بدايته رؤى وأفكاراً ومصطلحات، تحولت عند وصولهم إلى السلطة في حكومة بوش إلى مبادئ رسمية للسياسة الخارجية الأمريكية الجديدة تجاه العالم العربي و”إسرائيل”، ومن ضمنها الفوضى البناءة أو التدمير البناء. وهو ما شهدناه في أبشع صورة في لبنان. حتى إن كوندوليزا رايس لم تستطع أن تمنع نفسها من النطق بالتعبير الذي قالت فيه: “إن ما يجري في لبنان اليوم سيكون ميلاداً لشرق أوسط جديد”.
 
  ولأن المحافظين الجدد ينتمون إلى تيار أيديولوجي يسيطر عليه فكره العقائدي متغلباً على النظرة الواقعية للعالم، فإن حساباته تثبت في النهاية خطأها، فليس منطق إلباس الاحتلال ثوباً زاهياً، أو تجميل قبحه ودمامته، بقادر على دحر الإرادة القومية للشعوب في التحرر وصون الكرامة الوطنية من دنس الاحتلال والعدوان، وإلا لكانت فوضاهم البناءة قد أفلحت في العراق، مع أنهم حشدوا لها أعتى صنوف القوة العسكرية التدميرية، وأصبحنا نرى تقارير لأجهزة المخابرات الأمريكية نفسها تحمل عبارة “فشلنا في العراق”.

الدار العراقية

أضف تعليق